علاج الأزمة الاقتصادية بـ«الندب»!

09/03/2016 - 1:17:41

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

كتب - عبدالقادر شهيب

هل نحن نعانى من أزمة اقتصادية؟.. نعم.. ولكننا لا نعانى من كارثة اقتصادية.. أى أن اقتصادنا ليس على حافة الانهيار وبلدنا ليس مقبلًا على إشهار إفلاس، ولسنا نتأهب للدخول فى حالة مجاعة لا قدر الله.. ولذلك فإن عمليات الندب، التى يمارسها البعض الآن لا تحل هذه الأزمة الاقتصادية، وإنما على العكس تماما تزيد حدتها أو تزيدها تعقيدا وتعطل علاجها لأنها تشيع حالة من اليأس فى قدرتنا على تجاوز هذه الأزمة وتشكك فى إمكانية التخلص منها.


هذه الأزمة وإن كانت تعود لسنوات عديدة مضت إلا أنها تتمثل خلال ربع السنة الأخيرة فى عودة معدل النمو الاقتصادى للتراجع مجددا خلال النصف من العام المالى الحالى (٢٠١٥/٢٠١٦) إلى ما يجاوز قليلا ٣٪ بعد أن كنا قد تمكنا من رفعه خلال العام المالى السابق (٢٠١٤/٢٠١٥) من ٢٪ إلى أكثر من ٤٪..، كما تتمثل هذه الأزمة أيضًا فى نقص متزايد فى مواردنا من النقد الأجنبى مقابل احتياجات منها الأمر الذى دفع إلى الارتفاع فى أسعار العملات الأجنبية خاصة الدولار الأمريكى من خارج الجهاز المصرفى، وبالتالى انخفاض فيه الجنيه المصرى مع وجود صعوبات فى توفير النقد الأجنبى اللازم لتوفير الاحتياجات الأساسية، وليست ثانوية أو غير ضرورية، الأمر الذى أدى إلى ظهور مشاكل لعموم المواطنين، مثل مشكلة نقص زيت التموين خلال الشهر الماضي.. كذلك تتمثل الأزمة الاقتصادية فى تراجع معظم المؤشرات الاقتصادية مثل زيادة عجز الميزان التجاري، وبالتالى ميزان المدفوعات، ونسبة الدين المحلى للناتج القومي، وبالتالى عجز الموازنة، مع تراجع معدلات الاستثمار لعدم تدفق الاستثمارات الأجنبية على نحو مرض وعدم تعويض ذلك باستثمارات وطنية بديلة فى ظل عدم استقرار سعر الصرف وعدم إزالة كل المعوقات الإدارية، وأيضًا عدم وجود حل حاسم للشركات والمصانع المتعثرة.


ولأن هذه الأزمة الاقتصادية كان لها تأثيرها المباشر على حياة عموم المصريين من خلال ارتفاع لمعدل التضخم، وأيضًا ارتفاع لمعدل البطالة بدأ الحديث عنها أو بالأصح الصراخ والشكوى منها .. ولكن البعض حول الأمر إلى ما يشبه حالة الندب العام.. انخرط هؤلاء فى )مندبة عامة) يلطمون الخدود، ويمرغون أنفسهم فى التراب ويمزقون الملابس، ويصرخون عاليًا، كما لو أننا فى كارثة أو على الأقل مقبلون عليها.. وروعوا بذلك المواطنين.. وساهم فى ذلك بعض أصحاب المصالح الذين طالتهم بالتأثير بعض القرارات الاقتصادية والنقدية الأخيرة، رغم أن معدل النمو الاقتصادى - مع تراجعه عن العام المالى السابق، مازال أعلى من معدل النمو الاقتصادى، الذى حققناه فى الفترة التى أعقبت ٢٥ يناير ٢٠١١، حيث انخفض وقتها إلى نحو ٢٪، ورغم أيضًا أن هناك إدراكا بخطورة الأمر وإصداره من قبل الإدارة المصرية على مواجهة الأزمة الاقتصادية مع الاعتماد على قدراتنا الذاتية، فى ظل الأزمة الاقتصادية مع الاعتماد على قدراتنا الذاتية، فى ظل الظروف السلبية التى يعيشها الأشقاء الذين سبق أن مدوا يد المساعدة لنا فى السنوات السابقة بعد تراجع النفط.


ولعل هذه المندبة الاقتصادية ليست فقط سببها عدم إدراك من يشاركون فيها أننا لسنا منفصلين عما يدور حولنا سواء فى المندبة أو فى العالم كله، حيث تلقى الأزمة الاقتصادية بظلها على أنحاء واسعة من العالم، سواء فى أوربا وآسيا وأمريكا اللاتينية، ناهيك عن إفريقيا بالطبع.. وإنما هناك أسباب سياسية لهذه المندبة الاقتصادية، أو لهذا المأتم الاقتصادى، الذى يجبرنا البعض لأن نعيش فيه.. فبعد أن جرب هذا البعض عمليات العنف والإرهاب للنيل من الحكم القائم ولزعزعة الاستقرار وأخفقوا، وبعد أيضًا أن جربوا عمليات التشهير السياسى أو الديمقراطية ولم يحرزوا ما يبغونه من نجاح، وجدوا فى استثمار الأزمة الاقتصادية سبيلًا لتحقيق ما يستهدفون وهو النيل من الحكم القائم من خلال صرف عموم المواطنين، الذين يعانون من هذه الأزمة عن تأييده ودعمه.. ولذلك وجدوا أن الندب المستمر الذى لا يتوقف فى الساحة الاقتصادية قد يحقق ما يصبون إليه أو يخططون له، وساعدهم أن الحكومة من أجل الترويج لبرنامجها ومن أجل تنبيه عموم المواطنين لخطورة استمرار الأزمة الاقتصادية الراهنة بلا علاج، تورطت هى الأخرى فى إضافة الرأى العام باستخدام ألفاظ وعبارات مثل )قرارات مؤلمة وصعبة).


وهكذا منذ وقت ليس بالقصير ونحن لا نعيش فقط فى جو الأزمة الاقتصادية، وإنما يصر البعض على أن نعيش مأتما اقتصاديًا.. لا يتحدثون سوى عن مظاهر الأزمة ويضخون هذه المظاهر ويفخمون أكثر فيها.. انظروا إلى ما يقال ويذاع حول الدولار الأمريكى على مدار الساعة، وما يقال أيضًا بشكل يبدو ممنهجًا عن أزمة زيت التموين، وما يقال كذلك عن شكاوى المستوردين.. المشاكل هنا لا يتم استعراضها فقط، وإنما يتم الترويج لها باعتبارها أعراضًا لمرض خطير أو لحالة مريض بلغة الأطباء غير مستقرة وبلغة غير الأطباء ميئوس منها!


والغريب والمدهش والعجيب أن بعض الخبراء الاقتصاديين أو من يطلقون على أنفسهم ذلك تورطوا فى ذلك.. أى تورطوا فى هذه المندبة أو هذا المأتم الاقتصادى والمالي.. غير أن هذه المندبة بالتأكيد لن تعالج أزمتنا الاقتصادية، التى تتمثل بوضوح بأننا نستهلك أكثر مما ننتج وبأن السلع والخدمات الموجودة فى الأسواق أقل من القدرات المالية لشرائح اجتماعية.. ولذلك تتجه أسعارها إلى الارتفاع، حتى وإن كان بعضها تنتج فى الداخل ولا يتم استيرادها، وهو يمثل ضغطًا بالطبع على أصحاب الدخول المحدودة والمتوسطة، بالإضافة إلى الضغط الآخر المتمثل فى نقص فرص العمل المناسبة والمتاحة لأبنائهم، نظرًا لعدم كفاية الاستثمارات الناجمة عن أسباب سياسية صنعت عزوفًا لبعض المستثمرين الوطنيين ومستثمرين أجانب عن الاستثمار فى بلادنا للضغط علينا، وأسباب اقتصادية وبيروقراطية أيضًا.


وقد أسهم الإعلام فى هذه المندبة وأدلى بدلوه - هو الآخر فى إقامة هذا المأتم الاقتصادي، نظرا لتصدى من لا يفهمون الكثير فى الاقتصاد للقضايا الاقتصادية ومن خلال الترويج لمعلومات غير صحيحة أو غير دقيقة مثل الحديث عن انخفاض إيرادات قناة السويس، وهو ما لم يحدث، أو مثل الحديث عن تراجع ضخم فى تحويلات المصريين العاملين بالخارج، رغم أن الانخفاض لا يتجاوز فى الربع الأول من العام الحالى ٤٠٠ مليون دولار فقط، وحدث أن ارتفعت هذه التحويلات قبل ذلك من ٩ إلى ١٩ مليار دولار، وهو ما ساعدنا خلال السنوات، التى خلت عن تعويض النقص فى موارد السياحة الأجنبية.


وكل ذلك لا يسهم فقط فى إخافة الرأى العام وترويعه وجعله يشعر باليأس فى إمكانية الخلاص من هذه الأزمة الاقتصادية التى نعيشها حاليا، وإنما هو يسهم أيضًا فى زيادة حدة هذه الأزمة.


وليس خافيا على أحد أن التبشير الدائم والمستمر بارتفاع سعر الدولار يسهم فعلًا فى رفع أسعاره فى السوق السوداء، ويزيد من حدة وحجم المضاربات عليه، وعلى الجنيه المصرى، وبالتالى يزيد من تكلفة استيراد بعض السلع ويعطى للتجار مبررا جاهزًا يستخدمونه دائمًا فى رفع أسعار كل السلع بما فيها غير المستوردة من الخارج.


كما أن توسيع نطاق السوق السوداء للنقد الأجنبى لا يعد فقط مشكلة سعر الصرف للجنيه المصري، وإنما.. وهذا أمر شديد الخطورة - يحض المستثمرين الأجانب، بل والوطنيين عن التوقف أو على الأقل التباطؤ فى ضخ استثمارات جديدة فى البلاد، وبالتالى يعطل جهودنا لزيادة معدل النمو الاقتصادى، الذى لا غنى لنا عنه من أجل التخلص من أزمتنا الاقتصادية، خاصة فى ظل تراجع القدرات الاقتصادية لأشقائنا عن تقديم مزيد من المساعدات والعون الاقتصادى لنا، وفى ظل عدم معقولية الاستمرار على آخرين اقتصاديا، خاصة أن ذلك يؤثر بالسلب على اعتمادنا سياسة خارجية مستقلة أن أزمة الدولار الحالية ومشكلتى التضخم والبطالة هى أعراض لمرض أساسى يتمثل فى أننا لاننتج مايكفى لاستهلاكنا، وحتى ننتج ما يكفى لاستهلاكنا وأيضًا لتصديره للخارج لتوفير الأموال، التى نستورد بها ما نحتاجه من الخارج لا سبيل لنا سوى زيادة استثماراتنا.. وبما أن مدخراتنا الوطنية لاتكفى لتمويل ما نحتاجه من الاستثمارات، حيث نحتاج لأكثر من ضعفها فإننا نحتاج مع الاستثمارات الوطنية للاستثمارات الأجنبية أيضًا.


ولذلك نحن نحتاج إزالة كل المعوقات التى تعترض تدفق الإشعارات الأجنبية وتعطل الاستثمارات الوطنية.. وذلك لن يتحقق لا بالصراخ ولا بالندب، كما يحدث حاليًا، وإنما يحدث فقط بإجراءات حقيقية واضحة تشجع الاستثمارات والمستثمرين.. ويجب أن نتنبه لضرورة وقف هذا المأتم الاقتصادى، وهذه المندبة حتى تؤتى هذه الإجراءات أكلها وتحقق المنشود منها وهو جذب الاستثمارات الجديدة.. ولا تنسوا أننا فى وضع أقل تأزمًا مما كنا نعيشه قبل سنوات قليلة مضت، سواء سياسيًا أو اقتصاديًا.