مشكلة المتفرج في سينما « داود »

14/03/2016 - 10:37:52

بقلم : عاطف بشاى

حصد فيلم "قدرات غير عادية" للمخرج "داود عبد السيد معظم الجوائز في الفروع الفنية المختلفة من سيناريو وإخراج وتصوير وديكور وموسيقى تصويرية في مهرجان المركز الكاثوليكي السنوي في دورته (64) لهذا العام .. والحقيقة أن أفلام "داود عبد السيد" تثير دائماً قضية هامة خاصة بمشكلة المتلقي وعلاقته بالمبدع والإبداع المتجاوز لحدود الفن التجاري السائد فمن الواضح أن أفلامه لا تحظى باحتفاء جماهيري واضح إبتداء من فيلم "البحث عن سيد مرزوق" حتى فيلمه الأخير "قدرات غير عادية" والذي عرض في مهرجانات سابقة وتمتع بتقدير واحترام بل وانبهار النقاد والمثقفين به ويظهر ذلك جلياً من خلال الجوائز التي يفوز بها ..
ومما لاشك فيه أن الأحوال الاجتماعية والإقتصادية تلعب دوراً خطيراً في تطور أشكال الفنون وأساليبها « ومنها بالطبع فن السينما» من حيث إنها لا تستطيع أن تهيئ للفن موضوعاته وتحدد اتجاهاته العامة وتطلق العنان لقوى الخلق والإبداع وتدفعها عبر التاريخ .. تلهمها وتغذيها أو تحط منها وتقضى عليها .. ولكن من الغريب حقاً أنه بالرغم من وجود مثل هذا الترابط الوثيق بين الأحوال الإجتماعية وتطور الفنون نجد أنه كلا صاحب تطور المجتمعات وتغيرها عبر التاريخ تطور وتغير في أشكال الفنون واتجاهاتها كلما اتسعت الهوة بين المتلقي والفن .. فبينما اتجه الفن الحديث نحو الغرابة والصعوبة والتعقيد كنتيجة مباشرة لتعقد وتشابك أساليب الحياة والثقافة بقى الناس عند تصوراتهم ومقاييسهم القديمة للفن والفنانين مولين ظهورهم للفنون المعاصرة متهمين أصحابها بالجنون والتخريف .
ولعل هذا الموقف المتعسف من قبل المتلقي يرجع في المرتبة الأولى إلى طبيعة تكوينه العقلي والنفسي التي تختلف بالضرورة عن طبيعة الفنان النفسية والعقلية فالإنسان العادي «كما يرى برجسون» يبقى في دائرة التعامل النفعي مع الواقع لا يرى في هذا الواقع إلا ما يجعله دائماً على استعداد للمواجهة أو للاستجابة لما يتعرض له من مواقف حياتية.
وهكذا أزمة المتلقي في عدم قدرته على تذوق الفن الأشد تعقيداً لأنه يضع أمامه صعوبات ومشاكل عديدة لا يمكن حلها إلا بالبعد عن دائرة النفعية حيث لا يتضمن الفن الحديث المباشرة والمحاكاة واستثارة الحواس ومغازلته العواطف بقدر ما يهدف إلى التلاعب بالحقيقة والزمن .. والبعد عن التشخيص والتجسيد والتخلص من العقدة والحبكة والسرد المنطقي أو المتعارف عليه ..
لذلك فإن نجاح العمل الفني عند الجماهير العريضة منفصل تماماً عن المعايير المتعلقة بالمستوى فالجماهير لا تستجيب لما هو جيد أو ردئ فنياً بقدر ما تستجيب للانطباعات "السفلى" التي تشعرها بالانزعاج أو الاطمئنان في مجال حياتها الخاص وهي في أفضل الحالات تستجيب للقيمة الفنية بشرط أن يقدم الموضوع في إطار من الجاذبية الحسية والإثارة .. أي أن طبيعة الفن عند المتلقي مترتبة على إدخال السرور دون ألم أو الإثارة دون إرهاق .. بينما تظل طبيعة الفن عند الفنان المبدع بمثابة الحركة "التمردية" التي يقوم بها الإنسان حينما يعمد إلى مواجهة الواقع من أجل صنع العالم الجديد.. منشداً ما يحلم به من وحدة وتماسك واتساق حتى أن مطلب التمرد في حد ذاته يبدو عند «كامي» مطلباً جمالياً ..
وما سبق يفسر لنا بوضوح .. لماذا تنحج أفلام "السبكي" مثلاً نجاحاً جماهيرياً عريضاً بما تقدمه من توليفة ميلودرامية قائمة على الإثارة والصدفة والعنف والفواجع والغناء الشعبي الرخيص والرقص الفاضح والحوار المبتذل الذي يحاكي الواقع في تدنيه .. ويغازل رغبات المتفرج التي تجنح إلى زغزغة الحواس والمشاعر والغرائز السفلية دونما إعمال للعقل والفكر والتأمل وتجاوز الأبعاد الاجتماعية والواقعية إلى أبعاد فلسفية أكثر عمقاً ورحابة وشمولاً كما في سينما "داود عبد السيد".
إن "داود" يحقق بشاعرية أخاذة وحس جمالي راق روح الفن الحقيقي الذي يغوص في أسرار حياة وألغاز وجود غامض ومحير لاتفصح فيه شخوصه التي تبدو رموزاً لمعان مطلقة وأفكار مجردة عن واقع محسوس أو رؤية تكشف عن أوضاع سياسية أو اجتماعية تحلل أو تلقي الضوء على مشاكل واقعية ملحة يعاني منها بشر يشتركون في هموم واحدة .. بقدر ما توجد هذه الشخوص كي تؤكد من خلال الشريط السينمائي ان الموضوع الجمالي هو موضوع افتراضي لأنه مركب عن طريق وعي تخيلي فنحن كي نبدع لابد أن يكون وعينا حراً .. والحرية هنا تعني الانفلات من رقابة العقل وضغوط العالم الخارجي .. لكن الحرية من ناحية أخرى لا تستطيع أن تتجاهل الواقع ولا تستطيع أن تولي ظهرها للعالم الخارجي تماماً .
وفي آخر أفلامه قدرات غير عادية كما في "رسائل بحر" نجد أنفسنا إزاء شخوص غريبة تشعرنا بالحيرة .. كيف نخاطبها وكيف نفهمها .. وكيف نتعامل معها .. وهل هي تشبهنا .. أم تبدو وكأنها كائنات عجيبة فالتعامل معها يستلزم موقفاً مماثلاً من الرؤية يقابل رؤية الفنان الخالق وألا توقف فهم المتلقي عند مجرد متابعة الحدوتة بمعناها الاجتماعي البسيط والضيق .. وهي حدوتة لن تشبعه .. ولن تحقق له متعة الفرجة والتسلية مع أكياس الفيشار اللذيذة .. ولن تجد فيها ما يحكيه للأهل والأصدقاء الذين لم يشاهدوا تلك الأفلام ..
فالبطل في فيلم "رسائل بحر" هو نموذج للبطل الوجودي الذي يعاني من عدم قدرته على التواصل الإنساني مع البشر والمجتمع من حوله .. فالعالم يبدو وكأنه يرفضه لخطأ تراجيدي ليس مسئولاً عنه .. إنه يتحدث بلسان متلعثم يضع حاجزاً بينه وبين الآخر .. فيبدو إحساسه بالعجز وعدم قدرته على الاختيار يدفعانه إلى ترك القاهرة التي لفظته والحياة في الإسكندرية .. إنه يهرب من الآخرين وكأنه يهرب من نفسه في رحلة بحث عن معنى وجوده.
وفي فيلم .. «قدرات غير عادية» يطرح المخرج رؤية تغوص في ألغاز تلك القدرات التي يتمتع بها بشر استثنائيون يتحكمون من خلالها في مفردات الواقع تحكماً يؤثر في الزمان والمكان والأحلام والعلاقات البشرية .. والعواطف والمشاعر والرغبات والمستقبل والمصير .. ليناقش قضايا فلسفية تمثل الوجود والعدم ومأزق إنسان هذا العصر في عالم غامض وغريب وعبثي يحاول أن يقيم تواصلاً إنسانياً معه دون جدوى .
وتعدد مستويات الرؤية ووجهات النظر المختلفة التي يفسر بها المتلقي مضمون الفيلم وما ترمز إليه شخصياته تزيد الأمر ارتباكاً وتداخلاً .. خاصة أن البطل الذي جسد دوره "خالد أبو النجا" والبطلة التي لعبت دورها "نجلاء بدر" والطفلة الملغزة يمثلون عالماً خاصاً مفصولاً عن العالم الواقعي الذي يمثله بقية سكان "البنسيون" (فنان تشكيلي ومنشد صوفي مثله باقتدار محمود الجندي ومغني أوبرالي ومخرج سينمائي) وهذا الانفصال بين العالمين يؤكد الإحساس العام بعدم وجود لغة مشتركة .. وبالوحدة والاغتراب .. والإحساس بالوحشة والقلق الوجودي والخوف من المجهول وصعوبة التواصل الإنساني ..
وإن كان مشهد النهاية الذي يجمع بين هؤلاء الغرباء يوحي بالدفء والبهجة والرغبة الحميمة في التلاقي .