دماء على جدار السلطة (١٥) خروجًا عن مبادئ الإسلام

16/03/2016 - 10:51:46

بقلم - رجائى عطية

استدار عبد الملك بن مروان، بعد أن وطَّأ لسلطانه أمر الشام بالتخلص من منافسه الأموى الكبير الباقى عمرو بن سعيد بن العاص الملقب بالأشدق، وبعد أن ذبحه بيده ذبح الشاه، استدار يستهدف العراق وعينه فى ذات الوقت على الحجاز حيث العائذ بالبيت عبد الله بن الزبير، مدركًا أنه لن يخلص له الملك إلاَّ بالقضاء على هذا الرابض هناك الذى بايعه معظم المسلمين .


طفق عبد الملك يستنفر أهل الشام للخروج بهم إلى العراق، إلاَّ أنهم جعلوا يبطئون عليه، فانبرى الحجاج بن يوسف الثقفى يعرض عليه نفسه، وكان آنذاك فى حرس إبان بن مروان، ويقول لعبد الملك : يا أمير المؤمنين سلطنى عليهم، فَسَلَّطَه عليهم ـ قائلا له : اذهب قد سلطتك عليهم .


وظنى أن إبطاء أهل الشام فى الخروج، يرجع إلى أنه قد وضح لهم ولدى العامة أن الصراع صراع سلطة لا شأن للإسلام والعقيدة به، ولا ناقة لهم فيه ولا جمل، وفهم الطاغية الدموى الأريب : الحجاج بن يوسف الثقفى أنه لا غناء له فى إخراجهم عن الترهيب والترغيب، فبلغ فى الترهيب حد أن يأمر بحرق دار كل من يمر عليه ويتخلف عنه، ولم يغفل الترغيب فيما جعل يقرره من أُعطيات من بيت مال المسلمين لمن يخرج معه .


ضياع المحبة فى صراع السلطة !


سار عبد الملك بن مروان بأهل الشام إلى العراق ومعه الحجاج، فخرج مصعب بن الزبير للقائه فى جموع من أهل البصرة والكوفة، وهكذا صار أبناء الأمة التى عَزَّت باتحادها وراء دينها، صاروا أعداء فرقاء، يتلاقون لا للتساند معًا، وإنما لقتال بعضهم بعضا إشباعًا لرغبة الأمراء وعشقهم للسلطة .


ويقول المؤرخون إن عبد الملك لجأ إلى استمالة من يقدر على استمالته من العراقيين، فأرسل كتبًا إليهم يعدهم ويمنِّيهم بالمكانة وبالأموال والإمارات، ويقال إن إبراهيم بن الأشتر حمل إلى مصعب بن الزبير الكتاب الذى أتاه من عبد الملك مختومًا كما هو دون أن يفضه، ففتحه مصعب وقرأ ما فيه فإذا بعبد الملك يدعو إبراهيم بن الأشتر إلى نفسه ويجعل له فى المقابل ولاية العراق، فقال مصعب لإبراهيم بن الأشتر أتدرى ما فيه ؟! إنه يدعوك إليه ويعرض عليك ولاية العراق، فقال إبراهيم : ما كنت لأتقلد الغدر والخيانة، وحَذَّر مصعبًا بأنه كتب إلى كثيرين بما كتبه إليه، وأشار عليه بأن يبطش بمن أخفى عنه ما أتاه منه، فلم يستصوب مصعب أن يفعل ذلك ويزرع لنفسه عداوات بين عشائر العراق .


ويبدو أن طمع عبد الملك امتد حين تشارف الجمعان ـ إلى مصعب بن الزبير نفسه، فيروى أنه أراد أن يستغل ما كان بينهما من صفاء وإخاء وصداقة ومودة، فبعث إليه أن يدنو ليكلمه، وفى رواية أخرى أنه بعث إليه برجل من كلب، وكانت أم مصعب كلبية، وتتفق الروايتان فى أن عرض عبد الملك لمصعب كان تذكيرًا بما بينهما من صداقة وإخاء وصحبة على مدى ثلاثين سنة، ثم ينتقل منه إلى هدفه ومرامه : أنه خير له من أخيه عبد الله، ويعرض عليه أن يأخذ له البيعة من المصرين : البصرة والكوفة، والأمر بعد ذلك أمره، وزيرًا لا يُعصى ولا يُخَالف، وله أيضًا صحبته وإخاؤه .


ويقول ابن قتيبة فى الإمامة السياسية، إن مصعب رفض عرض عبد الملك، غير منكر لما كان بينهما من إخاء وصداقة، ولكن أخاه عبد الله أقرب منه رحمًا، ودون أن يفوت تذكيره بما كان من غدره وقتلِه ابن عمومته عمرو بن سعيد بن العاص، ثم دعاه إلى العافية بأن يترك عبد الله بن الزبير ما تركه، وألا يتعجل قتاله، ولكن عبد الملك أبى إلاَّ أن يمضى فيما اعتزمه، وقيل إنه أرسل إلى مصعب أن فى أخيه عبد الله ثلاث خصال لا يسود بها أبدًا : عُجْب قد ملأه، واستغناء برأيه، وبخل التزمه .


مقتل مصعب بن الزبير


التقى الجمعان بجمادى الآخرة سنة ٧١ هـ، ودارت رحى قتال مرير يعنينا دلالته
لا تفاصيله، واندلاع الحرب والعداوة بين المسلمين، ومن قتل فى المعركة من الصناديد والأبطال خصمًا من رصيد الإسلام والمسلمين، فضلا عن شيوع الغدر والخيانة فى هذه الحرب الضريرة التى دارت رحاها فى النهاية على « مصعب بن الزبير »، كما كانت قد دارت على «الحسين»، وأبت شجاعة مصعب أن يلحق بالبصرة، أو أن يفر إلى أخيه عبد الله بمكة، فلا السيف له بعار، ولا الفرار له بعادة، ورفض الأمان المرسل إليه، وقاتل حتى قُتل، وكالعادة التى استشرت نزل إليه عبيد الله بن زياد بن ظَبْيان فاحتز رأسه، وذهب بها إلى عبد الملك بن مروان فأثابه بألف دينار، إلاَّ أنه أبى أن يأخذها، لأنه لم يقتله فى طاعته، وإنما على وِتْر صنعه به، وترك « الرأس المحتز » ليهنأ بها عبد الملك وانصرف !


خطبة وخطبة


مع ابتعاد الشقة !


راعى الأساتذة أحمد أمين ومحمد أحمد جاد المولى والسباعى السباعى بيومى وأحمد زكى صفوت، الذين وضعوا كتاب « المطالعة التوجهية » ( ١٩٥٣)، الذى درسنا عليه فى نهاية المرحلة الثانوية، أن يضموا خطبة عبد الملك بن مروان حين دخل الكوفة مختالاً يوم قتل مصعب بن الزبير واجتزاز رأسه، إلى الرثاء البليغ المؤثر الذى ألقاه عبد الله بن الزبير فى أخيه .. لنرى ونقارن ونتأمل ونستعبر . وقد قالوا فى تقديم خطبة عبد الله بن الزبير، إنه لمّا بلغه خبر مقتل أخيه مصعب ـ أضرب عن ذكره أيامًا، حتى تحدث بذلك إماء مكة فى الطرقات، ثم صعد المنبر فجلس عليه مليًّا لا يتكلم، والكآبة على وجهه، وجبينه يرشح عرقًا، فقال رجل من قريش لرجل إلى جانبه : ما له لا يتكلم ؟ أتراه يهاب المنطق ؟ فو الله إنه للبيب الخطباء، قال : لعله يريد أن يذكر مقتل مصعب سيد العرب، فيشتد ذلك عليه . وهو فى ذلك غير ملوم. وقد كان، فألقى ابن الزبير خطبة فى رثاء أخيه بالغة البلاغة، عبر فيها عن جلده وصبره فى الشدائد، وتسليمه لقضاء الله، قائلاً فى آخرها إن الدنيا ما هى إلاَّ عارية من الملك الأعلى الذى لا يزول سلطانه ولا يبيد ملكه، فإذا ما أقبلت فإنه لا يأخذها أخذ الأشر البطر، وإن أدبرت لا يبكى عليها بكاء الضرع المهين، وبوسع من يريد أن يرجع إلى هذه الخطبة وإلى خطبة عبد الملك بن مروان، ليرى فضلا عن البلاغة، كيف ذهب الصراع على السلطة بأخوة الدين والدم إلى طرفى نقيض !!


فى شبه إجماع، أورد المؤرخون أنه بعد أن استوت الأمور لعبد الملك بن مروان، وأزمع الرجوع إلى الشام، انبرى إليه الحجاج بن يوسف الثقفى يقول له : يا أمير المؤمنين إنى رأيت فى منامى أننى أخذت عبد الله بن الزبير فسلخته، فابعثنى إليه، وولنى قتاله . وفى رواية أخرى إنه قال : إنى رأيت فى المنام كأنى أسلخ عبد الله بن الزبير، وطلب إليه أن يوله قتاله ففعل، وأرسله فى جندٍ كثيف من أهل الشام إلى مكة، ولكنه آثر أن يحط رحاله أولاً فى بلده الطائف، ليتخذها نقطة وثوب بالجيوش إلى حيث الكعبة المشرفة وبيت الله الحرام على نية قتال عبد الله ابن الزبير وقتله!


وهكذا وللمرة الثانية، فى جيل واحد، تتحول مكة من مركز إشعاع، التى جعلها الله مثابةً للناس وأمنًا للطائفين والعاكفين والقائمين والركع السجود، إلى هدفٍ لمرمى المتصارعين على السلطة، فى استخفاف بما لمكة والكعبة والبيت الحرام من حرمة واحترام وإجلال، واستباحة سفك الدماء فيها ومن حولها، وضرب أمانها وأمان أهلها وأمان الحجاج والمعتمرين والطائفين بالبيت العتيق، والساعين لأداء المناسك بين الصفا والمروة !


ويقول المؤرخون إن الحجاج انتقل من التربص إلى الهجوم، وجعل يرسل فرسانه وجنده فيقتتلون مع خيل عبد الله بن الزبير وأصحابه من حول مكة، دون أن ينال أى من الفريقين من خصمه، فكتب الحجاج إلى عبد الملك يستأذنه فى حصار ابن الزبير بمكة ودخول الحرم عليه، ويغريه بأن شوكة ابن الزبير قد كلت، وتفرق عنه عامة أصحابه، ويسأله أن يمده برجال للقيام بهذه المهمة، فكتب عبد الملك إلى طارق بن عمرو يأمره بأن يلحق بمن معه من الجند بالحجاج، فتحرك إليه فى خمسة آلاف انضموا إلى جند الحجاج فى حصار مكة وعبد الله بن الزبير .


وقال الرواة إن الحرب امتدت بين ابن الزبير والحجاج « ببطن مكة » ستة أشهر وسبع عشرة ليلة، وإن حصار الحجاج لابن الزبير بمكة امتد ثمانية أشهر وسبع عشرة ليلة .


وأورد الطبرى وغيره بسنده، أن الرواة رأوا « المنجنيق » يرمى به مكة، وأن السماء رعدت وبرقت، وعلا صوت الرعد والبرق على صوت الحجارة، وأن أهل الشام أعظموا ما رأوه، فأمسكوا أيديهم عن رمى مكة بالحجارة والمنجنيق، فخرج إليهم الحجاج من قبائه، وتقدم بنفسه ليرفع الحجر ويضعه بيده بالمنجنيق، ويرمى مناديًا فى الناس أن يرموا وهو معهم، وظل بهم حتى دفعهم لمجاراته، ولكنهم أحجموا حين قُتِل منهم رهط أصابته الصواعق، فجعل الحجاج يناديهم بأن رجال ابن الزبير يصيبهم مثل ما أصابهم، وظل قصف مكة بالمنجنيق يصيب البيوت والطرقات ويمنع الطواف والسعى بالبيت الحرام، حتى ضاق المقام على المسلمين بمكة، فتفرقوا تباعًا من حول ابن الزبير، وخرج عامة أهل مكة يطلبون إلى الحجاج الأمان .


المأساة ومقتل عبد الله بن الزبير


تتابعت فصول المأساة، وانفض الخائفون من حول عبد الله بن الزبير، ونال الخوف من ابنيه « حمزة » و« خبيب » فخرجا إلى الحجاج، وأخذا منه لأنفسهما أمانًا، وأشفق ابن الزبير على ابنه « الزبير » فطلب إليه أن يخرج فى طلب الأمان أسوة بأخويه : حمزة وخبيب، إلاَّ أن الزبير أبى إلاَّ الصمود إلى جانب أبيه حتى الموت، فكان له ما أراد . أما عروة بن الزبير بن العوام، فقد رأى أن أخاه قد أشرف على الموت بعد أن انفض الجميع من حوله، فدفعته عاطفته أن يقصد الحجاج طالبًا الأمان لأخيه، إلاَّ أن عبد الله بن الزبير رفض قبول الدنية بهذا الأمان .


وبلغت المأساة ذروتها، ينطق بوصفها الحوار الذى دار بين عبد الله بن الزبير وأمه ذات النطاقين : أسماء بنت أبى بكر .. دخل عليها عبد الله وقد بلغت المائة وذهب بصرها بعد أن رأى خذلان الناس من حوله، كما خذلوا الحسين من قبله، فقال لها : « يا أمة، خذلنى الناس حتى ولدى وأهلى، فلم يبق معى إلاَّ اليسير ممن ليس عنده من الدفع أكثر من صبر ساعة، والقوم يعطوننى ما أردت من الدنيا، فما رأيك ؟ » .


قالت له أسماء : « أنت والله يا بنى أعلم بنفسك، إن كنت تعلم أنك على الحق وإليه تدعو فامضِ له، فقد قتل عليه أصحابك، ولا تمكن من رقبتك يتلعب بها غلمان بنى أميّة، وإن كنت إنما أردت الدنيا فبئس العبد أنت أهلكت نفسك ! وأهلكت من قُتِل معك ! وإن قلت : كنت على حق فلما وَهَن أصحابى ضعفت، فهذا ليس فعل الأحرار ولا أهل الدين . وكم خلودك فى الدنيا ؛ القتل أحسن!»


هنالك تقدم عبد الله من أمه فقبل رأسها وطفق يقول لها : « هذا والله رأيى، الذى قمت به داعيًا إلى يومى هذا .. ما ركنت إلى الدنيا، ولا أحببت الحياة فيها، وما دعانى إلى الخروج إلاَّ الغضب لله أن تستحل حرمه، ولكنى أردت أن أعلم رأيك فزدتنى بصيرة على بصيرتى . فانظرى يا أمة فإنى مقتول من يومى هذا، فلا يشتد حزنك، وسلمى الأمر لله، فإن ابنك لم يتعمد إتيان منكر، ولا عملاً بفاحشة، ولم يَجُرْ فى حكم الله، ولم يغدر فى أمان، ولم يتعمد ظلم مسلم ولا معاهد، ولم يبلغنى ظلم أحدٍ من عمالى فرضيت به بل أنكرته . ولم يكن شئ آثر عندى من رضا ربى . اللهم إنى لا أقول ذلك تزكيةً منى لنفسى، أنت أعلم بى، ولكنْ أقوله تعزيةً لأمى لتسلو عنى . »


فقالت أمه فى إيمان واحتساب : «إنى لأرجو من الله أن يكون عزائى فيك حسنًا إن تقدمتنى، وإن تقدمتنى ففى نفسى . أخرج حتى أنظر إلى ما يصير أمرك . »


قال لها عبد الله وهو يتهيأ للخروج : « جزاك الله يا أمة خيرًا، فلا تدعى الدعاء لى من قبل وبعد » فقالت : « لا أدعه أبدًا، فمن قُتل على باطل فقد قتلت على حق . »


ثم إن هذه الأم الرءوم، طفقت تدعو ربها فى دعاء صابر حزين : « اللهم ارحم طول ذلك القيام فى الليل الطويل، وذلك النحيب والظمأ فى هواجر المدينة ومكة، وبره بأبيه وبى . اللهم قد سلمته لأمرك فيه، ورضيت بما قضيت، فأثبنى فى عبد الله ثواب الصابرين الشاكرين .. » .


لم يكن غريبا، ولا هو يحتاج إلى ترديد، أن عبد الله بن الزبير خرج يقاتل ببسالة وشجاعة حتى نهشته سيوف الكثرة، فسقط صريعا فى الرابع عشر من جمادى الأولى سنة ٧٣ هـ، واحتزوا رأسه وذهبوا بها إلى الحجاج وارتاع المسلمون فى مكة وفى غيرها لمصرعه، وزادت أحزانهم من إحجام الحجاج عامل عبد الملك عن دفنه، بل أمر بصلب جثمانه حتى يثير الرعب فى قلوب أنصاره، وروى الطبرى بسنده أن الحجاج بعث
« برأسه » ورأس عبد الله بن صفوان ورأس عمارة بن عمرو بن حزم إلى المدينة فنصبت بها، ثم ذهب بها إلى عبد الملك بن مروان، وأبى الطاغية أن يستجيب لنداء ذات النطاقين أن يسمح بدفن جثمانه المصلوب، وانشغل بأخذ البيعة لعبد الملك من أهل مكة، بينما يقال إن عبد الله بن عمر بن الخطاب مَرَّ على جثمان ابن الزبير المصلوب، فقال : « السلام عليك يا أبا خبيب، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، ولقد كنت صوامًا قوامًا وصولاً
للرحم . »


وهكذا مضى الصراع على السلطة إلى هدفه الضرير، تسيل به الدماء، وينصرف المتصارعون عن قيم ومبادئ الإسلام .(للحديث بقية)