مصر وأمريكا وإسرائيل قصة الصراع المستمر فى الشرق الأوسط (٣-٨) رسالة كنيدى المغرية.. ورد ناصر عليها

16/03/2016 - 10:49:41

بقلم - د. جمال شقرة أستاذ التاريخ الحديث وا لمعاصر ومدير مركز بحوث ا لشرق الأوسط بجامعة عين شمس

كانت إسرائيل أواخر سنوات أيزنهاور، هى الرابحة بشكل مباشر أو غير مباشر من التحول الذى حدث فى سياسة الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط، حيث اعترفت واشنطن بأن عبد الناصر يعتزم زيادة نفوذ الاتحاد السوفيتى فى الشرق الأوسط، حيث بدأت بالتدريج احتمالات التنسيق بين واشنطن وتل أبيب، وعندما أوشكت فترة حكم حكومة أيزنهاور الثانية على الانتهاء، أصبحت العلاقات بين البلدين أكثر وداً ودبت فيها روح جديدة من التعاون.


بينما يعتقد البعض أنه بوفاة وزير الخارجية، جون فوستر دالاس عام ١٩٥٨ وإحلال كريستيان هارنر مكانه، بدء عصر جديد فى علاقات الولايات المتحدة وإسرائيل يكاد ينعقد إجماع آخرين على أن الولايات المتحدة الأمريكية بعد انتهاء ولاية أيزنهاور، كانت فى حاجة إلى إدارة جديدة، تتعلم من أخطاء الماضى القريب، وتجارب الخمسينيات وتواجه التحديات التى تفرضها الستينيات، وتخطط لمستقبل يحافظ على قوة الإمبراطورية الأمريكية، ويحمى مصالحها، فى عالم شديد الاضطراب، ومن هذه الزاوية كانت نهاية فترة حكم أيزنهاور بمثابة اختبار حقيقى لمن سيأتى بعده.


كان ظهور جون كيندى، وانتقال الدائرة الأمريكية من الحزب الجمهورى الذى تولى الحكم لمدة ثمانية أعوام تحت إدارة أيزنهاور إلى الحزب الديمقراطى متواكباً مع هذه المتغيرات، فبينما كان أيزنهاور متمترساً خلف تاريخه العسكرى الطويل، جاء كيندى يناير ١٩٦١ ممثلاً لجيل جديد مختلف فى طريقة تفكيره وفى نظرته لمستقبل الإمبراطورية الأمريكية، ولسياستها الداخلية والخارجية.


ربما يعود ذلك إلى أن كيندى نشأ فى بيئة دبلوماسية وسياسية وكان يمثل عندما خطى خطواته الأولى إلى البيت الأبيض فى واشنطن ظهر يوم ٢٠ يناير ١٩٦١، أول رئيس أمريكى من مواليد القرن العشرين (القرن الأمريكى) ، كما كان أول كاثوليكى يُنتخب وهو ما ترجمه اليهود الأمريكيون على أنه انتصار على التعصب الدينى.


رغم أن كيندى أعلن من الوهلة الأولى، حرصه على حماية المصالح العالمية للإمبراطورية الأمريكية، ورفع شعار «الحدود الجديدة» أو «الآفاق الجديدة» إلا أنه كان مدركاً أن ذلك لن يتم إلا بتعاون الولايات المتحدة الأمريكية مع القوى المحلية الفاعلة فى الشرق الأوسط وغيره، فالديناميات المحلية تلعب دوراً مهماً فى صناعة وتحريك السياسات الداخلية والخارجية، ولعل هذا يفسر اهتمامه بقضايا التنمية الاقتصادية فى هذه البلدان بدلاً من تركيزه على الاعتبارات الأيديولوجية، كما كان مدركاً لأهمية التمييز بين التيار القومى والحركة الشيوعية، وكانت قناعته بأن الحكومات القومية أكثر قدرة على مواجهة المد الشيوعى من النظم التقليدية التى كانت تحكم بلدان الشرق الأوسط.


ولذلك لم تشغله كثيراً «الحرب الباردة» عكس أيزنهاور حيث انشغل بإيجاد حل عادل للصراع العربى – الإسرائيلى. السؤال: كيف سيكون ذلك وهو منحاز لليهود ونجح بأصوات اللوبى اليهودى، وأعلن تأييده العلنى لإسرائيل أثناء حملته الانتخابية؟


لم يكن أمامه إلا إعادة صياغة السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط والصراع العربى الإسرائيلى، وكان عليه أن ينهج نهجاً مختلفاً وجديداً، ولعل هذا يفسر اختياره لمجموعة من المساعدين الذين خبروا دول الشرق الأوسط، وكانوا على دراية بتفاصيل الصراع العربى - الإسرائيلى.


وبالفعل أعلن جون كيندى استعداده لمعالجة القضايا العالقة فى الصراع العربى – الإسرائيلى، خاصة الخلافات بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية العربية المتحدة بهدوء وحرية، كما أعلن اتجاهه لبناء علاقات جديدة مع دول الشرق الأوسط خاصة مصر بوصفها محورا مهما تتأثر به سياسات باقى دول المنطقة.


كان كيندى فى حاجة إلى إجابة عن ثلاثة أسئلة بخصوص، جمال عبد الناصر ودوره فى الشرق الأوسط:


السؤال الأول: هل يمثل جمال عبد الناصر موجة المستقبل فى العالم العربى؟


السؤال الثانى: هى يمكن عزل السياسة معه عن تفاعلات العلاقة مع إسرائيل؟


السؤال الثالث: هل من الممكن استحداث لغة فى التخاطب معه تتجاوز مفردات الحرب الباردة.


جاءت إجابة الخبراء الذين اجتمع بهم كيندى وفى مقدمتهم «آلان دالاس» مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، على السؤال الأول: بأن عبد الناصر يمثل بالفعل موجة المستقبل فى العالم العربى وعلى السؤال الثانى بأنه لا يمكن عزل سياسة الولايات المتحدة عن تفاعلات الصراع العربى الإسرائيلى، أما الإجابة على السؤال الثالث، فجاءت بأنه من المحتمل استخدام مفردات جديدة للتخاطب مع عبد الناصر.


ولعل هذا يفسر ظاهرة الرسائل المتبادلة بينه وبين جمال عبد الناصر، وبعض الحكام العرب، حيث اتضحت فيها المفردات الجديدة التى استخدمها كيندى بهدف كسب صداقتهم لمساعدته فى الوصول إلى تسوية سلمية بين العرب وإسرائيل.


فى هذا الوقت كان عبد الناصر يراجع سياسته الخارجية وكانت قناعته مع مطلع الستينيات، ضرورة العمل على تخفيض درجة حرارة الخلاف بين القوتين الأعظم.


ولذلك كان راغباً فى إقامة جسر جديد للتواصل مع الرئيس الجديد، فرغم تصريحاته المؤيدة لإسرائيل، كان عبد الناصر يستمع باهتمام للمفردات الجديدة التى كان يرددها كيندى فى خطبه وتصريحاته وأحاديثه.


وربما تجدر الإشارة إلى أنه فى الوقت الذى كان فيه الرئيس الأمريكى الجديد جون كيندى، يسعى ليضع بصمته فوق صفحات تاريخ العالم، بمحاولته صنع السلام فى الشرق الأوسط كان عبد الناصر قد فرض نفسه منذ حرب السويس، زعيماً مؤثراً فى تشكيل تاريخ المنطقة، بل تجاوزت زعامته حدود بلاده إلى دوائر أوسع فى آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، كرمز من رموز حركة التحرر الوطنى، ولقد أنتج اللقاء بين الرئيس الأمريكى الطموح والزعيم العربى الكبير مع بداية الستينيات دراما تاريخية جديدة أضيفت إلى تاريخ العالم.


انطلق كيندى من فكرة تبدو على المستوى النظرى سهلة وخالية من التعقيد كانت قضية اللاجئين هى أهم القضايا التى شغلته، وقدر أنه إذا ما نجح فى حلها فإنه سيكون بمقدوره تحقيق السلام والاستقرار فى الشرق الأوسط، لذلك كانت هذه القضية هى أهم القضايا التى تناولتها الرسائل المتبادلة بينه وبين جمال عبد الناصر، حيث كان يعتقد أن كل المطلوب أن يتم إقناع إسرائيل بتعويض اللاجئين أو إفساح المجال لعدد منهم للعودة إلى ديارهم، وهذا سيشجع الدول العربية على توطين الباقين منهم لديهم، وكان كيندى يدرك أن إسرائيل سوف تقاوم هذه الفكرة وسوف يدعمها مؤيدوها داخل الولايات المتحدة، كما كان يعتقد فى ضوء الدعم اليهودى الذى تلقاه عبر تجربة صناديق الانتخاب، أن اليهود ليس لهم مكان يذهبون إليه غير الحزب الديمقراطى، لذلك كان يرى أنه إذا تحرك بسرعة لتنفيذ فكرته لحل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، فسيكون فى استطاعته مقاومة أى نقد يتعرض له فى سعيه لكسب صداقة العرب خاصة أنه فى نفس الوقت سيعمل على ضمان أمن إسرائيل وإمدادها بما تحتاجه من دعم عسكرى.


أرسل «جون كيندى» رسالته الشهيرة إلى جمال عبد الناصر، يوم ١١ مايو ١٩٦١، وبدون مقدمات سأله عن رأيه فى الحل المناسب للصراع العربى الإسرائيلى وتسوية مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، كما نقل له قناعته بأن الوقت قد حان للاعتراف بالحقائق حتى تستطيع المنطقة أن تبنى مستقبلها على أسس من الثقة والتعاون والمصالح المشتركة، وأكدت الرسالة أن إزالة التوتر فى الشرق الأوسط سيبدأ بمعالجة مشكلة اللاجئين الفلسطينيين.


ويتضح من الرسالة أن الرئيس الأمريكى استند فى رؤيته لحل قضية اللاجئين على الفقرة رقم ١١ من قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم ٩٤ الصادر فى ديسمبر ١٩٤٧ التى نصت على حق اللاجئين فى العودة إلى ديارهم، ودفع تعويضات للذين لا يرغبون فى العودة عن ممتلكاتهم التى تركوها فى فلسطين.


على أية حال، أشار كيندى فى رسالته هذه، إلى أن الولايات المتحدة حكومة وشعباً: «يعتقدان فى إمكانية إيجاد تسوية مشرفة ومتسمة بطابع إنسانى لقضية اللاجئين، وهما مستعدان للمساهمة فى الأعمال والأعباء التى لابد أن تنجم عن حل لمثل هذه المشكلة العويصة إذا رغبت الأطراف الذى يعنيها الأمر فى هذه المساهمة أننا مستعدون لحل مشكلة اللاجئين على أساس المبدأ القاضى بإعادتهم إلى ديارهم أو تعويضهم عن ممتلكاتهم، وكذلك نحن على استعداد للمساعدة فى إيجاد حل منصف ومعقول للمشكلة الناجمة عن المشروع الخاص بتنمية موارد مياه نهر الأردن، كما أننا على استعداد للمساعدة فى إحراز تقدم بشأن أية ناحية من نواحى هذه المشكلة المعقدة…..».


ولقد استقبل عبد الناصر ومستشاروه رسالة كيندى بالاستغراب والاندهاش حيث قفز الرئيس الأمريكى فجأة وبدون مقدمات فى مراسلاته مع عبد الناصر من مشكلة كوبا والكونجو إلى الصراع (العربى – الإسرائيلى)، ولذلك اختلفت تقديرات عبد الناصر والمؤسسات المكلفة بدراسة الرسالة حول هدف كيندى الحقيقى.


على كل حال، جاء رد عبد الناصر على رسالة «كيندى» فى رسالة مطولة أرسلت فى اليوم الأول من شهر أغسطس ١٩٦١، شرح فيها عبد الناصر مراحل تطور القضية الفلسطينية، وارتباط مصر بها فى إطار انتمائها العربى القومى، وحدد فيها موقف مصر من إسرائيل، فهو غير مدفوع: «بعقدة مشحونة بالعواطف، وإنما هو عدوان تم فى الماضى، وأخطار تتحرك فى الحاضر، ومستقبل غامض محفوف بأسباب التوتر والقلق ومعرض للانفجار فى أى وقت.....».


ولقد بنى عبد الناصر سياسته بعد تلقيه هذه الرسالة منطلقاً من أن «كيندى» أراد أن يفرغ القضية الفلسطينية من مضمونها ويحصرها فى أضيق نطاق ممكن وهو قضية اللاجئين، ومن هذه الزاوية فرسالة كيندى لا تخرج عن كونها رسالة إغراء ماهرة تستهدف استدراج مصر إلى طريق الانزلاق والمساومة والتنازل عن الحقوق.


وعلى الطرف الآخر استوعب الرئيس الأمريكى، رد جمال عبد الناصر جيداً وتبلور الموقف الأمريكى فى اجتماع مجلس الأمن القومى الذى انعقد ليدرس رسالة عبد الناصر، فى أنه من الأفضل للسياسة الأمريكية أن تتحرك فى الشرق الأوسط بعيداً عن عبد الناصر، حيث إنه لن يقبل بتسوية الصراع العربى – الإسرائيلى على أساس أن القضية الفلسطينية هى مجرد قضية لاجئين، وبالتالى على الولايات المتحدة أن تنشر رأيها، وتحاول مع الدول العربية الأخرى، وربما تعود بعد ذلك إلى القاهرة.


ولعل هذا يفسر الحملات الإعلامية العنيفة التى انطلقت ضد عبد الناصر وسياسة الجمهورية العربية المتحدة، حيث وصُف نظام حكمه بالديكتاتورية الناصرية وتناولت الحملات امتناع الجمهورية العربية المتحدة عن التصدى الفورى بالسلاح لمحاولات إسرائيل تحويل مياه نهر الأردن، كما تكرر الحديث عن التسلط الفرعونى! على سوريا باسم الوحدة العربية، وكذلك وصف النظام بأنه يبتعد عن الدين ويقترب من الإلحاد، وأنه يزج بالأبرياء فى السجون وأنهم يتعرضون للتعذيب داخل أسوارها.


كل هذا الهجوم لأن عبد الناصر، فضح فى رسالته الموقف الأمريكى الذى ظل منحازاً لإسرائيل بعد وصول كيندى، الذى استهدف حصر القضية الفلسطينية فى موضوع اللاجئين، بينما أراد عبد الناصر وضع قضية اللاجئين فى مكانها الصحيح، كجزء من القضية الفلسطينية، ولأن عبد الناصر فنّد الموقف الأمريكى الذى تجاهل العدل والقانون مجافياً كل مبادئ الحرية والديمقراطية وذلك تحت تأثير اللوبى اليهودى، وأخيراً لأن عبد الناصر طالب كيندى بأن يمارس ضغوطاً حقيقية على إسرائيل لإجبارها على قبول تسوية عادلة مع الفلسطينيين.