بعد تفجير أنقرة الصراع التركى الكردى يدخل مرحلة «حرب المدن»

16/03/2016 - 12:19:51

السيد عبد الفتاح

لم يكد يمضى شهر على التفجير الذى ضرب العاصمة التركية أنقرة فى فبراير الماضي،حتى اهتزت المدينة بتفجير آخر وسط ميدان «كزالاى» مساء الأحد الماضى، راح ضحيته ٣٧ قتيلا و١٢٥ مصابا. لتصبح العاصمة التركية وغيرها من المدن التركية مسرحا للعمليات التفجيرية التى تعكس أن تركيا تحولت إلى هدف لهذه العمليات التى تارة يرتكبها تنظيم داعش الإرهابى، وتارة أخرى تعلن جماعة قريبة من الأكراد المسئولية عنها، ما يكشف عن خلل كبير فى الأجهزة الأمنية والمخابراتية التركية، سمح بوقع ثلاث عمليات ضخمة فى مربع خطير داخل المدينة بالقرب من منشآت حيوية للحكومة ورئاسة أركان الجيش التركى ومقر جهاز المخابرات. فى رسائل للنظام التركى بأنهم يمكنهم توجيه ضربات موجعة له فى أكثر المناطق التى يعتقد أنها آمنة تماما.


فى التفاصيل حول هذه العملية التفجيرية، نجد أنها وقعت فى ميدان «كزالاي» الذى سبق وأن شهد العملية السابقة فى فبراير الماضى، والتى أعلنت جماعة صقور كردستان المسئولية عنها. واستهدفت حافلة تقل عسكريين بالجيش التركى.


أما العملية الأخيرة فقد استهدفت مدنيين واختارت منطقة معروف عنها أنها مزدحمة. علاوة على أن هذه المنطقة حيوية وقريبة من مقار أجهزة تنفيذية وعسكرية ومخابراتية، فى تأكيد من الجهة التى قامت بها على قدرتها على الوصول إلى عمق النظام التركى وعرينه الآمن، أما أرقام الضحايا فهى الأكبر فى العملية الأخيرة، مابين ٣٧ قتيلا و١٢٥ مصابا.


وحتى الآن تشير المعلومات المتوافرة إلى أن شخصين ارتكبا العملية التفجيرية أحدهما شابة، بواسطة سيارة متفجرة، وأن هذه السيارة وكما كشفت وزارة الداخلية التركية مسروقة من سيدة مسنة بتاريخ ١٠ يناير الماضى من مدينة شانلى أورفا، وتم نقل السيارة بعد ذلك إلى مدينة ديار بكر فى نفس اليوم، والسيارة من نوع « بى إم دبليو» وتحمل لوحة أرقام تعود إلى مدينة اسطنبول.


وتوفرت معلومات عن الفتاة التى نفذت العملية، حيث إنها كردية تدعى «سهر تشاغلا دمير»، وهى طالبة فى جامعة باليكسير، التابعة لمحافظة باليكسير، وسط غرب تركيا. ولا تزال تشاغلا مسجلة فى الجامعة، بالرغم من تركها للمدينة منذ ٢٠١٣، عقب التحاقها بحزب العمال الكردستاني.


التصريحات الحكومية واتهام «العمال الكردستانى»


عقب التفجير سارع النظام التركى إلى اتهام حزب العمال الكردستانى كالعادة بالوقوف خلف هذا التفجير.


وقال رئيس الوزراء التركى أحمد داوود أغلو، إن المعطيات والدلائل الأولية، من مكان التفجير وتحليل المعلومات الاستخباراتية، تؤكد ضلوع المنظمة الإرهابية ـ فى إشارة إلى حزب العمال الكردستانى «بى كا كا».


فيما قال الرئيس التركى رجب طيّب أردوغان،تعقيبا على التفجير إن» تركيا لن تتخلى عن حقها المشروع فى مكافحة كافة أشكال التهديدات الإرهابية».


وأوضح فى تصريح مكتوب أن»تركيا غدت هدفًا للهجمات الإرهابية فى السنوات الأخيرة، جراء حالة عدم الاستقرار التى تعانى منها المنطقة».


وأشار أردوغان إلى أن السلطات ستواصل بحزم مكافحة المنظمات الإرهابية، لافتًا إلى أنّ المنظمات الإرهابية ومن يستخدمها كأدوات لصالحه باتوا يلجئون لطرق غير أخلاقية فى استهداف الأبرياء عقب كل مرة تلحق قواتنا الهزيمة بهم».


وأضاف الرئيس التركى أن « الشعب سيستطيع ترك هذه الأيام الصعبة خلفه، وأن على الأمة أن تكون متلاحمة فى مواجهة الهجمات الإرهابية الغادرة فى هذه الأوقات، وأن تكون متحدة ضد الإرهاب والإرهابيين ومن يدعمهم ويقف وراءهم».


من جانبها نددت أحزاب المعارضة التركية الرئيسية بشدة بالتفجير.


ودعا كمال قليجدار أوغلو، رئيس حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، الأحزاب السياسية فى البلاد، لإدانة التفجير، مشيراً فى بيان له، إلى ضرورة أن تدين الأحزاب التفجير، دون تردد، كونه يستهدف الاستقرار والسلم الاجتماعي.


وأعرب عن استعداده لتحمل جميع المسئوليات السياسية فيما يتعلق بالحرب على الإرهاب، مقدماً تعازيه لأسر ضحايا التفجير وتمنى الشفاء العاجل للجرحى.


من جهته، أكد رئيس حزب الحركة القومية «دولت باهجه لي»، أن الهجمات الإرهابية «لن تستطيع النيل من تركيا»، مشددا على أن بلاده «لن ترضخ للإرهاب».


وقال فى بيان له: «إن الساعين لإحداث فوضى عارمة فى تركيا، مع قدوم الربيع، ستمنى محاولاتهم بالفشل، وسيحاسبون على أفعالهم»، موضحاً أن «الشعب التركى سيقف جسدًا واحدًا أمام مشاريع مثيرى الفتن، وتجار الموت». واصفاً الهجمات الإرهابية بـ» كارثة جديدة « تواجه الشعب التركي.


فى السياق ذاته، أدان حزب الشعوب الديمقراطى التركي، تفجير أنقرة الإرهابي، ووصف الحزب فى بيان له، التفجير بـ «الهمجي»، مقدما تعازيه لأسر الضحايا والشفاء العاجل للجرحى.


وعلى الفور رد الجيش التركى على العملية، حيث نفذت مقاتلات تركية، فجر الاثنين الماضي، غارات جوية، على أهداف تابعة لحزب العمال الكردستانى، فى معقله بجبال قنديل شمالى العراق.


وأعلنت رئاسة الأركان التركية، فى بيان لها، عن قصف مقاتلاتها، ١٨ موقعا للحزب من خلال ٣٠ غارة.


علامات استفهام


هناك عدد من علامات الاستفهام طرحتها العملية التفجيرية الأخيرة فى أنقرة، أولها أن هناك تحذيرات أمريكية سبقت العملية حول احتمالات وقوع عمل إرهابى فى العاصمة التركية. فقد حذرت السفارة الأمريكية فى تركيا مواطنيها قبل أيام من التواجد فى نفس المنطقة التى شهدت العملية، ودعت السفارة فى بيان لها، مواطنيها فى تركيا، إلى الابتعاد عن حى «بهتشلى إفلر» بوسط العاصمة التركية، الذى يضم العديد من المواقع المهمة، منها ضريح أتاتورك «آنيت كابير»، ومقر قيادة القوات البرية التركية، إلى جانب عدد من مقار الوزارات التركية. 


ولعل هذا التحذير ووقوع التفجير دفع بالبعض فى تركيا إلى توجيه الاتهام إلى الولايات المتحدة، مشيرين إلى أن هناك تقاربا فى العلاقات بين واشنطن وبين الأكراد خاصة حزب العمال الكردستانى، الذى يعد المتهم الأول فى نظر الأتراك سواء الحكومة أو المعارضة أوالرأى العام، عقب أى تفجير أوعملية إرهابية.


أما علامة الاستفهام الثانية فهى حول أن مصادر أمنية حذرت قبل فترة قصيرة من احتمال وقوع أعمال إرهابية تتواكب مع قدوم فصل الربيع وأعياد «نوروز» الكردية، وأن حزب العمال الكردستانى يجهز ٦ سيارات مفخخة لتنفيذ عمليات إرهابية.


من يقف وراء العملية التفجيرية


حتى كتابة هذه السطور لم تعلن أى جهة مسئوليتها عن العملية، إلا أن الدولة التركية سارعت باتهام حزب العمال الكردستانى بالوقوف خلفها.


وتفيد المؤشرات إلى أن هناك صلة بين الحزب والعملية الأخيرة، خاصة وأن منفذة العملية كردية وعضوة بالحزب. كما أن العملية التى شهدتها أنقرة الشهر الماضى، وأعلنت تنفيذها لها جماعة صقور كردستان، لاقت ترحيبا من جانب الحزب على لسان صبرى أوك أحد القياديين بالحزب، الذى اعتبرها «تاريخية» وتأتى ردا على الجرائم ـ حسب وصفه ـ التى ترتكبها الحكومة التركية ضد المواطنين الأكراد».


ومن المتوقع أن تعلن جماعة صقور كردستان أو أى فصيل آخر له علاقة بحزب العمال الكردستانى، وقوفه خلف العملية الأخيرة.


وبالتالى فإنه من المستبعد وفق المعلومات المتوافرة أن يكون لتنظيم داعش الإرهابى أى علاقة بالعملية الأخيرة، خاصة وأن منفذتها شابة كردية. وكذلك فلن يكون للنظام السورى أى علاقة بهذه العملية.


تواصل الصراع بين أردوغان و» العمال»


يمكن اعتبار العملية التفجيرية الأخيرة، هى إحدى جولات الصراع المشتعل بين النظام التركى بقيادة أردوغان، والأكراد بقيادة حزب العمال الكردستانى، وأن الحرب بين الجانبين قد دخلت مرحلة جديدة أكثر خطورة، خاصة مع زيادة عمليات الجيش التركى فى المناطق الكردية جنوب شرق تركيا، وما تعرض له المواطنون الكرد فى هذه المناطق خاصة جرزة وسور وغيرها من المدن التركية، التى أعلنتها تركيا مناطق حرب وفرضت فيها حظر التجوال.


وأيضا مع تصعيد حزب العمال الكردستانى عملياته ضد الجيش والشرطة التركيين خاصة فى المناطق الكردية. وتهديد قيادات الحزب بدخول الصراع والحرب مرحلة أوسع باعتزام الحزب ومقاتليه القيام بعمليات نوعية داخل العمق التركى، وكذلك بإعلان الثورة الجماهيرية ضد الدولة التركية.


وقد شهدت الأسابيع والأيام الأخيرة صدور تصريحات من قيادات الحزب ومنهم جميل بايك ومراد قره إيلان ودوران كلكان. أكدوا خلالها أنه مع دخول فصل الربيع سيوسع مقاتلو الحزب من عملياتهم وأماكن هذه العمليات، وأنهم سيتحولون بشكل كبير من الدفاع إلى الهجوم بعد انتهاء فصل الشتاء والجليد.


وفى هذا الصدد قال بايك: «سنعلن قريباً عن جبهة المقاومة الثورية، باشتراك منظمات من داخل وخارج تركيا، وستقوم بالتنسيق مع بى كا كا، فهذا القرار عائد لنا، ونحن موجودون على الساحة ونترقّب ما يحدث على أرض الواقع، ففى الوقت الراهن، لا يوجد أى سبب يدفعنا للتخلى عن الصراع المسلح، بل على العكس تماماً، فخلال الأشهر القادمة سنركز عملياتنا، داخل الأراضى التركية».


وكان دوران كلكان صرح عقب عملية شهر فبراير الماضى بأن « شهر مارس القادم، سيكون بمثابة مرحلة المقاومة الكبرى، وعام ٢٠١٦، سيكون عام ربيعٍ بالنسبة للأكراد، وسنقوم بعمليات داخل المدن التركية».


ويبدو أن الحزب خطا خطوات متقدمة فى تحقيق ما أعلنه، حيث تم مؤخراً الإعلان عن تحالف بين الحزب وقوى يسارية تركية، وقال دوران كلكان إنه تم تشكيل تحالف ثورى بين حزب العمال وكل من الحزب الماركسى اللينينى الشيوعي، والحزب الشيوعى التركي/ الماركسى اللينيني،ووحدات الدعاية المسلحة الماركسية اللينينية،والحزب الماوى الشيوعي،وحزب المجهود التركى الشيوعي- اللينيني، واتحاد الشيوعيين الثوريين بتركيا.


وأكد توصلهم إلى اتفاق يقضى باتحاد هذه التنظيمات تحت اسم «الحركة الثورية المتحدة للشعوب».


وصرّحت الحركة الجديدة من خلال بيان لها، بأنها توصلت إلى اتفاق بخصوص إمكانية استخدام كافة الوسائل المتاحة، بما فى ذلك الصراع المسلح، لرفع مستوى ما سموها بالثورة، ضدّ الجمهورية التركية وحزب العدالة والتنمية.


أردوغان الجانى الحقيقى


ليس هناك من شك فى أن الرئيس التركى أردوغان، هو الجانى الحقيقى فى كل العمليات الإرهابية التى ضربت تركيا ودفع الشعب التركى الثمن غاليا فيها بدمائه. وذلك لأن أردوغان وحده هو المسئول عن إدخال تركيا والشعب التركى إلى هذا النفق المظلم والهوة الدموية بسبب سياساته ومخططاته الشخصية التى أقحمت تركيا فى الصراع المسلح فى سوريا، علاوة على تحالفه المشبوه مع تنظيم داعش وجبهة النصرة الإرهابيين فى سوريا. وكذلك نكوثه عن عملية السلام مع كرد تركيا، وشنه حربا ضخمة ضد المواطنين الكرد فى جنوب شرق تركيا، ما أشعل النيران من جديد فى الصراع التركى الكردى، اضطر معه حزب العمال الكردستانى للاستجابة للرغبة الأردوغانية ودخوله الحرب ضد الدولة التركية، دفاعا فى البداية عن نفسه وعن الشعب الكردى، ثم نقل بعدها الحرب إلى مرحلة جديدة داخل المدن التركية الأخرى، ومن خلال عمليات تفجيرية، وهو أمر لا نؤيده وننتقد لجوء حزب العمال إليه، لأن المدنيين فى النهاية هم من يدفعون الثمن، ولأن مثل هذه العمليات تخصم من رصيد حزب العمال ومقاتليه ليس فقط لدى الرأى العام التركى والعالمى وإنما عند الشعب الكردى نفسه.