مخيم «كاليه» للاجئين: قنبلة موقوتة بين فرنسا وبريطانيا

16/03/2016 - 12:22:40

رسالة باريس: ماهيتاب عبد الرؤوف

لا تزال مدينة «كاليه» الفرنسية، الواقعة فى شمال فرنسا على بحر المانش الذى يفصلها عن بريطانيا، تشهد تدفقا غير مسبوق فى أعداد اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين الراغبين فى التسلل إلى إنجلترا أملا فى الحصول على حياة أفضل.  فعلى أطراف المدينة يقع «مخيم كاليه» العشوائى، والذى يعرف باسم «الغابة»، وهو أكبر مخيم لاجئين فى البلاد، حيث يضم قرابة ٧ آلاف مهاجر، لاسيما من سوريا وأريتريا وأثيوبيا والسودان وأفغانستان.. وبعد قرار القضاء الفرنسى بإزالة الجزء الجنوبى من المخيم، الذى يقيم فيه بين ٨٠٠ وألف مهاجر بحسب الحكومة الفرنسية، ونحو ٣٥٠٠ بحسب الجمعيات الإنسانية، تقوم حاليا السلطات الفرنسية بتفكيكه بشكل تدريجى وسط إجراءات أمنية مشددة وانتقادات حادة من قبل الحقوقيين.


ويعيش سكان “كاليه” الفرنسية فى أوضاع أمنية متردية واضطرابات، حيث تسبب تدفق أعداد كبيرة من المهاجرين إلى تنامى الجريمة والاعتداءات بالمدينة، فضلا عن المواجهات والاشتباكات بين المهاجرين ورجال الأمن.. واندلاع حريق كبير داخل المخيم لأسباب لم تعرف لحد الآن.. وآخرها إغلاق «ميناء كاليه» الأسبوع الماضى بعد أن اقتحمه نحو ٢٠٠ مهاجر عقب مظاهرة مساندة للمهاجرين، الذين يعيشون فى ظروف قاسية.. وقد أوضح دينيس جودين، نائب حاكم منطقة كاليه: “دخل نحو ٢٠٠ منهم الميناء وصعد ٥٠ تقريبا إلى سطح العبارة سبيريت أوف بريتين (تعمل بين طرفى القنال الإنجليزى)، والتى كانت راسية فى الميناء».. وحاول طاقمها إغلاق الأبواب لمنع المهاجرين من الصعود إلا أن بعض اللاجئين قرروا مغادرة العبارة طواعية، بينما تكفلت الشرطة بإبعاد الباقين.


كما شهدت «كاليه» مؤخرًا العديد من الاحتجاجات من قبل سكان غاضبين من وجود آلاف المهاجرين بالقرب من مدينتهم.


وكان آخرها مظاهرة غير مصرح بها نظمها نشطاء تابعون لليمين المتطرف، تمكنوا من محاصرة ثلاثة جسور تتيح للمهاجرين دخول المدينة، ورفع المتظاهرون لافتات تدعو إلى «التصدى لغزو أوربا والدفاع عن مدينة كاليه».. واعتقلت الشرطة الفرنسية ١٤ من بين هؤلاء المحتجين فى ميناء كاليه، بعد تفريق المظاهرة بالقوة.. وكتبت «مجموعة جيل الهوية اليمينية المتطرفة» عبر مواقع التواصل الاجتماعي: «على مدى أربعة أشهر كانت كاليه رمزا لما يجرى الآن فى أوربا، ومنذ بداية غزو اللاجئين شهدت المدينة هجمات على الشرطة وسائقى الدرجات النارية والشاحنات ناهيك عن التفكك الاجتماع والاقتصادى”.. وحملت المجموعة زعماء فرنسا وأوربا بأكملها مسؤولية تفاقم الوضع فى المدينة، قائلة: «إذا رفضت الحكومات الأوربية إغلاق الحدود لحماية شعوبها فإن المواطنين، سوف يقيمون المتاريس، كما هو اليوم فى كاليه».


وتعمل الشرطة الفرنسية بشكل شبه يومى على إحباط محاولات تسلل المئات المتجهين الى إنجلترا فى محيط «نفق المانش»، وهو نفق للسكك الحديدية تحت البحر يربط تربط بين المملكة المتحدة وفرنسا.. فمنذ يونيه الماضى والأوضاع تتفاقم يوما بعد يوما.. وقد لقى عشرات المهاجرين- المستعدين لفعل أى شيء من أجل الوصول إلى بريطانيا- حتفهم فى هذا الموقع وكان آخرهم موت مهاجر، أصيب فى الرأس عندما قفز من منصة إلى عربة قطار كانت على وشك دخول النفق. 


كما تعانى شركة “يوروتانل” المسئولة عن تشغيل “نفق المانش” من الأوضاع الصعبة فى هذه المنطقة، وطالبت كلا من فرنسا وبريطانيا بـ ٩,٧ مليون يورو لتعويض نفقاتها وخسائرها المرتبطة بتدفق المهاجرين غير الشرعيين، لاسيما المبالغ الكبيرة التى تدفعها لتأمين النفق وحركة القطارات.


فرنسا تهدد بريطانيا فى حال خروجها من الاتحاد الأوربى


وقد أدى تواجد آلاف المهاجرين فى منطقة «كاليه» إلى حدوث توتر بين فرنسا وبريطانيا.. وتصدرت أزمة المهاجرين القمة الفرنسية- البريطانية التى عقدت مطلع مارس الجارى بين الرئيس الفرنسى فرانسوا أولاند، ورئيس وزراء بريطانيا، دافيد كاميرون بمدينة «أميان» الفرنسية. 


وقبل انعقاد هذه القمة، حذرت فرنسا- على لسان وزير الاقتصاد إيمانويل ماكرون- من أنه فى حال أيد الناخبون البريطانيون الانسحاب من الاتحاد الأوربى فى استفتاء من المقرر أن يجرى فى يونيه المقبل فستنهى فرنسا ضوابط حدودية وتسمح لآلاف المهاجرين بالتدفق على بريطانيا.. وهذا ما كان قد صرح به من قبل رئيس الوزراء البريطانى بأن «مخيما للمهاجرين يعرف باسم (الغابة) فى بلدة كاليه الساحلية بشمال فرنسا يمكن أن ينتقل إلى جنوب إنجلترا إذا خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوربى”.


ففى حال خروجها سينتهى العمل باتفاق يسمح لبريطانيا بمراقبة الحدود ويمكنها من إبقاء المهاجرين غير المرغوب فيهم على الجانب الفرنسى من القنال الإنجليزى.


وقال أولاند - خلال مؤتمر صحفى عقب القمة - إن أوربا تسعى لتجنب ارتفاع إضافى فى أعداد اللاجئين القادمين عبر البحر نحو القارة الأوربية، مؤكدا فى الوقت ذاته ضرورة الحفاظ على كرامة اللاجئين واستقبالهم فى أقرب الأماكن إلى بلدانهم الأصلية. وأضاف أنه لابد من مساعدة تركيا واليونان والأردن و لبنان على إيواء الأعداد الكبيرة من اللاجئين الموجودين على أراضيها، مشيرا إلى أنه تم بالفعل تخصيص أموال من قبل الاتحاد الأوربى لهذا الغرض.


ومن جانبه، قال ديفيد كاميرون إنه بحث مع الرئيس الفرنسى خلال القمة الثنائية سبل صياغة إستراتيجية مشتركة للتعاطى مع قضية اللاجئين، وتعزيز الإجراءات الأمنية فى “كاليه”، مشيرا إلى أنه تقرر تخصيص ١٧ مليون جنيه إسترلينى لتعزيز الإجراءات الأمنية فى هذه المنطقة، التى تشهد مواجهات بين الشرطة الفرنسية وعدد من المهاجرين فى مخيمات المدينة. 


وتواجه كل من الحكومة الفرنسية والإنجليزية انتقادات حادة بسبب سياستهما تجاه أزمة اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين.. ففى فرنسا، تهدد هذه الأزمة الحزب الاشتراكى الحاكم، الذى يخشى مع اقتراب الانتخابات الرئاسية فى ٢٠١٧ من ارتفاع شعبية «اليمين المتطرف» الرافض بشدة لسياسة فتح الحدود المعروفة بفضاء شينجين، ويحمل الحكومة تداعيات توافد المهاجرين ومخاطر تسلل الإرهابيين بينهم.


أما الحكومة البريطانية فتواجه أيضا هجوما شديدا، لاسيما من النواب الإنجليز، لفشلها فى إعادة المهاجرين إلى أراضيهم.. وقد اعترف وزير شئون اللاجئين السوريين بوزارة الداخلية البريطانية ريتشارد هارينجتون، أمام البرلمان البريطانى أن بلاده لم تعد قادرة على ترحيل آلاف المهاجرين غير الشرعيين: «أين نعيدهم؟.. هذا الترحيل يبدو لكم سهلا.. يبدو أمرا منطقيا، ولكن الحقيقة أن معظمهم لا يمتلكون مكانا للذهاب إليه».


وتعى السلطات فى فرنسا وبريطانيا- الذين لا يستطيعون إغلاق الحدود ربما خوفا من حدوث اشتباكات تنتهى بكارثة إنسانية على أبوابهم - إنه طالما استمر الإرهاب والحروب والفقر فى الشرق الأوسط وإفريقيا فلن تنعم أراضيهم وشعوبهم بالأمان. 


وعلى الرغم من الجهود الكبيرة، التى تبذلها السلطات الفرنسية لتفكيك وضبط الشبكات المنظمة للهجرة غير الشرعية، والتى تساعد المهاجرين على الوصول إلى «كاليه»، تمهيدًا لنقلهم إلى بريطانيا، إلا أن فرنسا تنتظر أيضا بترقب كبير أن يحمل البحر لها مزيدًا من أفواج المهاجرين مع اقتراب فصلى الربيع والصيف وتحسن الأحوال المناخية.