الناس اتغيرت

10/03/2016 - 9:26:56

إيمان حسن الحفناوي إيمان حسن الحفناوي

كتبت - إيمان حسن الحفناوي

ليس مطلع أغنية يرصد حالة رفض إنسان لما وصل إليه الحال، ولا هو اسم فيلم يحكي معاناة إنسانية، بل هي جملة صارت تتردد أكثر من كلمة صباح الخير، أكثر من سؤال كنا نلقيه ونهتم بمعرفة الإجابة وهو: كيف حالك؟ جملة"الناس اتغيرت" صرت أسمعها أكثر مما أسمع صوت الضحكات التي لم تكن تفارق قلوب راضية مستعدة للتأقلم مع الحياة، هل هذه الجملة تعبر عن حالة حقيقية يحياها المجتمع؟ أم هي شكل من أشكال الشكوى التي صارت شبه ملمح من ملامح الكثيرين؟ إذا كانت حقيقة فلماذا تغير الناس؟ وإذا كانت شكوى فلماذا كثرت الشكاوى وكثر الضجر؟


****


 الناس اتغيرت، كلما سمعتها من أحدهم، سألته: وهل أنت ثابت ولم تتغير؟ هل أنت الوحيد الذي ظللت كما أنت؟ إجابات مختلفة تأتيني عن هذا السؤال، من ينظر إلى في دهشة وكأنه لم يجلس مع نفسه أبدا ويطرح هذا السؤال على نفسه، ومن يبادر بالإجابة دون تفكير: طبعا لم أتغير، الإجابة وحدها تدلك على مكمن المشكلة، فمن يندهش كان الأحرى به أن يجلس مع نفسه عندما يشعر بتغير من حوله، يدرس الأمر بهدوء، هل فعلا تغيروا؟ وهل تغيرت أنا أيضا؟ هل أنا الذي بدأت؟ أم تغيرهم معي هو ما أغراني بأن أصبح مثلهم؟ وما مدى التغير؟ وكيف يؤثر على علاقتي معهم؟، ومن يؤكد أنه لم يتغير فمشكلته أكبر لأنه يحتاج أن يواجه حقيقته، كلنا تغيرنا، وهذا طبيعي جدا، وعلينا أن نواجه أنفسنا، فأي طريق صحيح يبدأ بمواجهة النفس ومعرفة ما يدور فيها.


****


في البداية لابد أن نعرف أن الفترة التي نمر بها هي فترة صعبة ومرهقة للأعصاب، حدث عندنا ما يشبه البسترة، أحداث متلاحقة، أحلام تتبخر، أكاذيب نسمعها فنصدقها ثم يأتي من يثبت كذبها بالدليل، أقنعة تتهاوى لبشر كنا نحترمهم، قمم ترحل عن عالمنا، فن يضيع، ثقافة عنف تنتشر أكثرها انتشارا العنف اللفظي، إعلام وصحافة لا تساعدنا على فهم الحقيقة كما هي، شركات تتهاوى ومعها يذهب العاملون فيها لجحيم الضياع،سياحة يتم ضربها، إرهاب يترصد بنا من كل ناحية، خيانات داخلية ومخططات خارجية، أوضاع أمنية مرعبة ظلت لفترة، بدأت باللجان الشعبية حيث أصبح الإنسان فجأة مسئولا عن حماية بيته وأهله بشكل مباشر وظلت لفترة طويلة تشكل ضغطا عصبيا شديدا علينا جميعا، هذه الأوضاع الأمنية جعلت كثيرين يخافون من تعريض أنفسهم للخطر فقبعوا في بيوتهم، لتبدأ مواقع التواصل الاجتماعي في الازدهار، فالأكثر أمنا أن نلتقي على جهاز نديره من حجراتنا ونحن آمنين بين جدران بيوتنا على أن نلتقي في المقاهي والمحافل، مواقع التواصل أشعلت الأزمة، ففي هذه الفترة كان الإنسان يحمل الكثير من المخاوف التي لا يقوى وحده على حملها فيعبر عن هذه المشكلات على صفحته، كثيرون فقدوا أعمالهم فأصبحت هذه المواقع متنفسا لهم، لذلك اختلطت الأمور على صفحات الفضاء الافتراضي، بين من يعرض وجهة نظر محترمة وعميقة وبين من يحاول أن يجد لنفسه مكانا وسط البشر ويشعر بأهميته، وإذا أضفنا تخبط الصحافة والإعلام والنقل الخاطئ عنهم لهذه المواقع ممن يحاول أن يثبت لأصدقاء صفحته أنه العالم ببواطن الأمور سندرك حجم التخبط الذي وصلنا إليه، كل ذلك في ظل برامج تتعرض لأدق أسرار الناس فتعرضها جهارا نهارا ليسقط حاجز احترام خصوصية البشر ويبدأ التعاطي مع سيرة الناس مسألة عادية، مبادئ كثيرة واصلت السقوط في بورصة الفوضى والتخبط ، فأصبحنا في هذه اللوحة المشوشة نركض حول أنفسنا، هناك من انسحب تماما بشكل سلبي، هناك من انسحب بشكل إيجابي حيث راح يرصد كل صغيرة وكبيرة ليعرف ماذا يحدث بالضبط، لكنه يتعامل بتحفظ وحرص، هناك من استخفت به الأزمة فأصبح جزءا منها ليطلق العنان لكل سلبياته التي كان يخفيها تحت ثوب التحضر، هناك من حاصرته الآلام ولأنه كيان رقيق بل وضعيف أيضا فقد داهمته الأمراض النفسية والعضوية، وهناك من توحش، ففي ظروف كهذه يحلو للخفافيش العيش.


****


ما حدث ولا زال يحدث أثر فينا جميعا، ولا يقل لي أي إنسان أنه لم يتأثر، الحجارة نفسها تتأثر، فإن قلت لي أنك لم تتأثر فأنت لست من عالم الأحياء أصلا، ويبقي الفرق في التأثر وترجمته لسلوك، إذا اعترف كل منا أننا فعلا كلنا تأثرنا فقد يمكنا أن نتدارك ما يحدث بيننا فلا تتسع الشقة لتصبح قطيعة على أحسن الفروض أو عداء على أسوأ الفروض،علينا أن ندرك أن كل منا اهتزت الأرض من تحته لأنه لا يملك شكلا واضحا للمستقبل، فأصبح تشكيل سيناريو أمرا مرهقا.


****


حكايات كثيرة، حتما ستجد نفسك فيها، فما قصص حياتنا إلا دوائر متشابهة ويبقى الفرق في اختلاف بعض التفاصيل، من خسرت شقيقتها الحبيبة لأنها أرادت بيع بيتهما المشترك الذي ورثتاه عن والدتهما، ولجأت للقضاء تقف أمام أختها، من خاصمته أمه لأنه كما تقول لم يعد يسأل عنها ولا يهتم بها وسافر وتركها وحدها، من ذهب بنفسه إلى دار مسنين وهو في الثانية والسبعين من عمره وفي كامل صحته حتى يهرب من عقوق أولاده، من داهمها الحزن لما فعله والدها معها هي وباقي إخوتها حيث فضل أخاهم الأصغر فوقعت العائلة كلها في مشاكل وقطيعة، من اختلف مع زوجته بعدما اضطر لترك عمله بينما هي ازداد دخلها،من تغربوا بالخارج يشكون الألم والغربة، بينما أهلهم بالداخل يؤكدون أنهم يعيشون في نعيم ولم يذوقوا الأهوال التي ذاقوها هم، وبين الاثنين تتفتت علاقات كانت قوية، قصص كثيرة جدا، كلنا فيها أخطأنا لأن كل منا يتصور أنه وحده يعاني وأن من حوله تغيروا،في العدد القادم بإذن الله سنعرض لبعض القصص الواقعية التي قد تتشابه في ظروفها مع ظروف كثيرين، لنعرف ونرى في مرآة الواقع كيف كان يمكن أن نتفهم من نحبهم ونعذر بعض جنوحهم، وأن نتفهم أنفسنا أيضا ونشرح لمن أمامنا حتى يفهمنا، العلاقات الجميلة يتم تدميرها إذا لم نعذر من أمامنا ونفهم أسباب تغيره، ونعرف ماذا حدث لنا نحن أيضا، وقتها لن نقف نتصادم معا فتذهب ريحنا، لكننا سنحاول تشبيك أيادينا سويا حتى نصبح أقوى في مواجهة العاصفة.