أنا وليلى مراد

14/03/2016 - 11:10:11

اشرف غريب اشرف غريب

كتب - أشرف غريب

من أجمل لحظات العمر أن يقطف المرء ثمرة جهده وإخلاصه، وأن يشعر بأن عناء عمله قد لقى ما يستحقه من تقدير، وقد عشت هذا الإحساس الخاص طوال الأسابيع الماضية منذ صدور كتابىى الجديد " الوثائق الخاصة لليلى مراد " الذى قضيت فى إنجازه عشرين عاما سعيا وراء تخليص سيرة هذه الفنانة الكبيرة من آفات ونواقص الكتابة عن السير الذاتية للمشاهير ومحاولة منى لتأسيس منهج أو أسلوب جديد فى التعامل مع مثل هذه السير يعتمد على الوثيقة وليس السرد التقليدى فضلا عن رفع الظلم الذى تعرضت له ليلى مراد حية وميتة بهذا الكم الهائل من المغالطات ولأكاذيب التى ارتبطت بها .
ورغم ردود الفعل المرحبة بالكتاب فإن الأمر لم يخل من الغاضبين والمهاجمين، فقد أغضب أعضاء جماعة الإخوان المسلمين الذين اعتبروه جزءا من الانقلاب الثقافى والأخلاقى الذى تعيشه مصر لا لشىء إلا لأننى اجترأت وذكرت واقعة إسلام ليلى مراد مجردة عن أى دور لمرشد الجماعة الأول ومؤسسها حسن البنا مع العلم بأننى لم أجد دليلا واحدا أو وثيقة تثبت أن للرجل دورا فى هذا، ولو كنت وجدت أيا من ذلك لما ترددت فى ذكره لأن الحقيقة عندى أهم من أية اعتبارات أخرى مهما كانت .
وقد أغضب الكتاب الناصريين أيضا لدرجة أن إعلامية معروفة تراجعت عن استضافتى فى برنامجها لأننى كشفت ما كان مسكوتا عنه طوال ستين عاما منذ توقف ليلى مراد عن التمثيل سنة 1955 من أنها لم تعتزل _ كما اشيع _ رغبة فى الحفاظ على صورتها لدى الجماهير وإنما أجبرت على الاعتزال وتم التضييق عليها عقابا لها على ولائها المعلن للواء محمد نجيب وكأنه ينبغى ألا تمس فترة حكم الرئيس عبد الناصر أو أن رجاله كانوا قديسين وملائكة لا يخطئون .. لأول مرة إذن يتفق الإخوان والناصريون على شىء وهو موقفهم من الكتاب، لكن المعجزة حدثت.
والحقيقة أننى مندهش من هذا الغضب المزدوج لأن الكتاب لا يعتمد على الحكايات والكلام المرسل وإنما على وثائق ووقائع لا تحتمل الشك أو التأويل وتبتعد عن الميول والأهواء، فالاعتماد على الوثيقة يوفر مجموعة من العوامل لا تتأتى عادة لأسلوب السرد التقليدى الشائع استخدامه ولا سيما فيما يتعلق بحياة المشاهير، من بين هذه العوامل أو المقومات :
أولا : المزامنة أو التلازم .. فأى وثيقة هى وليدة لحظة وقوع الحدث وملازمة له لا تفصلها عنه أية مسافات زمنية يمكن أن تأخذ من قوة الحدث أو تحرف تفاصيله أو تضيف إليه من عنديات أوناس لم يعاصروه أو حتى عاصروه ومارس الزمن هوايته المعتادة على ذاكرتهم، فوثيقة زواج ليلى مراد من أنور وجدى _ مثلا _ هى وليدة اللحظة التى أتما فيها إجراءات زواجهما أمام رئيس قلم المأذونية بمحكمة مصر الابتدائية فى الساعة الثانية عشرة ظهر الخامس عشر من يوليو 1945 ، ووثيقة إسلامها رسميا هى ابنة اللحظة التى نطقت فيها الشهادتين أمام قاضى المحكمة الشرعية فى السابع من ديسمبر 1947، وهكذا .
ثانيا : المصداقية .. لأن الوثيقة عادة عبارة عن مجموعة من البيانات الرسمية الصماء والحقائق الثابتة والمثبتة فإنها لآ تكذب أو حتى تتجمل، حيث تختفى تماما مساحة الاجتهاد، وينتفى عنها كليا أى افتئات، فلا يستطيع أحد الادعاء - مثلا - أن حسن البنا كان حاضرا فى مشهد إسلام ليلى مراد أو أن أنور وجدى اصطحب زوجته إلى مشيخة الأزهر لحضور جلسة النطق بالشهادتين وقت إشهار إسلامها، أو يجترئ آخر على انتحال تاريخ مغاير للسابع عشر من سبتمبر 1952 كتاريخ لصدور وثيقة القنصلية المصرية فى باريس فى خضم أزمة شائعة زيارة ليلى مراد إلى إسرائيل والتبرع لجيشها .
ثالثا : الحيادية .. لما كانت الوثيقة هى ابنة الحدث ولصيقة به، ولما كانت تحظى بهذا القدر الهائل من المصداقية فإنها تتمتع بالحيادية التامة والبعد عن المبالغات والأهواء الشخصية بحيث لا يمكن تلوين البيانات أو اجتزائها أو الإضافة إليها لصالح غرض معين، أو نسب وقائع لأشخاص غير ضليعين فى الحدث بهدف النيل منهم أو حتى إكسابهم بطولة لا يستحقونها سواء كان ذلك عن جهل أو عن عمد أو عن تكرار ببغائى يتوارثه الحكاءون فى زمن الفضائيات والمواقع الإليكترونية، فيرتدى بالتراكم ثوب الحقيقة، وتلك هى الخطورة.
رابعا : الإحاطة .. لا تقدم الوثيقة واقع حال صاحبها فقط وقت وقوع الحدث، وإنما يمكن أن تحيط كذلك بمواقف من شاركوا فيه ومواقعهم وقتها، فوثيقة إسلام ليلى مراد ارتبطت بحضور فضيلة الشيخ حسن مأمون قاضى المحكمة الشرعية وقتها الذى أصبح لاحقا مفتيا للبلاد سنة 1955، ثم شيخا للجامع الأزهر عام 1964، وخطابها الذى كتبته بخط يدها للواء محمد نجيب فى مارس 1953 كشف عن طبيعة ولائها له الذى ربما تكون دفعت ثمنه فيما بعد، وأيضا عن ممارسات كل من عبد اللطيف البغدادى وصلاح سالم عضوى مجلس قيادة الثورة والسيد عبد المحسن أبو النور أحد الضباط الأحرار وغيرهم ، وهكذا.
ومن هنا فإننى أكرر ما أكدت عليه مرارا من أن " الوثائق الخاصة لليلى مراد " ليس فى خصومة مع أحد، ولا الهدف منه النيل من هذا أو ذاك، وإنما هو ابتغاء للحقيقة، والحقيقة فقط.