التمويل الأجنبى.. وتكنولوجيا صناعة الثورات

16/03/2016 - 10:47:18

د. صفوت حاتم د. صفوت حاتم

بقلم - د. صفوت حاتم باحث وكاتب سياسى

كانت الانقلابات العسكرية أداة الدوائر الإمبريالية للتخلص من الأنظمة الوطنية بعد الحرب العالمية الثانية وحقبة الحرب الباردة.


ومع تغير العصر وانهيار الكتلة الاشتراكية وسقوط الإمبراطورية السوفياتية تغير الأسلوب الذي تبذله تلك الدوائر لإسقاط الأنظمة المناوئة .


فمنذ صعود «السكير بوريس يلتسين» على دبابة واقتحامه للبرلمان الروسى مؤيدا بالآلاف من المواطنين الروس.. تكرر نفس المشهد في بلدان أخرى: في رومانيا وبولندا وألمانيا الشرقية.. ثم الجمهوريات السوفياتية كجورجيا وأوكرانيا والجمهوريات السوفياتية في آسيا.


بدا واضحا أن هناك تبدلا في أساليب الاستعمار الجديد.. من شكل الانقلابات العسكرية ومغامرات الجنرالات الذين كانت تحركهم المخابرات المركزية الأمريكية، إلى أشكال جديدة تأخذ شكل الانتفاضات الشعبية أو ما أصطلح على تسميته «الثورات الملونة».


وقد تطورت صناعة «الثورات الملونة» كثيرا في السنوات الأخيرة، وينبغى الاعتراف أن الدوائر الغربية.. خصوصا في الولايات المتحدة الأمريكية.. قد نجحت في تصميم وتأهيل عدد من تلك الانتفاضات الشعبية المبرمجة.. ونجحت في صبغها بطابعها الإنسانى الساعى للحرية والرافض للديكتاتورية.


وربما كانت البداية الحقيقية لهذه الظاهرة دول أوروبا الشرقية والجمهوريات التابعة لروسيا في أوروبا وآسيا، ففى جورجيا اندلعت ماسمى الثورة الوردية عام ٢٠٠٣.


ثم اندلعت الثورة البرتقالية في قيرغستان التي تلونت بألوان مختلفة.. فقد تحولت من الثورة البرتقالية إلى ثورة التوليب.. ثم ثورة الليمون.. لتعود مرة أخرى بلون زهرة التوليب عام ٢٠١٠ !!


وفي تونس ومصر أطلقت وسائل الإعلام الغربية العديد من الصفات والألوان، فقد أطلقت وسائل الإعلام الغربية على الانتفاضة التونسية ألقاب: ثورة الياسمين وثورة البلح، وفى مصر اكتسبت انتفاضتها الشعبية في يناير صفات متعددة: ثورة التويتر.. ثورة الشباب.. ثورة الأهرامات.. ثورة الميدان.


أما أوكرانيا فقصة ثوراتها أصبحت أمثولة من أمثولات تطور تكنولوجيا الثورات الملونة.. فقد افتتحت العرض بثورة البرتقال عام ٢٠٠٤.. لنصل إلى ثورة «أورو ميدان «Euromaidan ..فى عامى ٢٠١٣ -٢٠١٤ .


وشهدت بلدان أخرى نفس السيناريو من الثورات الملونة.. التى تبدو تلقائية وسلمية فى الظاهر.. ولكن تخفى أصابع قوى أجنبية خارجية : بيلوروسيا ٢٠٠٦ .. مالدوفيا ٢٠٠٩.. تايلاند ٢٠٩٩ .


وتستخدم الدوائر الغربية الآن أحدث تكنولوجيا الإعلام لتحضير وتدبير تلك الانتفاضات الشعبية .والخطوات الأولى في الإعداد لتلك «الثورات الملونة» يبدأ بالخطوة التحضيرية من خلال تكوين صورة إعلامية داخلية شديدة السلبية عن السلطة الحاكمة من خلال استغلال كل الحوادث الاجتماعية الناتجة عن الفساد أو انعدام العدالة الاجتماعية فى التجهيز للانفجارات الشعبية .


بل وصل الأمر إلى حد استغلال الحوادث والكوارث الطبيعية لإظهار عجز النظام الحاكم عن إدارة البلاد أو إظهاره بشكل شيطانى.


نذكر على سبيل المثال: سقوط طائرة البوينج الماليزية في أوكرانيا.. والتى استخدمتها الدوائر الإعلامية الغربية في «شيطنة» روسيا واتهامها بالمسئولية المباشرة عن سقوط الطائرة.. وقبل ظهور نتائج التحقيقات فى الحادث.. وتصوير الرئيس الروسى فلاديمير بوتين في صورة القاتل الشرير!


وهو نفس ماحدث مع مصر بعد سقوط الطائرة الروسية فوق سيناء.. فقد اتجهت الدوائر الإعلامية فور الإعلان عن سقوط الطائرة إلى اعتباره عملا إرهابيا وتوجيه أصابع الاتهام للسلطات المصرية بالإهمال وعدم الجدية في التعامل مع أمن الطائرات. وكان الحدث الأكثر تأثيرا هو موقف المبالغة والحدة الذي اتخذه رئيس وزراء بريطانيا أثناء زيارة الرئيس السيسى لها.. مما أعطى رد الفعل البريطانى صدى مشبوها في أوركسترا العداء للنظام الحاكم فى مصر .


والوسيلة الثانية من وسائل تطور تكنولوجيا صناعة الثورات هي تفتيت الوعى الجماعى للجمهور وتشتيته من خلال بث الإعلام لحوادث صغيرة متناثرة.. قد لا تكون ذات أهمية كبيرة في ذاتها.. ولا علاقة لبعضها البعض.. لكن إثارتها عبر شبكات إعلامية مختلفة وبطريقة عشوائية.. يجعل المتلقى قابلا لتكوين وعى سلبى تجاه السلطة الحاكمة وتصديق أى شائعة .


ونذكر هنا.. على سبيل المثال.. ما فعلته وسائل الإعلام الغربية عام ٢٠٠٨ حين روجت لفيديو إطلاق صواريخ جراد.. قامت به السلطات في جورجيا.. وتم الادعاء بأنه هجوم صاروخى روسى على جورجيا .


وبنفس الطريقة تم تصوير فيديوهات في قطر والادعاء بأنها وقائع حدثت في ليبيا، وشهدت أوكرانيا نفس الظاهرة من ترويج لفيديوهات مزورة والادعاء بحدوثها في أوكرانيا.


وهكذا أصبحت قضية التمويل الأجنبى للجماعات الرافضة والاحتجاجية هى قضية الساعة ، ففى روسيا وجدت سلطات التحقيق عند تفتيش بيت  المعارضة الروسية «ناتالى بيليفينا» إحدى قيادات حزب التحرر الوطنى، وثائق مهمة كشفت عن علاقات مالية مشبوهة بين «المؤسسة الوطنية للديمقراطية».. إحدى أذرع وزارة الخارجية اﻷمريكية.. وبين جماعة «٦ مايو».. وهى الجماعة التى تزعمت احتجاجات ٦ مايو ٢٠١٢.. وكانت وراء الاعتصامات التى تمت بميدان «بلوتونايا «


وكانت الوثائق التي عثر عليها قد كشفت عن تمويل المؤسسة الامريكية للجماعات المعارضة عبر السيدة «ناتالى بيلفينا».. كوسيط روسى.. لإحداث احتجاجات وتظاهرات ضد إعادة انتخاب فلادمير بوتين للمرة الثالثة.


وقد طرحت في مصر كثيرا قضية التمويل الأجنبى للجمعيات الحقوقية والجماعات المعارضة.. كجماعة ٦ إبريل.. وبقيت الأمور في دائرة الاتهامات المرسلة، أو الغموض المتعمد .


وأظن أنه قد آن الأوان للتعامل مع قضية التمويل الأجنبى بشكل أكثر جدية.. واتخاذ الإجراءات القانونية لإجبار الأفراد الذين يعملون فى النشاط الحقوقى بضرورة الكشف عن وسائل تمويلهم وكيفية صرفها والهيئات التى تتبرع لهم.. أو تلك التى يتلقون منها الأموال.