يعتبرون أن عبدالعزيز والشريف وعبدالباقى أصدق من عبر عنهم .. كيف عبرت السينما عن واقع «سائق التاكسى»؟

14/03/2016 - 11:01:24

فيلم ليلة ساخنة فيلم ليلة ساخنة

تحقيق : عمرو والي

شهدت الآونة الأخيرة صراعاً كبيراً بين سائقي الأجرة «التاكسي»، والسائقين التابعين لشركات تطبيقي «أوبر» و«كريم»، علي الهواتف الذكية، وذلك بعدما زاد الإقبال عليه حيث يعمل عبر سيارات خاصة حديثة، بالإضافة إلى اختلاف أسعار أجرة الطريق، وسهولة طلبه، وغيرها من المزايا، الأمر الذى دفع سائقى التاكسي للهجوم عليهم بالتزامن مع حالة السخط التي ظهرت بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي جراء السلبيات التي عبروا عنها من خلال مواقف شخصية عبر تعاملهم اليومي مع سائقي التاكسي، وبطبيعة الحال فإن نموذج شخصية سائق التاكسي ظهر على شاشة السينما ، وتنوع بين التراجيدي والكوميدي، وتحاول "الكواكب" رصد أبرز النماذج التي قدمتها السينما المصرية لسائق التاكسي، ونطرح تساؤلاً حول مدى نجاحها فى تقديم هذه الشخصية، وهل عكست واقعها أم كان مجرد خيال؟، وما هو رأي السائقين فيما قدمته السينما من أعمال تخصهم؟ من خلال السطور القادمة...
ويمكن القول إن صناع السينما ركزوا فى أغلب الأعمال علي إظهار الجوانب الخاصة بسائق التاكسي فى صورة الشخص المكافح الذى يسعي لسداد أقساط السيارة، بالإضافة إلى امتهانها فى الأساس كعمل إضافي لكسب قوت يومه وسد احتياجات أسرته وأطفاله.
"نماذج متنوعة"
يعد فيلم علي "جنب يا اسطي" من أبرز الأفلام التي تناولت مهنة سائق التاكسي، من خلال شخصية صلاح التي جسدها الفنان أشرف عبد الباقي، وتدور أحداثه حول سائق التاكسي، والشخصيات التي يقابلها أثناء قيادته اليومية المستمرة، والمشكلات التي يعانيها من أجل توفير حياة كريمة لأسرته. ويتعرض صلاح طوال أحداث الفيلم للكثير من المفارقات الإنسانية والكوميدية التي تترك آثارها عليه، وكيف يتعامل مع زبائنه وكذلك تعرضه لسرقة السيارة الخاصة به.
وجسد الفنان نور الشريف دور سائق التاكسي فى فيلم «ليلة ساخنة» والذى يبرز الأحداث التي يتعرض لها خلال ليلة واحدة هي ليلة رأس السنة، حيث يسعي «سيد» بطل الفيلم إلى تدبير تكاليف إجراء عملية جراحية لوالدة زوجته التي تعتني بابنه الوحيد ليقابل حورية فتاة الليل التي جسدتها الفنانة لبلبة فى ساعة متأخرة من الليل من أجل تدبير أموال لترميم منزلها، فيقرر سيد مساعدتها فى الحصول علي المال رافضاً عودتها للعمل، ويتعرضان للكثير من المواقف المختلفة عبر الليلة.
كما ظهر الفنان محمود عبد العزيز مجسداً لهذه الشخصية فى فيلمي «الشقة من حق الزوجة» و«الدنيا علي جناح يمامة»، واستعرض خلالهما شخصية سائق التاكسى بكافة تفاصيلها حيث يسعي لتدبير مصروفات الحياة اليومية، وكيفية التعامل مع الركاب من مختلف الشرائح.
وفى فيلم «بخيت وعديلة» للفنانين عادل إمام، وشيرين ظهر الفنان محمد هنيدي فى مشاهد قليلة لعب خلالها دور سائق التاكسي صاحب الحظ السييء والذي يجمعه بالبطل في كثير من المواقف التي تضعه فى مشكلات دائمة تبدأ من العثور على حقيبة من الأموال والمخدرات حيث يتم مطاردتهما من صاحب الحقيبة الفنان مصطفي متولي، والذى يقوم بضربه بشدة، ليشرع بعدها فى تكسير سيارته، ويظل يردد جملة شهيرة أصبحت تتردد فى واقعنا حين يقول السائق "العربية عليها أقساط".
وجاء فيلم «عايز حقي» بطولة الفنان هاني رمزي، ليركز أيضاً علي مهنة سائق التاكسي الذى يسعي للثراء، من خلال قضية تم طرحها وهي هناك مادة فى الدستور تتيح للشعب صاحب الملكية العامة حق التصرف في ممتلكاته، ويمر صابر الطيب سائق التاكسي بالكثير من الأزمات المالية التي تظهره مديوناً لصاحب القهوة، وعجزه عن تدبير تكاليف الزواج من وفاء التي جسدتها هند صبري فيحرك دعوى مطالبًا بحقه في المال العام ويجمع توكيلات 51% من الشعب لبيع حقوقهم فيه لأي مشتر إلا أنه يتراجع في اللحظة الأخيرة. ويستعرض الفيلم عدداً من المواقف التي تحدث في حياة سائق التاكسي مثل تعرضه اليومي لضباط وأفراد المرور، الذين يحررون ضده مخالفات، ومحاولته استعطاف أحد الزبائن وإقناعه بأن سائق التاكسي يستحق الصدقة إلا أنه لا يفلح في ذلك فسرعان ما يهرب منه الزبون دون حتى أن يدفع له أجره.
وفى مشهد واحد فقط علق فى أذهان الكثيرين بفيلم «100 مبروك» لفكرة سائق التاكسي بأغنية وكيفية تعامله مع الزبائن، جسد أمير صلاح الدين دور السائق الذى يتسبب فى أزمة مع الراكب، قد نتعرض لها فى أي وقت، وهي محاولة فتح حوار مع الزبون بأي شكل. ويحاول أن يدخن سيجارة على غير رغبة الراكب "أحمد حلمي"، وحين يبادره بطلب إطفائها يرفض. وبطريقة أخري يحاول السائق أن يعدد مشاكله من أجل الحصول على المال إلى أن يضيق الزبون بالأمر ولايجد سبيلاً إلا إعطائه المال، حتي تنتهي الشكوى وتتحول إلى فرح يقوم معها السائق بالغناء.
فيما جسد الفنان عبد الله مشرف دور سائق التاكسي الذى يعاني من ضعف البصر فى فيلم «صباحو كدب» بطولة الفنان أحمد آدم، وأميرة فتحي فى شكل جاء مخالفاً تماماً للواقع والذى يتطلب دائماً من قادة السيارات أن يكونوا علي مستوى قوى من الابصار للانتباه للطريق، فيما ظل وصف البطل «نعناعة» للسائق الذي يجسده أحمد آدم للخروج من الشوارع وتحذيره من وجود رصيف إلا أن السائق فى كل مرة يتعرض لحادث .
كما أدى الفنان أحمد مكي دور سائق تاكسي غريب الأطوار في فيلم ليلة «البيبي دول»، بطولة محمود عبد العزيز، ونور الشريف، وليلي علوي، ويدعى زغلول، حيث ظهر في عدة مشاهد وهو يتعاطي المخدرات، فى صورة أيضاً مغايرة للواقع والتي تستوجب أن يكون السائق فى كامل وعيه للانتباه لخط سيره.
ولم يقتصر تجسيد دور سائق التاكسى على النجوم الرجال فحسب بل امتد ليشمل الفنانات حيث جسدت الفنانة عبلة كامل نموذجا لشخصية سائقة التاكسى بشكل كوميدى ضمن أحداث فيلم" سيد العاطفى " الذى شاركها بطولته تامر حسنى وزينة وطلعت زكريا وذلك بعدما بدأ عدد من النساء في العمل كسائقات تاكسى فى الواقع من أجل تلبية احتياجات ومتطلبات أسرهن.
آراء سائقي التاكسى
وقال أحمد مصطفي 30 عاماً سائق تاكسي، إن أزمتهم بدأت منذ ما يقرب من 8 شهور، مشيراً إلى أن السيارات التابعة للشركات الجديدة تعمل دون دفع ضرائب في حين يقومون هم بدفع الضرائب والتأمينات وفحص السيارة، والكشف الطبي، موضحاً أن هذه السيارات تعمل بالمخالفة للقانون ولا تستفيد الدولة منها.
ويري مصطفي أن أغلب الأعمال السينمائية قدمت شخصية سائق التاكسى بشكل لا يمت بأى صلة للواقع حيث ظهرت هذه الشخصية بشكل أقرب للسخرية والكوميديا، مشيراً إلى أن نور الشريف يعدأفضل من جسدها فى فيلمى "ليلة ساخنة"، و"سواق الأتوبيس" فكان أقرب لهم مقارنة بغيره من الشخصيات، موضحاً أن أشرف عبد الباقي كذلك اقترب منهم كثيراً من خلال فيلم «علي جنب يا اسطي» فى بعض المواقف التي يتعرضون لها، فى تعاملاتهم اليومية فى الشارع ومع الركاب.
وقال عبد الله عصام 45 عاماً، سائق تاكسي، إن السائق مثل أي إنسان صاحب مهنة له هموم ومعاناة وأحلام، مشيراً إلى رغبته فى كسب رزقه من أجل تلبية احتياجات أسرته، وأولاده فى مراحل التعليم المختلفة، لافتاً إلى أنه كان موظفاً بإحدى المصالح الحكومية وخرج علي المعاش المبكر، فيما قاموا بتقديم شكاوي عدة لإدارة المرور، بشأن هذه الشركات، ولم يتلقوا ردا إلى الآن، موضحاً أنه لم يعد يتحصل على 150 جنيهاً، بعد الأزمة الأخيرة.
وأضاف عصام أن محمود عبد العزيز فى فيلم الشقة من حق الزوجة هو أقرب نموذج له حيث نجح فى تقديم شخصية الموظف الذى لم يستطع براتبه تلبية احتياجاته فلجأ لقيادة التاكسى، حيث يري نفسه فى تلك الشخصية التي اقتربت من الصعوبات التي يواجهها عن قرب.
وأكد أحمد إبراهيم 25 عاماً سائق تاكسي، أنه عاشق للسينما بطبيعة الحال ، مشيراً إلى أن أشرف عبد الباقي وأحمد زكي، ومحمود عبد العزيز، ومحمد هنيدي نجحوا فى تقديم شخصية سائق التاكسي فى السينما، حيث لمس كل فنان منهم موقفاً معيناً بالنسبة له.
وأعرب إبراهيم عن أمنياته فى حل المشاكل الخاصة بهم قريباً، بسبب تأثيرها عليهم، حيث لا تخضع السيارات الجديدة المنافسة لهم لقانون المرور، ولا يمكن محاسبتها، فكل ما في الأمر، أن صاحب السيارة الملاكي يلتزم بدفع مبلغ مالي شهريا، نظير إدخاله على النظام الخاص بالشركة على تطبيقات الهواتف الذكية".
وطالب مجدي خليفة 50 عاماً، سائق تاكسي، كتاب الدراما والسينما بضرورة الاقتراب أكثر من حياتهم كقائدي سيارات الأجرة، مشيراً إلى أن الغالبية العظمي من الأعمال غلب عليها الطابع الكوميدي أو المسىء، بالنسبة لهم معرباً عن أمنياته فى تقديم أعمال جديدة أو نماذج تستعرض مشكلاتهم اليومية كالزحام المروري، والمعاناة مع رجال الشرطة، والأزمة الأخيرة مع الشركات التي دخلت السوق.
وأضاف خليفة كل مهنة بها الصالح والطالح ولا يجوز التعميم وهناك من يعامل الراكب باحترام ويرضي الله، وهناك العكس، موضحاً أن نور الشريف ومحمود عبد العزيز كانا الأفضل فى تقديم شخصية سائق التاكسى من خلال أعمالهما المختلفة.
وسيلة للمعالجة
وقال الناقد الفني نادر عدلي، إن صورة سائق التاكسي فى السينما جاءت كنوع من اختيار المعالجة لتقديم قضايا معينة، وبالتالي لم تهتم كثيراً بالتركيز عليه، كمهنة لها ظروفها، ووضعها الاجتماعي سوى في عملين فقط هما «ليلة ساخنة» للفنان نور الشريف، و«علي جنب يا اسطي» للفنان أشرف عبد الباقي، مشيراً إلى أنه فى العمل الأول نجد المخرج عاطف الطيب يبحث رصد الحالة الاجتماعية فى مصر والسوء الذي وصلت إليه حال المستشفيات الحكومية بالإضافة إلى وجود تيارات متطرفة، ظهرت فى أحد المشاهد تعترض السيارة، ليعبر بها نور بهدوء دلالة على قدرة الشعب المصري علي تجاوز مثل هذه الأمور، بالإضافة إلى أبعاد اجتماعية أفرزت لدينا طبقات فقيرة من خلال مناسبة واحدة هي ليلة رأس السنة، حيث يستعرض المجتمع المصري خلال هذه الليلة، من خلال المجموعة الإجرامية التي تعتدي علي لبلبة وهكذا فكان أسلوب قراءة للمجتمع المصري فى ذاك الوقت.
وأضاف عدلي أن فيلم «علي جنب يا اسطي» جسد فيه أشرف عبد الباقي صورة سائق التاكسي الأقرب للواقع والذى يذهب لعمله ويتعرض للكثير من المواقف فى الشارع، والتي تبدو متفاوتة ومختلفة ابتداء من تعرضه للسائح الخليجي، والشخص الذى يؤجر سيارته لمشوار خاص، وحتي فى تعرضه للسرقة، فكانت الصورة التي تمس هذه الطبقة كمهنة.
وأوضح عدلي أن الفنان محمود عبد العزيز قام بتجسيد هذه المهنة فى فيلمين وهما «الشقة من حق الزوجة والدنيا علي جناح يمامة» حيث جسد شخصية سائق التاكسي بكل مفرادتها فى هذا التوقيت، ففي الفيلم الأول يوضح أن الموظف فى مصر مرتبه لايسمح له بالعيش الجيد المستقر ليضطر للعمل فى مهنة أخري ، وبالتالي فالمهنة ليست العمل الأساسي وهو واقع يعيشه الكثير من الأشخاص حتي الآن، فكثيرون يلجأون إلى وظيفة أخرى لكسب رزقهم توفيراً لمتطلبات الحياة، أما فيلم «الدنيا علي جناح يمامة» فكان سائق التاكسي هو مرافق البطلة الذى يساعدها فى كافة المشاكل التي تتعرض لها، ولم يتوقف كثيراً عن متاعب أو مشاغل سائق التاكسي فى عمله، بالمقارنة ببعض المواقف مع أسرته وأبنائه.
وأشار عدلي إلى أن في فيلم سيد العاطفي، جاء ظهور عبلة كامل كسائقة تاكسى، فى إطار فيلم استهلاكي لا يطرح قضايا سائقي التاكسيات بأي شكل من الأشكال، والسائق هنا امرأة وهو نموذج نادر فى المجتمع المصري، هي فقط تستخدمه كوسيلة لمعرفة أخبار ابنها وما يخفيه وكيفية انتظامه فى الدراسة وغيرها،
مختتماً حديثه قائلاً" تناول السينما للمهنة كان من خلال أنها وسيلة لمعرفة شكل المجتمع المصري على مدار السنوات المختلفة، وقراءة لشرائح المجتمع باختلاف الزمن، وليس التعرض للمهنة وهمومها ومشكلاتها سوى فى أعمال قليلة يمكن أن يعدها المشاهد المصري على أصابع اليد الواحدة، فكان وسيلة لرصد الشارع والحياة عبر سيارة الأجرة".
تغيرات المجتمع
فى نفس السياق يرى الناقد الفني سمير الجمل أن سائق التاكسي كغيره من المهن التي ظهرت على شاشة السينما وجاء التعامل معها بعدة أشكال مختلفة أما كوميدي أو هامشي أو كشخصية محورية رئيسية، مشيراً إلى أنه فى أغلبيتها جاءت لنموذج الشاب المصري المكافح والكادح الذى ينتمي لأسرة فقيرة وبسيطة تقطن الأحياء الشعبية، ويواصل عمله طوال اليوم لكسب قوت يومه، فتناولت حياته عن قرب ورصدت معاناتهم اليومية.
وأضاف الجمل أن تناول المهنة على الشاشة جاء متغيراً بتغير الزمن ففى الستينيات، قام إسماعيل ياسين بتجسيد دور سائق التاكسى في فيلمه الشهير"المجانين في نعيم" حيث عمل سائقاً عقب خروجه من مستشفى الأمراض العقلية وفور اكتشاف الركاب مرضه العقلى من خلال تحاوره معهم أثناء القيادة كانوا يطلبون منه أن يتوقف عن القيادة على الفور ليتركوا التاكسى مهرولين خشية إيذائه لهم، موضحاً أنه فى السبعينيات بدأ الازدحام فى المدينة وازداد الاقبال على التاكسي، وأقرب تجسيد جاء لمحمود عبد العزيز في فيلم «الدنيا علي جناح يمامة» فكان يختار الراكب ميسور الحال أو المضمون دون جدال أو فصال، وكذلك لجوء موظفي الدولة لهذه المهنة لتحسين أوضاعهم المادية مع تزايد المسئوليات فظهر النموذج فى فيلم «الشقة من حق الزوجة» ليصل الأمر إلى الخلافات بين الزوجين جراء عدم تفرغه للبيت بحثا عن قوت اليوم.
وأوضح الجمل أن التاكسي ظهر كوسيلة مؤثرة في حياة المواطن المصري فى فيلم «سواق الأتوبيس» والذى قدمه نور الشريف، حيث قام بشراء تاكسي ليعمل عليه عقب انتهاء عمله الرسمي لتحسين الدخل، وتحول امتلاكه للتاكسي إلى أمر حاسم، وبعد أن اضطر لبيع التاكسي لم تستطع زوجته الاستمرار معه وانفصلا علي الرغم من قصة الحب بينهما.
وأشار الجمل إلى أن هناك تشابهاً واختلافاً للخيوط الدرامية لشخصية سائق التاكسى التى جسدها كل هؤلاء النجوم على شاشة السينما وغيرهم، ولكن يظل ظهورها هو الأقوى خلال العقدين الماضيين من الزمن، وهي الفترة التي ارتبطت بظهور التاكسي فى المجتمع المصري بقوة، وعليه ظهر فى السينما التي تأخذ موضوعاتها من الواقع ومايجري فيه.