تأثير مصر فى المؤلفات العالمية إرث غير ضائع

14/03/2016 - 10:34:16

كتبت : د. رانيا يحيى

مصر دائماً سباقة على مر الزمن وهى مهد الحضارات الإنسانية ومنارة تشع ثقافة وفنوناً، فكانت ملهمة الفن عبر العصور المختلفة وتأثيرها وتأثير حضارتها يتجلى فى كثير من الإبداعات الفنية فى شتى المجالات ،وعندما نتحدث عن غذاء الروح فنجد الموسيقى تخاطب وجداننا ،وحواسنا تناجينا وترفرف مشاعرنا فى فيض من العذوبة والرقة بألحان وإيقاعات هى روح هذا الفن الراقى الذى يستوقفنا كثيراً بجمالياته الفائقة وقدرته على اختراق النفوس ..وكان لحضارتنا الفرعونية وثقافتنا المميزة تأثيرها الكبير على مبدعى الموسيقى العالمية، وهناك شواهد عديدة سنتحدث عنها تفصيلاً من خلال الكتاب الذى صدر أخيراً عن المجلس الأعلى للثقافة إبان الفترة الماضية بعنوان "الإرث الضائع ..كيف أثرت مصر فى كلاسيكيات الموسيقى العالمية" للكاتب الشاب نور الدين التميمى ،وأقيمت ندوة لمناقشته خلال معرض الكتاب فى دورته المنصرمة منذ أيام قليلة نظمتها الهيئة العامة للكتاب وشرفت بالمشاركة فيها مع أستاذنا الدكتور زين نصار والزميل الدكتور أشرف عبد الرحمن وأدارها الدكتور هانى أبو الحسن.
الكتاب يحتوى عدد 390 ورقة تدور حول الأعمال الغربية العالمية داخل الإطار الكلاسيكى والتى تناولت مصر وحضارتها بشكل أو بآخر سواء مؤلفات أوبرا أو «باليه» ،أو موسيقى بحتة أو «أوبريت» .. وفى الواقع كتبت منذ بضعة أشهر موضوع هنا فى مجلة الكواكب عن نفس هذا المحتوى بإيجاز ذكرت خلاله بعض المؤلفات ،وذلك نظراً للفارق ما بين مقال وكتاب ،لذا أشعر حقيقة بقيمة هذا الموضوع وأهميته ،ونشكر الكاتب على تجميع هذه المادة العلمية ..لكن ينبغى أن نقف عند بعض الأمور وبموضوعية شديدة ،فى مقدمتها اختيار عنوان الكتاب "الإرث الضائع" وإن كان فى ذاته عنوان جميل وجذاب لكنه من حيث المعنى غير موفق ،فهو بالطبع إرث للمصريين وللإنسانية جمعاء خاصة وأن كثيراً من المؤلفين الموسيقيين تناولوا فى مؤلفاتهم الحضارة المصرية القديمة التى وهبت للعالم كافة العلوم الإنسانية المتقدمة منذ آلاف السنين ،ولذا كانت عبقرية المصريين خير مؤثر فى أعمال هؤلاء المبدعين وغيرهم ،لذا فهى إرث حقيقى لكنه غير ضائع ،وإن كان قصد المؤلف عدم تواصل المصريين مع هذه المؤلفات وإدراكهم لها ولقيمتها ،فهذا أعتقد أنه يرجع لأسباب عدة أولها اختلاف الثقافة الموسيقية وعدم اهتمام المصريين بالمؤلفات الكلاسيكية التى تدور فى هذا السياق ،وهو ما يؤثر سلباً على علاقة تلك الأعمال بالجمهور ،لكن عند هذا الحد فالأمر طبيعى كما ذكرت لاختلاف الثقافة الموسيقية التى تهتم بالغناء على حساب الموسيقى فى ثقافتنا العربية ،الأمر الثانى والأهم يكمن فى عدم اكتراث القائمين على المؤسسات الثقافية بتقديم هذه المؤلفات والتوعية بقيمتها اللهم إلا فيما ندر جداً ..حتى ما يقدم من أعمال أخرى لم يسلط الضوء على ارتباط موضوعها بمصر وحضارتها وهو ما يساعد على اتساع الهوة مع جمهور المتخصصين أيضاً ،كذلك تجديد الربرتوار بالنسبة لفرق الأوبرا والباليه لعرض مثل هذه المؤلفات وعمل الدعايا الكافية لرؤية تاريخ مصر مترجم بأحاسيس مؤلفين عالميين فنستشعر قيمة حضارتنا الإنسانية الرائدة .. وحتي وإن كانت لهذه الأسباب أو غيرها فهو إرث لكنه غير ضائع فيكفى عرض هذه المؤلفات فى بلدان المؤلفين وغيرهم حول العالم ودراستها وتسليط الضوء عليها فى الخارج ليجعل الأجيال الحديثة على وعى بقيمة تلك الحضارة صاحبة الثقافة والفكر التى ترتبط بهذه المؤلفات.
أما عن محتوى الكتاب فقد ضم العديد من الأعمال والتى استعرض فيها الكاتب قصة العمل وحياة المؤلف بإيجاز وتاريخ تقديمه للجمهور أول مرة ،ومن أبرزها فى مجال الأوبريت "محكمة فرعون" للمؤلف الإسبانى مفيسينى ليو وهو أوبريت مستوحى من الكتاب المقدس ويتكون من خمسة مشاهد ،عرض لأول مرة عام 1910 وتدور أحداثه فى مصر حول الفرعون وزوجته والنصر على شعوب الشمال، وعلاقة النبى يوسف بزوجة الفرعون وبراءته من التهمة بعد قرار الفرعون بمحاكمته ،أوبريت "ساحر النيل" للايرلندى فيكتور هيربرت عرض عام 1895 وهو لوحة للحضارة المصرية بنكهة كوميدية.
وبالنسبة لمؤلفات الأوبرا فقد تناول الكاتب أوبرا "عايدة" لجوزيبى فيردى والتى قدمت لأول مرة عام 1971 بتاريخها المعروف واستهل بها كتابه رغم وجود الكثير من المؤلفات التى تسبقها ،فهناك الكثير من الأوبرات التى تناولت مصرنا كما فى أوبرا "الناى السحرى" لموتسارت عام 1791 والذى استلهم فى موضوعها الصراع بين الخير والشر متمثلاً فى آلهة التراث المصرى القديم إيزيس وأوزوريس ،كما تأثر موتسارت بالحضارة المصرية وقائدها العسكرى العظيم تحتمس الثالث وكتب أوبرا "تحتمس الثالث ملك فى مصر" عام 1773 ويتضح من عنوانها مدى تأثر المؤلف بهذه الحضارة العظيمة ..أيضاً أوبرا "اخناتون أول الموحدين فى تاريخ البشرية" للمؤلف الأمريكى فيليب جالاسى ،وكتبها فى ثلاثة فصول وتصنف كعمل دينى لأنه أول من دعا للتوحيد فى العبادة ،فاخناتون أو أمنحوتب الرابع هو زوج نفرتيتى ووالد الملك توت عنخ أمون ،وقد كتب العمل عام 1983 وقدمت فى ألمانيا عام 1984 .. أما أوبرا من فصلين بعنوان "هيلين المصرية" للألمانى ريتشارد شتراواس كواحد من أهم مؤلفى القرن العشرين ، فقد كتبها عام 1928 وقدمت فى ألمانيا فى نفس العام وتعتمد قصتها على القصص الأسطورية من الحضارة المصرية والإغريقية.
وبالنسبة لمؤلفات الموسيقى البحتة نجدها متجلية أيضاً فمثلاً المؤلف الفرنسى فيليسيان سيزار دافيد كتب عدة أعمال متأثراً بالروح المصرية وحضارتها منها مقطوعة بعنوان "نسيم الشرق" وهى قطعة موسيقية خفيفة على البيانو وتضم الرقصة الشرقية والمصلى والقاهرة القديمة وأيضاً المصرية والحريم وهما عن المرأة المصرية ،كذلك أحلام اليقظة ومدن مصر ،ودمعة ألم ولحظة سعادة وذكريات الطفولة وغيرها وتنتهى بقطعة العودة إلى الواقع ..وافتتاحية تحت عنوان "الرحلة إلى مصر" والمقصود منها رحلة العائلة المقدسة للمؤلف هيكتور برليوز الفرنسى حيث كتبها عام 1850 وهى افتتاحية استخدمها المؤلف فى عمله الموسيقى الكورالى "طفولة المسيح" والذى كتبه عام 1853 حيث عبر عن طفولة السيد المسيح وما مرت به من أحداث له ولعائلته وهروبهم من اضطهاد الملك الرومانى هيرود ..ولا يمكن حينما نتحدث عن الروح المصرية والشرقية الصميمة أن نغفل واحد من الأعمال التى حظيت على شهرة واسعة فى الشرق والغرب لجمالها وسحر إبداعها وهى "شهرزاد" للمؤلف الروسى ريمسكى كورساكوف عام 1888 والتى تروى إعجابه بأساطير ألف ليلة وليلة وحكاياتها العربية والتى ترجمها موسيقياً ببديع كتاباته وسحر ألحانه الشرقية الطابع فى حركاتها الأربع ..كذلك "الكونشرتو المصرى" للمؤلف الفرنسى كامى سان صانى فهو الكونشرتو الخامس للبيانو ومن الأعمال التى لاقت استحساناً كبيراً ،وكتبه فى معبد الأقصر عام 1896 أثناء قضائه إجازة بمدينة الأقصر وعبر فى هذا العمل عن انبهاره الشديد بعظمة هذا المعبد، وهو من أهم الأعمال التى عبرت عن مصر .. أما "كانوبى" للفرنسى كلود ديبوسى فهى مقطوعة للبيانو كتبها عام 1913 بعد أن قرأ كتاباً عن الحضارة الفرعونية ودهش بعملية التحنيط والحكمة منها وكانوبى هو اسم الجرار التى كانوا يستخدمونها قدماء المصريين فى حفظ الأحشاء فى عملية التحنيط.
وعن مؤلفات الباليه فى هذا السياق نجد على سبيل المثال "الباليه المصرى" للمؤلف الفرنسى الكسندر لويجينى والذى كتبه عام 1875 مكون من ثمانى حركات ،ونجح نجاحاً كبيراً وهو مأخوذ من فكرة أوبرا عايدة ،ورقصات هذا الباليه تذكرنا بالرقصة الشرقية فى باليه "كسارة البندق" الذى كتبه المؤلف الروسى تشايكو فسكى عام 1892 ويعتبر بهذا أن تشايكوفسكى تأثر بالباليه المصرى للويجينى ..وعن باليه "طقوس الربيع" للمؤلف الروسى إيجور سترافنسكى والذى كتبه عام 1913 فهو من أهم مؤلفات القرن العشرين على الإطلاق حيث أحدث ضجة بكل ما فيه من مستحدثات، وتناول فيه المؤلف طقوس الاحتفال بعيد وفاء النيل التى كان يؤديها الفراعنة ،وقسمه فى جزءين الأول باسم تقديس الأرض والثانى بعنوان التضحية الغالية وذلك نسبة لتضحية المصريين القدماء كل عام بفتاة من أجمل الفتيات لنهر النيل ،وكتبه بعد زيارته لمصر وتأمله لنهر النيل بعد حضوره حفل فى قصر المانسترلى باشا بجزيرة منيل الروضة فى ذات العام فكتب هذا الباليه بعد عودته إلى باريس ..أيضاً باليه "ليالى مصرية" لسيرجى بروكفيف الروسى والذى قدم عام 1943 بنفس فكرة أرنسكى الروسى لكنه بتوسع كبير حيث يحتوى على سبعة مشاهد رئيسية تدور حول الملكة كليوباترا ومارك انطونيو ..وعن باليه "ألف ليلة وليلة" لفيكرت أميروف الأذربيجانى والذى قدمه عام 1979 يعتمد فيه على التراث العربى لأشهر هذه الحكايات منها علاء الدين ،وعلى بابا ،الشاطر حسن ،السندباد البحرى وشهرزاد وشهريار.. وفى الألفية الجديدة مازالت الأعمال الموسيقية العالمية تبحث فى خزانة أسرار الحضارة المصرية العريقة ونجد باليه "أنا مصر" للمؤلف الأمريكى سكوت شانون والذى كتبه عام 2002 يستند فى موضوعه إلى القصص الفرعونية التى كان يقرأها المؤلف وهو فى جبال كارولينا ،وتدور الأحداث حول الملك توت عنخ آمون ونهر النيل العظيم الذى يصفه المؤلف أنه مخزن للأسرار ،كما تطرق المؤلف لمقتل الملك اخناتون أول الموحدين فى التاريخ والملكة نفرتيتى ودورها فى حياة ابنها توت عنخ آمون، ويتضمن الباليه ثلاثة عشر مشهدا جميعهما من مصر وحضارتها.
ومعظم المؤلفات التى استعرضها الكاتب أشار لتاريخ تأليفها وعرضها لكن وجدنا بعض الأعمال فى سياق كتابه لم يتطرق لتاريخها، ولم يذكر إذا كان هناك أى أسباب لتعثره فى انتقاص المعلومات التاريخية المهمة بالنسبة لهذه الأعمال أم لا وذلك كما فى عمل المؤلف الانجليزى إيدوار بايرستو "عندما خرج بنو اسرائيل من مصر" وهو مؤلف دينى موسيقى يصاحبه كورال الكنسية ويتناول قصة خروج النبى موسى وقومه بنى إسرائيل من أرض مصر .. و"المارش الجنائزى للملك رمسيس العظيم" للانجليزى سيريل سكوت والذى كتبه إيماناً منه بتخليد ذكرى هذا الفرعون المحارب وهى مقطوعه حزينة للبيانو المنفرد ..أما أوبرا أوررنتيا للمؤلف الإيطالى انطونيو شيستى أحد رواد عصر الباروك ، والذى كتبها حول أوروثيتا ملكة مصر كما كتب أوبرا كليوباترا أيضاً.. وربما تكون مؤلفاته من أول الأعمال التى تناولت الحضارة المصرية ولذا كان ينبغى الإشارة لتاريخ العمل لأهميته فى الناحية التوثيقية التاريخية ..كذلك كافة هذى المعلومات المقدمة لشرح المؤلفات بإيجاز جيدة رغم الإسهاب فى مؤلفات دون الأخرى وبغض النظر عن أسباب هذه الاختيار أو ذاك ..ومع الأسف الشديد رغم أهمية المؤلفات وما تطرق له الكاتب من معلومات عنها لكن الكتاب يفتقد لكل معايير المنهجية العلمية والبحثية فلم نجد تصنيفا داخل الكتاب سواء زمنياً بالنسبة للتتبع التاريخى لهذه المؤلفات أو مؤلفيها أو حتى تقسيم تبعاً لتصنيف القالب الموسيقى سواء أوبرا أو «باليه» أو مؤلفات موسيقية بحتة ..ولم يعط لنا الكاتب أية معلومات حول أسبقية التأثر بالحضارة المصرية لأى من هؤلاء المؤلفين ولا حتى السيرة الذاتية الخاصة به كمؤلف فى نهاية الكتاب. أخيراً رغم كل ما سبق نظل نؤكد أن تأثير مصر فى المؤلفات العالمية إرث غير ضائع.