الضائعة

16/03/2016 - 10:34:28

أحمد سعدة

فى «نص الليل».. تتهيأ القلوب للشكوى والبوح بما فيها، وترسل أوجاعها إلى السماء، بعد أن يئست من رحمة أهل الأرض.. «المصور» تحاول أن تشارك قراءها هذه الآلام وتلك الاعترافات وتقدم لها الحلول


أنا فتاة من الإسماعيلية أهانتها الدنيا كثيرًا .. ولدت لأب وأم منفصلين .. أبى يعيش فى الشرقية مع زوجته الأخرى .. وأنا وأمى وأخواتى ننتقل بين بيوت الأقارب والمعارف.كنت طفلة أعمل مع أمى، كى نواجه أعباء الحياة.


نستيقظ فى ظلام الفجر، ونسافر لنشترى بضاعة وملابس من بورسعيد، ثم نبيعها فى القنطرة .. ولك أن تتخيل طفلة فى الابتدائية تحمل فوق ظهرها كيس بضاعة ضخماً يوازى وزنها .. ثم تقف مع أمها فى حر الشمس لتبيع فى الشارع، وتتحمل سخافات وأذى البشر، ومضايقات وملاحقات شرطة البلدية.


وكانت أمى دائما تقول: إن هذا أشرف لنا من أن نصبح عاهرات نتاجر بأجسادنا.


طفولتى بائسة، وخالية من أية ذكريات سعيدة .. وحينما وصلت للثانوية العامة خرجت منها لعدم قدرتى على الالتزام بمصاريفها .. ودخلت بدلًا منها ثانوية صناعية .. وحصلت على مجموع أهلنى لمعهد فوق متوسط.


وفى السنة الأولى فى المعهد، سافرت فى زيارة لوالدى فى الشرقية .. وهناك تعرفت على ابن عمى، الذى تعاطفت جدًا معه، لظروف مرضه بضمور فى العضلات.


وعدت للإسماعيلية، وبعدها طلب ابن عمى الزواج منِّى، رغم أننى لم ألتقه سوى مرة واحدة .. وكنت وقتها فى السابعة عشرة من عمرى، ووافقت، وكل ما فكرت فيه هو أننى سأستقر أخيرًا فى بيت، وأرتاح من البهدلة والعذاب والتعب.


وليلة الزواج تم فض بكارتى بالطريقة البلدية عن طريق أم زوجى وشقيقته .. وفهمت بعد ذلك السبب، بعدما اكتشفت أمورًا كثيرة أكبر مني، عن عجز زوجى ومرضه.


ونصحتنى أمه بأن أبقى موضوع عجز زوجى سرًا .. وأن البنت المحترمة لا تتكلم فى مثل هذه الأمور .. وكنت أصدقها بسذاجتى.


وعشت أربع سنوات من الحرمان والعذاب فى بيت عائلة ابن عمى .. وزوجى بسبب مرضه .. لا يذهب للحمام أو يتحرك من مكان لمكان إلا من خلالى، وعاملونى أقل من الخادمة بألف مرة .. وضرب من الكل، وبهدلة وشغل وحرمان من الأكل والنوم. 


ولم أر الشارع أبدًا خلال تلك السنوات العِجاف، ومنعونى من الخروج؛ خوفًا من أن أخون زوجى .. ولم أعرف حتى أن البلد قامت فيها ثورة، إلا بعدها بسنتين حينما نفذ صبرى، وتركت البيت وطلبت الطلاق.


وطردتنى أمى حينما عُدت إليها، وهكذا فعل والدى .. «ولفيت» على كل بيوت خالاتى وعماتى، وشعرت أنى عبء على الجميع وأن الكل لفظنى.


واتصل بى أهل زوجى، وألحُّوا على عودتى، وأخبرونى أن زوجى حاول الانتحار بعدما تركته، ووعدونى بتغيير معاملتهم معى.


ورجعت لهم .. لأنى لا أريد أن أكون سببا فى انتحاره، ولا أستطيع أن أعيش مع هذا الذنب .. وفوجئت أن حكاية الانتحار كانت مجرد كذبة لجر رجلى إليهم.


واستغلوا ضعفى وضربونى وأجبرونى على التوقيع على إيصالات أمانة على بياض.


وبهدلونى فى المحاكم والأقسام .. ثم طلقونى بعدما تنازلت عن كل حقوقى، وخرجت من عندهم بالملابس التى أرتديها .. ودون حتى أن أحصل على الإيصالات التى قمت بتوقيعها.


وخرجت من هذه التجربة شبه منتهية .. وميتة .. ومبعثرة .. وأنا لا أزال فى الحادية والعشرين من العمر .. وتركت الإسماعيلية، وسافرت إلى القاهرة.


وظللتُ أمشى فى الشوارع شاردة وخائفة .. لا أعرف إلى أين أذهب وأين سأنام.. وتقابلت مع ضابط فى الجيش تعاطف معى ومع دموعى، وساعدنى فى السكن مع فتيات التمريض العسكرى وأخبرهم أنى قريبته، وبعدها التحقت بعمل فى سوبر ماركت، وكنت أعمل فيه خمس عشرة ساعة متواصلة.


ولما علِمت الفتيات ظروفي، طلبن منى مغادرة السكن .. وانتقلت للعمل كجليسة لسيدة مسنة وأقمت عندها وكنت أحصل على أقل من نصف ما يحصل عليه غيرى. لكن لا بديل أمامى.


ومن مكان إلى مكان، ومن عمل إلى عمل .. اشتغلت فى كافيتيريات ومعارض ومحلات، وفى ملاجئ الأطفال كأم بديلة، وغيرها.


وانتهى بى الحال فى جريدة إليكترونية، وسكنت فى بيت المغتربات بجوار جامعة القاهرة.. وأذهب يوميا للعمل سيرًا على الأقدام .. وبدأت ألملم نفسى، والتحقت بالتعليم المفتوح فى الجامعة لدراسة الإعلام.


أربع سنوات فى القاهرة، ولك أن تتخيل كم المعاناة التى يمكن أن تلاقيها فتاة مطلقة تعيش وحيدة بلا سند أو عمل فى هذا المجتمع الأشبه بالغابة.


وأنا بالمناسبة على درجة من الجمال، وربما أن هذا ضاعف من عذابى ومحنتى، فكل شخص يعرف عن ظروفى، ينظر لى نظرة رخيصة، ويحاول أن يستغلنى .. وكل شاب يقترب منى وينوى الارتباط، يعود ويبتعد.


وكل الرجال لا ينظرون إلى كإنسانة لها قلب وروح، وينظرون إلى كفريسة ينبغى الانقضاض عليها .. فأنا فى نظرهم البنت الشمال .. وسمعت كلاما كثيرًا نال من عزيمتى وثقتى فى نفسى، وكسرنى.


فهذا يطلب منى علنا أن أكون عشيقته .. وهذا يتودد بالحب والحنان ثم يطلب فى النهاية أن ينام معى، ويقول: «وهى هتفرق معاكى فى إيه؟».


وأحببت شابًا وأحبنى، ثم سريعا ما خذلنى وصدمنى بأن أهله يرفضون فكرة ارتباطه بى ويقولون له: «هتصوم، وتفطر على بصلة».


وأقسم لك أنى رغم كل هذه الظروف لم أبتذل نفسى، ولم أترك أحدهم يلمسنى.


وكل علاقة دخلت فيها بنية الارتباط وتكوين أسرة وبيت .. رجعت بعدها مكسورة أجر خلفى خيبتي، وأحمل فى أعماقى جرحًا جديدًا.


وأصابتنى حالة من القلق والهلع من الغد والمستقبل .. ومررت بنوبات اكتئاب على فترات، كنت أعجز معها عن الحركة من سريرى .. وفقدت الأمل فى أن أعيش حياة عادية أكون فيها أما وزوجة فى بيت مستقر، وفقدت الثقة فى نفسى، وفى الآخرين.


إن مجرد كتبابتكِ لرسالة، تعنى أنك للآن لم تفقدى الأمل، ولم تفقدى الثقة فى كل الناس.


إن أقدارك وضعتك فجأة أمام تحدٍ ومفترق طرق ومسئولية جسيمة .. هى مسئولية نفسك. وأصبحتِ بين عشية وضحاها حرة مسئولة عن قراراتك ومصيرك، وهذا هو الذى أصابك بالرعب والهلع.


أنتِ الآن حرة .. والحرية مسئولية كبيرة على فتاة فى ظروفك وعمرك، وإن لم تكونى جديرة بها وعلى قدرها، تحولت إلى محنة وعذاب .. وافتقادك للإمكانيات والكفاءة والقدرة على إدارة حريتك وتحمل مسئوليتك، هو الذى يسبب لك الخوف والبلبلة.


لقد انتقلتِ من عبودية البيت، إلى عبودية صاحب العمل وصاحب السكن .. وهربتِ من أهل زوجك الذين قسوا عليك بالضرب والإهانة، وتحايلوا بإيصالات الأمانة، إلى أهل كايرو الذين يفتشون فى ماضيكِ ليجدوا سببا لقهرك واستغلالك.


لقد عاد قطار الظلم ليدوس عليكِ من جديد .. وأنت الآن مطالبة بقبول التحدى.


وكل ما هو مطلوب منكِ الآن، هو إثبات جدارتك .. وتحقيق نفسك .. وتحمل مسئوليتك .. وأن تبذلى مزيدًا من الإصرار والكفاح على مستوى التعليم والعمل.


إن مشوارك الآن طويل جدا، وطريقك للورود محفوف بالأشواك.. والجبال وعرة وخشنة لكن فى باطنها ذهب وفضة تحتاج منا لمجهود وعناء ومزيد من العرق لاستخلاص كنوزها.


والإنسان بعد سلسلة من التخبط والعلاقات والجرح وخيبة الأمل، يحتاج لفترة نقاهة يبتعد فيها عن أى علاقات، حتى ترتاح أعصابه ويتصالح مع ذاته، ويستعيد ثقته بنفسه.


إن دخولك أى علاقة بهذا الضعف واليأس ستلقى بك فى دوامة من القلق والخوف.. خوف من أن تنتهى العلاقة، وقلق من أن يبتعد عنك الطرف الآخر، الأقوى دائما.


ومشكلتك الحقيقية أنك تبحثين عن نفسك فى الحياة داخل نطاق الرجل، دون أن تبحثى فى داخلك وتستفزى قواكِ الكامنة.


إن الضعف يا عزيزتى شيء مكروه .. والرجل يهرب من المرأة الضعيفة التى تبالغ فى احتياجها إليه، وتعطيه نفسها دفعة واحدة .. بينما المرأة القوية تثير فيه الحماسة والرغبة والسعى لإرضائها.


إن حديثك الممل عن كل تفاصيل ماضيكِ للآخرين، هو الذى يمنحهم فرصة فى إصدار أحكام عاجلة عليك، ووضعك فى خانة البنت السهلة الضعيفة، التى تصلح لأن تكون فتاة نمشى معها، ولا نتزوجها.إن هناك أمورًا دائما يجب أن تبقى بين الإنسان ونفسه، ولا يطلع عليها غيره.


والمرأة لن يحبها رجل أو يثق فيها إلا إذا كانت تحب وتثق فى نفسها .. والرجل يهتم بالمرأة حينما يشعر بغلوها واعتزازها بنفسها.


ورسالتكِ تقول إنكِ فتاة عظيمة ومكافحة.. وقادرة على الإنجاز، وتجاوز كل الصعاب والمحن، وصناعة نفسك، وتحقيق نجاحات فى العمل تستعيدى معها الثقة.


ومع الثقة، كل شيء بعد ذلك سيصبح ممكنًا.