نار تشتعل.. فى ثلاثى .. «نار ياحبيبى نار»

14/03/2016 - 10:46:25

كتب - عادل عبدالصمد

تبنت مجلة الكواكب قضايا الفن الجاد وصناعة السينما وكانت حريصة علي أن تضع كل ما يهم الإبداع في بؤرة الاهتمام فكان الشاعر الكبير الذي قال عنه د. طه حسين أخاف علي الفصحي من إبداع بيرم التونسي يكتب خواطر حول معاني الأغنية وهل هي نفس المعاني التي كانت تدور في فلكها في القديم أم أصابت جديداً.
وتقوم أيضا مناقشات ساخنة حول صناعة السينما ولمن يعود نجاح الفيلم؟
المؤلف.. أم المخرج.. أم المنتج..
وأثيرت قضية فنية أخري مازالت لها صدي حتي اليوم ولم تحسم من قبل المبدعين ألا وهي من يكون السبب الرئيسي لنجاح الأغنية؟ المطرب .. أم الملحن.. أم الشاعر وهي معركة اشتعلت بها أقطاب ثلاثة عبدالحليم حافظ .. محمد الموجي.. مرسي جميل عزيز..
عبدالحليم حافظ، مرسى جميل عزيز، محمد الموجى... حلقات سلسلة واحدة متينة، بدأت متينة، وظلت متينة، يزدادون قوة يوما بعد يوم، ولكن إذا هبت ريح عاتية، فهزت السلسلة، وأضعفت احدى الحلقات أمام التيار، فسقطت من السلسلة، فلابد أن تحدث فجوة عميقة، تضعف من القوة، ولو إلى حين.. إن أروع ما غنى عبدالحليم فى حياته الفنية، كان من إحساس مرسى، وروح الموجى «ياقلبى خبى، كل كلمة شوق، نار ياحبيبى نار»، كلها روائع اشترك ثلاثتهم فى إخراجها.
هذه السلسلة الثلاثية الحلقات مهددة بالتفكك..
سمعت أن مرسى جميل قال: «أنا روح عبدالحليم فى أيدى»، وسمعت أيضا أنه قال للموجي لو كلمني في التليفون سأقفل السكة في وجهك وانكر نفسي وسمعت أيضا أنه وجه إلي بعض الكلمات الشديدة في التليفون وسمعت أن عبدالحليم قال «مايهمنيش» وسمعت أن الموجى، قال: «مرسى تعبان، ودلوقت يرجع».
ثم اتضح لى بعد ذلك، أن كل ما سمعته، لا يخرج عن كونه، اشاعات أطلقها بعض من لهم مصلحة فى مثل هذا الخلاف، لم يكن إلا نفخا للنار لتشتعل بالقطيعة.. ولكن، هل يجد كل ذلك طريقه إلى القلوب الثلاثة المتآلفة؟..
والقصة، قصة الخلاف، كيف ولماذا ومتى وقعت.. أرويها لك على لسان أبطالها الثلاثة.
قال لى محمد الموجى:
- الحكاية بدأت يوم 13 الشهر الماضى عندما اتصل بى مرسى من الزقازيق وقال إنه وضع أغنية بمناسبة عيد الثورة السابع. وأنه سيحضر إلى القاهرة لمعرفة من الذى سيسجلها للاذاعة. وقد اعترضت لجنة النصوص على بعض كلمات الأغنية. وقالت إنها أنسب لغناء سيدة.
وعاد مرسى إلى الزقازيق على أن يكتب أغنية ليغنيها عبدالحليم، ثم مرض وارتفعت درجة حرارته فاعتذر عن كتابة الأغنية، فاتصلت بمأمون الشناوى ليكتب الأغنية.
وفى المساء اتصل بى مأمون وأملانى المذهب.
من زمان الشوق تعب بينها وبيني
من زمان وأنا أقول اشوفها يوم بعينى
ولما نادت على
عرفتها وقلت هيه
الحرية.. الحرية
وفى الصباح كنت قد وضعت لحن المذهب، والكوبليه الأول من أغنية مأمون، وفجأة اتصل بى مرسى، وقال لى إنه وضع أغنية لعبدالحليم، «وأملانى» المذهب.
وطلب منى أن أضع هيكل اللحن، وأنه سيملينى الكوبليه الأول بعد قليل، ووقعت فى حيرة..
ثم تركت الأمر لعبدالحليم، له أن يختار بين أمرين، إما أن يغنى أغنية مأمون أو يغنى أغنية مرسى، واختار عبدالحليم أغنية مأمون، لأن كلماتها رقيقة ومناسبة، ثم إن لحنها جاهز، وبلغ الخبر مرسى، فثار وأسرع بالاتصال بى تليفونيا، ولما لم يجدنى ترك خبرا لزوجتى سعاد يقول: «ماتخليش الموجى يكلمنى وإلا حانكر نفسى وأقفل فى وشه السكة»، ثم ألفاظ قاسية وجهها إلى عن خيانتى له وللعيش والملح، والعشرة.
وحاولت بعد ذلك أن أتصل بمرسى لاشرح له الأمر، ولكنه كان ينكر نفسه، ثم بلغنى أنه حضر إلى القاهرة، ولم يمر على، وهذا على غير عادته.
إن ما حدث ما هو إلا مجرد فقاعة فى الهواء، سرعان ما تتلاشى وتعود المياه إلى مجاريها، إن مرسى «قلبه أبيض»، يزعل ويشخط ثم ينزل على مافيش. إن علاقتنا قوية وستظل على قوتها إن شاء الله فنحن أخوة.
وذهبت إلى المطرب عبدالحليم حافظ، لأعرف منه سر الخلاف فقال:
- إن كل ما حدث، أن مرسى اعتذر عن تأليف الأغنية، فأعد مأمون أغنية وقام الموجى بتلحينها.
ويبدو أن مرسى قد عاود نفسه ووجد أنه لابد من كتابة الأغنية، طالما أنه كلف بها، ولن يوقفه المرض، أو حرارته الـ39 عن كتابة الأغنية، فاتصل بى، ولم يجدنى فترك لى خبرا مؤداه أنه يكتب الاغنية، وأملى المذهب لمن كان ينوب عنى فى المحادثة، ووعده بأنه سيتم الأغنية كلها، وعرفت من الموجى، أن مرسى يكتب أغنية، ولكننا كنا قد بدأنا فى أغنية مأمون، كانت كلماتها رقيقة جميلة، واللحن جميل، ولم يكن أمامنا وقت كاف، حتى يعود الموجى ليلحن أغنية مرسى، ثم اختار بين الأغنيتين، ولهذا اتفقنا على أن أغنى أغنية مأمون، ولم بلغ الأمر «مرسى» ثار واتهمنا بأننا لا نراعى شعوره، وننقص من فنه، ولم نحافظ على العهد، لماذا!.. إن مرسى حبيب لنا، ونؤمن بفنه، وأنه رقيق حساس، فنان، وأننى غنيت من كلماته أغنيات عذبة تفيض رقة وحنانا، فكيف يتبادر إلى ذهنه، أننا لا نراعى شعوره، وننتقص من فنه، ولم نحافظ على العهد؟
لقد قلت لمحمد الموجى: إنني على استعداد لان نسافر إلى الزقازيق ، لنتعرف على أسباب ثورته، ولابد سنتصافى وتعود القلوب والنفوس إلى ما كانت  عليه.
قلت له:
سمعت أنك قلت «مش مهم» عندما بلغك أن «مرسى» لن يكتب لك؟
فقال:
- أنا لا يصدر منى مثل هذا القول، لا لمرسى أو غيره.
ألم يكن من الاجدر أن تتصل بمرسى وتبلغه الأمر، قبل أن يسترسل فى كتابة الأغنية؟
فقال:
- إن «مرسى» لم يكلمني شخصياً، بل كان كلامه لمن ناب عنى، ثم إني كنت أبلغ  الموجى برأىى، وأطلب منه أن يبلغه لمرسى، ولكن الموجى كما قال لى إنه كان محرجا، ثم إنه لم يستطع الاتصال به.
فعدت أقول:
ألا تحمل فى نفسك شيئا من جهته؟
فقال:
- أنا؟ إن هذا لم يكن ولن يكون فى يوم ما ذا أثر سىىء فى نفسى، أنى لا أحمل لأى مخلوق إلا الحب والسعادة.. انهما كل ما أتمناه لكل الناس، أتمنى أن يملأ الحب قلوبهم، وأن ترفرف السعادة عليهم، وما أحمله لمرسى، يعرفه هو نفسه جيدا.
وحاولت الاتصال بمرسى جميل عزيز فى الزقازيق، ولكن تليفونه كان لا يرد، وقدرت أن الأمر لا يخرج عن كونه ذهب هو وأهل بيته لزيارة، وعاودت الاتصال به مرة أخرى، ومرة ثالثة، ولكن تليفونه كان لايرد، وعلمت أن «مرسى» سافر هو وأسرته إلى رأس البر، وعاودت الاتصال بمرسى، وأخيراً بعد خمسة أيام عثرت عليه.
قلت له:
إيه الحكاية، ده برضه اسمه كلام؟
فقال:
- وده كلام يرضى حد، بقى الموجى يعمل كده، وعبدالحليم كمان، أنا مش زعلان، أبدا ، فقط «متأثر» وأنت تعرف مقدار صداقتنا، وأنه ما من أمر يفرق بيننا، فقط زوبعة خفيفة، لابد أن نحنى لها ظهورنا قليلا، حتى تمر دون أن تعبث بقلب أحد منا.
فعدت أقول:
قال  عبدالحليم إنه على استعداد لزيارتك فى الزقازيق - إذا كنت غاضبا:
فابتسم وقال:
- يا ألف مرحب، على عينى وعلى رأسى، ده أخويا ومش أول مرة يدخل فيها بيتى، وماتنساش كمان احنا من بلد واحدة، وليس هناك زعل بالمرة.
فقلت:
لماذا تغلق السماعة ولا ترد على الموجى، ثم كيف تحضر إلى القاهرة ولا تزوره؟
فقال:
- مش معقول أقفل السكة فى وش الموجى، أو ما أردش عليه، هوه مع الاسف كان يطلبنى وأنا مش موجود، أما عن حضورى إلى القاهرة، دون أن أمر  عليه، فقد كانت زيارتى لقضاء أمر عاجل، منعنى من الزيارات لدقته وضيق وقته.
فعدت أقول له:
هل قلت «روح عبدالحليم فى ايدى»!
فقال فى حدة:
- إيه الكلام الفارغ ده، من أشاع هذا، عبدالحليم فنان كبير، نال حظه بموهبته وايمانه بفنه، وسيظل يرتفع لانه يعيش لفنه، ولفنه فقط، ويمتلىء قلبه بحب الجميع، ليس لاحد فضل على عبدالحليم إلا موهبته واحساسه ورقته، وذوقه السليم، ولقد غنى عبدالحليم لزملاء كثيرين فأبدع الاداء، وصور ما بين سطور الكلمات التى تجيش بصور الكتاب، وكلهم ذوو احساس ومشاعر وعذوبة، أننى واحد منهم، غنى لى عبدالحليم، فأبدع، وصور، كما أبدع وصور لغيرى.
فقلت:
هل لن تكتب لعبدالحليم أبدا؟
فقال:
- قلت لك إنها زوبعة، لابد من أن تمر فى سلام، وعبدالحليم لى وأنا لعبدالحليم، والموجى لى، وأنا للموجى، وثلاثتنا لبعض، وأدعو أن تدوم مادمنا على قيد الحياة!
وانتهت مكالمتنا عند هذا الحد.
لى كلمة أقولها، من أجل الفن والصداقة: أوجهها للثالوث الفنى الكبير، انكم بتكاتفكم، استطعتم أن تسمعوا فنكم، لملايين الآذان، ونريد أن نسمع منكم المزيد، لاتجعلوا الانانية، أو الغضب أو همسات المغرضين، مهما كانت الدوافع والأسباب. لا تجعلوها تفرق بينكم، ألقوا بها بعيدا من وراء ظهوركم، فالطريق طويل، والفن يفرض عليكم إرادته والجمهور يطالبكم بأن تعودوا لصداقتكم وحبكم وفنكم.
جميل الباجوري
الكواكب
عدد 420
18 أغسطس 1959