إفريقيا والسياسة الخارجية المصرية فريضة واجبة لا بدائل ولا اتجاهات

16/03/2016 - 12:16:59

أ.د السيد فليفل عضو مجلس النواب والأستاذ بمعهد البحوث والدراسات الإفريقية

تعج كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بعشرات بل مئات من أنجب أبناء مصر، وأكثرهم تفوقا، يأتون من كل فج مصرى عميق ليدرسوا فى الكلية التليدة آملين أن يصبح أحدهم سفيرا لبلاده فى إحدى الدول الأجنبية.


وظيفة السفير وظيفة مرموقة لا تقل مكانة عن وظيفة الأستاذ الجامعى أو القاضى الجليل، ففيها وبها يخترق أبناء مصر من الأقاليم كافة حجب السلطة ويصلون إلى مقعد التأثير السياسى الدولى سواء أكانوا أبناء فلاحين أم عمال، أو كانوا من أبناء النخبة الحاكمة.


وتعد هذه الحقيقة واحدة من أهم سلالم الصعود الاجتماعى فى المجتمع المصرى وأساسا متينا لتذويب الفوارق بين الطبقات، وبصفة خاصة منذ أن أنصف جمال عبد الناصر عددا من أبناء الريف المصرى وسمح لهم بالالتحاق بوزارة الخارجية بناء على الكفاءة والدراية، وليس بناء على الحسب والنسب. ولاشك أن تمثيل الوطن أمام الدول الأجنبية هو قمة من قمم الطموح الإنسانى فى أى دولة، وهو أمر جعل وزارة الخارجية مدرسة للأذكياء وبيتا للوطنية المصرية وتناوب عليها وعلى سفاراتها شخصيات فذة استطاعت أن ترعى مصالح الوطن وتقدم فى سبيله التضحيات. وتمتلك مدرسة الخارجية ما هو أهم من المعهد الدبلوماسى الذى يقوم على تدريب شبان الدبلوماسيين وتأهيلهم لتمثيل الوطن، أعنى أنها تمتلك هذا الرصيد الوطنى الذى يقوم على سمة من الاحترام والالتزام بقواعد القول والفعل واتخاذ المواقف وفقا لأعراف دبلوماسية عريقة. ولا شك أن دولة قديمة مثل مصر تملك رصيدا يؤهلها أن تدرب غيرها فى هذه المجالات. وقد جرت تقاليد الدولة المصرية على أن رئيس الدولة يصبح من فوزه رئيس الدبلوماسية المصرية، وعليه أن يصنع القرار السياسى الخارجى بالتعاون مع وزير الخارجية باعتباره عميد السلك الدبلوماسي، ولعل هذا يشكل ميزة نسبية لوزارة الخارجية حيث تعد من الوزارات السيادية، ومن القوى الوطنية الفاعلة ومن رموز الأمن القومى على المستوى الخارجى والمسئولة عن جوانب الاتصال بالدول الأجنبية ورعاية مصالح المصريين فيها فضلا عن مصالح الدولة المصرية وعن أمنها القومى من الخارج. على أن هذه الميزة التى تتمثل فى رئاسة الرئيس للدبلوماسية المصرية قد تشكل عائقا فى أحيان معينة يكون فيها الرئيس مشغولا بقضايا داخلية أو قد يكون مشغولا عن قضايا السياسة الخارجية بمصالح أنانية كما جربنا من قبل منذ وقت قريب.


ويعد عميد الدبلوماسية المصرية مسئولا بعد ذلك عن إدارة علاقات الدولة المصرية بالعالم أجمع وتلك مسئولية لو تعلمون جسيمة، فمصر دولة مركزية ليس فقط بنظامها الحاكم ولكن أيضا بعلاقاتها الخارجية، فهى مفتوحة على دوائر عمل دبلوماسى وسياسى واستراتيجى واسعة، وفى الاتجاهات كلها.


يقول نيلسون مانديلا إن مصر واحدة من دول قليلة فى العالم يمكن لها أن تتحرك فى اتجاهات ودوائر متعددة فهى عربية وإفريقية وإسلامية ومتوسطية وشرق أوسطية، وهى تمتلك قناة السويس وتشرف على التجارة الدولية وعندها توازن حركة أقاليم العالم كلها.


ومصر أيضا رأها نابليون بونابرت أهم موقع فى العالم، فإذا وازنا هذين القولين لمانديلا وبونابرت لعرفنا مدى أهمية سياسة مصر الخارجية بالنسبة لبقائها ووجودها، ومنذ العصور القديمة راحت سفارات ملوك مصر تطوف بالعالم وتتواصل مع الأقاليم كافة حتى أصبحت قبلة مطلوبة من سفارات الدنيا كلها، وقد حاول الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، حتى من قبل أن يتخلص من الاستعمار البريطاني، أن يضع إطارا لحركة السياسة الخارجية المصرية فتحدث عن الدوائر الثلاث العربية والإفريقية والإسلامية، لكنه سرعان ما أضاف إليها دائرة عدم الانحياز، لكن سياسة مصر الخارجية من بعد عبد الناصر وفلسفته الثورية واتجاهاته الشاملة فى العمل الخارجى بدأت تتسرب إلى التبعية غير المباشرة للسياسة الأمريكية، ومن أجل ذلك بدأت تبدو كالتى نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا، وبالتالى لم تعد مصر الثائرة المناضلة بل مصر التى تتفاهم مع الولايات المتحدة وتلتقى أحيانا مع المصالح الإسرائيلية على نحو بدد دور مصر القومى فى القضية الفلسطينية وأطلق مكانة متوهمة بزعامة شكلية ظهرت تأخذ القرار فى المنطقة العربية والإفريقية لا لصالح العرب والأفارقة، ولكن لأنها تنسق مع الولايات المتحدة أيا كان الثمن الذى تدفعه الدولة المصرية من كيانها ومصالحها، وأيا كانت الخسارة التى يتحملها الشعب المصرى من فقدان أصدقائه فى إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، ناهيك عن دول مثل الاتحاد السوفيتى ودول أوربا الشرقية والصين والهند وغيرها.


ولأى باحث أن يعجب كيف تحملت الدولة المصرية عبء هذه التبعية للولايات المتحدة لعشرات السنين وكيف استمرت دول العالم تحتفظ لمصر بمكانة مرموقة. والحقيقة أن هذه المكانة كانت للتاريخ ولذكرى ناصر، ولم تكن لمبارك ولا حتى للسادات من قبله. وبدلا من أن تستقبل القاهرة كينيث كاوندا وروبرت موجابى وأنديرا غاندى راحت تستقبل موبوتو سيسى سيكو وشاه إيران. وراح إعلامها يطنطن بالمكانة الدولية، بينما كنت ترى كل إفريقى أو عربى تقابله يتحدث معك وهو يفتقدك، ويرجوك وأنت أمامه ولا يجدك. باختصار بقيت الذكرى والأطلال وذهب الدور.


ولاشك أن وفاء الجماهير العربية والإفريقية للدور التحررى المصرى الذى مثلته عبارة عبد الناصر: «على الاستعمار أن يحمل عصاه ويرحل من أرضنا»، بقيت المشجب الذى تعلق عليه هذه الجماهير الأعذار لهذا الرئيس أو ذاك. ومن الملاحظ أن مصر فى فترة الرئيسين السادات ومبارك قد عرفت قمما فى الأداء الدبلوماسى من أمثال عصمت عبد المجيد وبطرس غالى وكمال حسن على وعمرو موسى وأحمد ماهر وأحمد أبو الغيط، ولكنها لم تستطع أن تعوض غياب الدور، فليس ببريق الدبلوماسى تحتفظ بالمكانة، وإنما بالقرار الذى يشكله وعى الدبلوماسي، ويعلنه لسانه، وتنفذه إرادته، وبعض هؤلاء خرج لإدارة جامعة الدول العربية فى موقع الأمين العام أمثال عصمت عبد المجيد وعمرو موسى ونبيل العربي، لكن هؤلاء كانوا مسبوقين بفترة غياب الجامعة العربية فى تونس من بعد كامب ديفيد، ولحقهم جميعا من بعد عودة الجامعة عبء ثقيل تمثل فى الانقسام العربى الحاد الذى نتج فى وقت دخول العراق إلى الكويت وتعمق فى وقت إنهاء وجود الدولة العراقية ثم انفرط العقد كاملا بتفكيك كل من سوريا وليبيا واليمن لكى تجنى الأمة العربية الحنظل، وتشرب المر.


ومن العجب أن بعض من شغل منصب الوزير أو الأمين العام لم يشعر بمسئولية قط تجاه الحال التى وصلنا إليها، وأكثر من هذا فإنه وجد من يحمله المسئولية كاملة وهو الرئيس، وما دام الرئيس يملك القرار فهو نفذ ما يريد الرئيس، وعلى من شاء أن يسأل أن يتوجه إلى الرئيس. وإن أحدا منهم لم يتوقف مع نفسه ساعة من نهار أو ليل ليسأل نفسه عن مسئوليته، ولم يهتف ضمير أحدهم: يا وليتى لقد ضيعت أمتي، والأكثر غرابة أن منهم من سود الصفحات أو ظهر على الشاشات يتحدث عن أمجاده وعن عطائه ويلقى بالمسئولية على الرئيس السابق. وهكذا اخترقت دوائر الأمن القومى اختراقا فجاء تحت مرأى ومسمع هؤلاء، وبات الباحث يتأمل فى مقارنة هؤلاء بمحمود فوزى أو عبد الخالق حسونة أو محمود رياض.


على أن الكارثة الكبرى هى أن هؤلاء- فيما عدا بطرس غالي- لم يلاحظوا غياب دور مصر الإفريقي، وذلك مؤشر على أنهم عاشوا الوظيفة وأهلموا الدور ناهيك عن طرح الرسالة من على كواهلهم، لقد باتت مصر تستصرخ مصلحتها فلا يجيب أحد.


هنا علينا أن نتساءل عن مكانة إفريقيا فى السياسة الخارجية المصرية، ولقد وافت لحظة من اللحظات الحاسمة حينما طرح على مجلس النواب المصرى تأسيس لجنة برلمانية للشئون الإفريقية، والمذهل أننا سمعنا أصواتا تتكلم بلسان هؤلاء عن وحدة السياسة الخارجية بينما جاء إجماع النواب مؤيدا لاختصاص القارة التى نعيش على أرضها بلجنة مستقلة ولا نقول منفصلة لأن الشأن الخارجى يدار وحدة واحدة وتفضى السياسة فيه فى اتجاه إقليم معين إلى الأقليم الآخر وتتداعم فيه الاتجاهات الاستراتيجية والتحركات الدبلوماسية، بحيث نستطيع أن نقول إن الدور الإفريقى لمصر يمكن أن يقوم به سفير فى بريتوريا وسفير فى برلين فى نفس الوقت، وأنهما يؤديان عملا واحدا آخر الأمر مهما نأت بهم السفارات وتباعدت بينهم القارات.


ولكى نكون واضحين علينا أن نناقش مع القارئ الكريم مسألة تحديد مكانة إفريقيا فى السياسة الخارجية المصرية، هل هى مكانة أصيلة فى الأداء الدبلوماسى أم هى مكانة طارئة ابتدعها الرئيس جمال عبد الناصر حينما تحدث عن الدوائر الثلاث كما سبق أن أشرنا؟ وهنا لابد لنا من العودة إلى تحديد قاطع لمصالح مصر فى القارة الإفريقية، وأيضا تحديد الوصف الذى ينطبق على هذه المصالح كى نجيب آخر الأمر: هل إفريقيا زائدة دودية يمكن استئصالها من سياستنا الخارجية؟ والحقيقة أننا يمكن أن نقول إن الذى يحدد تحركنا الدولى هو ثقافتنا وهويتنا ومصالحنا فثقافتنا عربية وهويتنا إسلامية ومصالحنا إفريقية، وعندئذ لك أن تسأل هل يمكن أن تستغنى مصر عن القارة الإفريقية؟ ولو شئت ردا لأجابك النيل: كف عن شرب مائى والجلوس على شواطئي، وانس خضرتى التى طرحتها على الصحراء المصرية، ولما كان هذا مستحيلا فإن مكانة إفريقيا فى حياة المصريين هى التى تصنع مكانتها فى السياسة الخارجية المصرية. إن أفريقيا هى المكان الذى نعيش فيه، وهى الماء الذى نشربه، وهو الجار الذى لم يحتل أرضنا والشعوب التى تشتاق إلينا، وتتطلع لدورنا.


إفريقيا أيها السادة الكرام من أبناء وطنى هى جماع الهوية والوجدان والمصالح، فإذا كانت مصر عربية اللسان وإسلامية الوجدان فإنها إفريقية البنيان. فقولوا لى بربكم هل من الممكن أن نعيش بغير لسان أو بغير وجدان أو بغير كيان؟ ومن من ثلاثتهم الذى يمكن تحمل غيابه، هل ثم قيمة للسان والوجدان للموتى ممن ليس لهم بنيان. إفريقيا أولا أيها السادة الكرام لسبب بسيط أن إفريقيا هى جماع الدور المصرى فهى القارة التى يعيش فيها ثلاثة أرباع العرب، وهى القارة التى ينتسب ٥٣.٥٪ من سكانها إلى الإسلام، وهى القارة التى يرد منها ٩٧٪ من الماء الذى نشربه ونزرع به، وإذا كان البعض لا يملك إدراك المصلحة المصرية مع القارة الإفريقية بشكل حاسم فإن هؤلاء ممن غاب عنهم كل ما سبق إيراده من حقائق علمية وواقعية إنما شكلوا عامل ضغط على مصالح الوطن بحيث بات الرئيس عبد الفتاح السيسى فور توليه الرئاسة مضطرا إلى تعويض ما فات، وتصحيح أخطاء سابقيه، والانطلاق على نحو سريع وبعد أسابيع قليلة من وصوله إلى سدة الحكم للتحرك صوب إفريقيا فإذا به يشارك فى قمة مالاجو، ثم يستقبل ويزور قادة الدول الأفارقة ثم يسعى لحل مشكلة سد النهضة ثم يستضيف مؤتمرا للتنسيق بين التجمعات الاقتصادية الإقليمية الإفريقية، ثم يعقد آخر لدعم الاستثمار فى القارة، وذلك وهو بعد لم يتم عاما ونصف العام فى السلطة.


ومع ذلك فليس بالرئيس وحده تصنع مصر سياستها الخارجية، إنما لابد من أن يتحرك المجتمع المصرى بكامل هيئاته ومؤسساته للمساهمة فى صنع القرار الخارجي، وفى هذا الصدد فإن من المهم أن يدرك المجتمع المدنى وفيه رجال أعمال وطنيون ضرورة الحركة إلى القارة الإفريقية، وهى حركة لابد وأن تقترن بالصبر على معطيات مناخ مختلفة وبيئة مختلفة وظروف سياسية وقانونية قد لا تكون مواتية للاستثمار، ولكن فى نفس الوقت يحفزهم على المشاركة أن إفريقيا تتغير إلى الأفضل وتخلع ثوب الفساد وتدخل إلى عصر الشفافية وتطرح القوانين المعوقة وتسعى لبيئة استثمارية جاذبة، والأهم من هذا كله شعوب تريدكم وتطلبكم وتسعد بكم وترى فيكم ألخ ، والشقيق شعوب ليست كتلك الشعوب التى تلفظنا وترفضنا وتستغلنا وتحجم تقدمنا وتساهم فى ضرب سياحتنا ووأد فرص تقدمنا. إفريقيا فيها الإنسان الإفريقى الحارس الأمين على نهر النيل وهو يطلب لنا دورا ويرجو منا حركة وينتظر منا استجابة ويسعى معنا إلى شراكة حقيقية. وفى هذا الصدد فإن واحدة من أهم أدوات السياسة الخارجية المصرية هى الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية والتى تتطلب دعما كبيرا بدءا من ميزانية العام القادم بحيث تستطيع أن تقوم بالدور المنشود والمطلوب فى قيادة وتوجيه كافة القوى المصرية صوب إفريقيا، وأيضا فى استقبال التفاعلات الإفريقية على أرض القاهرة. ومن غير المنطقى أن تدار هذه الوكالة بمبلغ زهيد لا يصل إلى ١٥٠ مليون جنيه، بل إن هذا المبلغ لو كان بالدولار فإنه لا يكفي، وإنما المطلوب أن تتم مضاعفته تدريجيا وعاما وراء عام بدءا من مبلغ ٥٠٠ مليون دولار حتى يمكن أن يصل بالخبراء المصريين إلى العواصم الإفريقية التى تجسد مصالح الوطن وتجتمع عندها فرص الوجود للدور المصري، لاسيما فى كل من الخرطوم وجوبا وكمبالا وأديس أبابا ومقدشيو وأسمرا ونيروبى وأبوجا ولوساكا وداكار وغيرها.


تحتاج مصر إلى آليات جديدة للعمل، كما تحتاج إلى تجديد آليات قديمة كانت فعالة. فيما يخص الآليات الجديدة فإن مجالات العمل والتدريب التكنولوجي، وخاصة فى مجال المعلومات والاتصالات، والتنمية البشرية طبا وصحة عامة وتعليما وثقافة وسياحة، كل ذلك يحتاج إلى برامج محددة ومخططة ومعدة سلفا لا تضطلع بها وزارة الخارجية وحدها، وإنما توضع على جدول أعمال كافة الوزارات المصرية فى إطار خطة تحرك شامل للدولة المصرية تجاه إفريقيا، ليس فقط لاستعادة المكان على أرض القارة، ولكن أيضا لاستعادة المكانة، لأن مكانة مصر تأتى من إدراك مصالحها وإنفاذ إرادتها فى الحفاظ على هذه المصالح والنجاح فى التوافق عليها مع الأشقاء، ولا يكون هذا إلا بالسعى إلى تجمع إقليمى فى منطقة حوض النيل بما يشكل جسما لوجود مصر الإفريقى له جناحان أحدهما فى المشرق العربى والآخر فى المغرب العربى بينما قدماه مغروستان فى أرض القارة من لدن البحيرات العظمى وصولا إلى البحر المتوسط.


ولاشك أن خطة تحرك استراتيجى على هذا المستوى تحتاج إلى جهد مركز من كفاءات وخبرات دبلوماسية واقتصادية ومن مفكرين استراتيجيين يستطيعون بإدراكهم أن يحيلوا المستحيل واقعا وأن ينقلوا مصر من حالة الحاجة والعوز إلى غنى بالأفكار يملأ الخزائن من ناحية ويقدم الخير للأشقاء بديلا عن الاستغلال الذى تقدمه القوى الكبرى الطامعة فى الموارد والطامحة إلى الهيمنة.


ولاشك أن البداية لهذا التحرك الشامل يبدأ بسؤال كل وزارة وهيئة عامة فى مصر عن برنامجها الإفريقي، وهم سوف يعثرون على كنز مخبوء هو المقرات التى كان قد أسسها جمال عبد الناصر إبان حركة التحرك لتحرير إفريقيا وتنميتها، وعنى بهذا مقرات شركة النصر للاستيراد والتصدير. أمد الله فى عمر السيد محمد فايق، ورحم الله السيد محمد غانم. فى أبيدجان أيها السادة الكرام مبنى عملاق لهذه الشركة هو الأضخم والأكبر والأكثر تميزا من ناحية الموقع رغم مضى عشرات السنوات على بنائه يحتاج إلى ترميم وإعادة إطلاق ويحتاج إلى تحديث يستند إلى متانة البنيان ويطرح شكلا عصريا يمكن من خلاله إطلاق بيت مصرى شامل فى العواصم الإفريقية يكون فيه معرض دائم ووحدة صحية دائمة ومركز ثقافى دائم ومسرح دائم يستضيف الفنانين من مصر ويجمعهم على أقرانهم فى هذه الدولة أو تلك ليعود التفاعل الإنسانى خلاقا كما كان.


تحتاج مصر أيضا من وزارة الثقافة إلى الوجود فى قلب القارة وتحتاج إلى كوارد ثقافية وفنية وأدبية معطاءة ومثقفة وقادرة على التواصل. ليست المسألة ما نوفره لها من مال، ولكن القضية هى ما توفره لنا من أفكار وما تبدعه لنا من تفاعلات تحتاج مصر إلى إنسان جديد يبعث دورا قديما فليس المهم فقط فى المكان، ولكن المهم أيضا فى الإنسان.


نحتاج مهندسين زراعيين وأطباء ونحتاج خبراء فى الحاسب الآلى وفى التقنيات الجديدة نحتاج إبداعا لتأدية الدور بروح الرسالة. وهنا لابد من الإشارة إلى تولى السيد أحمد أبو الغيط وزير خارجية مبارك قبيل الثورة مسئولية العمل فى الجامعة العربية أمينا عاما وهو الأمر الذى لمزته بعض الشخصيات وانتقدته لابتسامه هنا مع ليفنى أو تصريح هناك على الحدود، وعلى الرجل أن يثبت كما كتب فى مذكراته أن تلك كانت معطيات الحركة المتاحة فى زمن مبارك، وأنه اليوم وقد صارت الدولة المصرية مقر الجامعة العربية تحت إدارة رئيس جديد ومجلس وزراء جديد وبرلمان جديد وروح جديدة أهلا للانطلاق بالعمل العربى المشترك بأسرع ما يمكن. ولا شك أن السيد أحمد أبو الغيط مطالب بدور فاعل فى مجال العلاقات العربية الإفريقية يعوض به ما فات ويبنى به جسورا من التواصل ويؤسس لشراكة جديدة فى إقليم واحد عربى إفريقى ويتحرك صوب تفعيل بيت العرب لحصار المشكلات الناجمة عن خماسين الربيع العربى ومدركة فى نفس الوقت لرياح التغيير الدولية وضرورة التجاوب معها وطرح رؤى للتفاعل الإقليمى تفيد العرب من الرابطة الإفريقية وتصد بها ومعها ولها هجمات الاختراق التى تهب على الطرفين العربى والإفريقى من الشمال والشرق جميعا.


وتبقى وزارة الخارجية المصرية بحاجة إلى تغيير كبير فى آليات العمل وفى التنظيم الداخلي. إن مصر بحاجة إلى تصعيد وزير خارجيتها إلى موقع نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية، وبحاجة إلى أن يعاونه وزير للشئون الإفريقية وآخر لشئون التعاون الدولى كى يتكامل ما هو مالى مع ما هو دبلوماسي، وإن من مسئولية وزارة الخارجية أن تضع تصورا شاملا تقود به التحرك صوب إفريقيا وتدفع فيه وزارة الكهرباء للربط الكهربي، ووزارة الاتصالات إلى مجالها، ووزارة الزراعة للوجود فى حوض النيل، والثقافة لحمل رسالة التواصل الشعبي، وتتعاون مع البرلمان لتفعيل الصلات مع البرلمانات الدولية والعربية والإفريقية. أقول ذلك لأن وزارة الخارجية إن لم تصنع هذا فمن يصنعه؟