تضم صناعات وملابس وأغذية وأدوية: خبراء الاقتصاد: المصريون يدفعون فاتورة تهريب بـ”١٠٠ مليار جنيه” سنويا!

09/03/2016 - 1:05:44

السلع المصرية تغزو الأسواق - عدسة: عمرو فارس السلع المصرية تغزو الأسواق - عدسة: عمرو فارس

تحقيق: محمد السويدى

الرهان على نجاح اى نظام اقتصادي، يتوقف على شيئين أولهما قدرة هذا النظام على خلق مناخ منافسة حقيقى وقوانين حاكمة تضمن إنتاج سلعة جيدة بسعر مناسب للسوق المحلى قبل الخارجي، وثانيهما تصدى هذا النظام لأى عمليات تهريب تضرب اقتصاده وصناعته وتعرضهما للفشل والسقوط.


فى مصر تتعاظم فاتورة التهريب بما لم يعد ممكنا احتماله، ويدفع الشعب وحده، ما يقدره بعض خبراء المال والاقتصاد بنحو ٦٠ مليار جنيه سنويا، وآخرون بمائة مليار جنيه.


مائة مليار جنيه هى حجم فاتورة التهريب سنوياً مثلما قدرتها غرفة الصناعات النسيجية باتحاد الصناعات فى دراسة خاصة تم توجيهها للمهندس إبراهيم محلب رئيس الحكومة السابق والمهندس شريف إسماعيل رئيس الوزراء الحالى، وكشفت الدراسة أن ٥٠٪ من الفاتورة تتعلق بتهريب الغزل والنسيج والملابس الجاهزة والمفروشات والسجاد والموكيت والوبريات وذلك بسبب عدم سداد رسوم الجمارك وضريبة المبيعات وضريبة الدخل عن البضائع المهربة والواردة من الخارج، وقدرت الدراسة قيمة ما تفقده الدولة من موارد سيادية ٢٠ مليار جنيه رسوم جمركية لا يتم تحصيلها و١٢ مليار جنيه ضريبة مبيعات وأربعة مليارات جنيه ضريبة دخل ليصبح إجمالى ما تفقده الدولة سنوياً من موارد ٣٦ مليار جنيه بسبب عدم مكافحة التهريب وعدم اتخاذ الإجراءات والقرارت اللازمة للحد من الاستيراد وللحفاظ على حماية الصناعة الوطنية، واقترحت الدراسة عدداً من الإجراءات للحد من الظاهرة وذلك من خلال الكشف على جميع الواردات والصادرات من الأقمشة والمفروشات والملابس من خلال أجهزة الأشعة، وضرورة أن يتم إخضاع تلك الواردات والصادرات بأنظمة السماح المؤقت والمناطق الحرة العامة والخاصة أو الاستيراد القطعى للوزن الفعلى فى ميناء الوصول للواردات أو ميناء التصدير للصادرات، بالإضافة إلى دعم الصادرات وتعديل قواعد الصرف من صندوق تنمية الصادرات وتعديل قواعد الصرف من صندوق تنمية الصادرات حتى يمكن ربط الصادرات بتعميق الصناعة بزيادة المكون المحلى من الصادرات.


الدراسة التى أعدتها غرفة صناعة النسيج طالبت بتعديل الرسوم الجمركية للغزول لتصبح ٥٪ والأقمشة الخام بجميع أنواعها بنسبة ١٠٪ والملابس الجاهزة ٤٠٪ مع تنظيم قواعد الاستيراد من الخارج بحيث يتم تحديد الاستيراد طبقا للطاقة الإنتاجية للمصنع بنسبة ١٠٠٪ من طاقته الإنتاجية بالسجل الصناعى وأن تكون بوليصة الشحن باسم الشركة أو مصنع المستورد وإلغاء ما يعرف بـ “to order” وعمل خطاب الرقابة الصناعية لكل رسالة واردة ومنع خطابات الإلحاق.


السلع الغذائية تأتى فى مقدمة البضائع المهربة، لدرجة جعلت وزير التموين د. خالد حنفى يقود بنفسه قبل شهرين حملة لضبط السلع المغشوشة والمهربة فى الأسواق أسفرت عن ضبط ٣٠ طنا من التونة والزبد والعسل وملح الطعام ومنتجات ألبان وشيكولاتة ومياه غازية و٢٧٥ ألف عبوة من العصائر المختلفة، غير صالحة للاستخدام الآدمى أو فاسدة، فضلا عن كميات كبيرة من السلع غير الغذائية منها مستحضرات تجميل ومستلزمات طبية وقطع غيار، سيارات ودراجات نارية، ومنتجات جلدية وأجهزة كهربائية وإليكترونية ومستلزمات مكتبية وخردوات وملابس ونظارات وحفاضات أطفال.


السجائر المهربة تستحوذ على نحو ٢٠٪ من حجم سوق السجائر فى مصر البالغ ٨٠ مليار سيجارة سنويا من كافة أنواع السجائر الصينية والتركية والإنجليزية والأمريكية وهى فاتورة لا تقل تكلفتها عن ٨ مليارات جنيه كل عام، وتشير تقارير مكافحة التهرب بمصلحة الجمارك المعلنة نهاية العام الماضى إلى أن حجم التهريب الهائل لسجائر كليوباترا المغشوشة منها والمسرطنة من الخارج من خلال الفترة من أول يوليو عام ٢٠١٤ وحتى نهاية يونيو ٢٠١٥، بلغ حوالى٤٠٠ مليون سيجارة، كما أن جميع ما يتم ضبطه من سجائر مقلدة تأتى مهربة ولا تدخل عبر المنافذ الجمركية، و يتم ضبطها مهربة داخل شحنات مستوردة لأنواع أخرى، أو تضبط الحاويات الكاملة من خلال رجال حرس الحدود.


وباستعراض السوق المحلى لقطع غيار السيارات، نجده يشهد هو الآخر زيادة فى السلع المهربة من قطع الغيار، ولعل ما حدث فى مطلع العام الجديد ٢٠١٦ من ضبط أكبر عملية لتهريب ٧٣٠ قطعة غيار سيارات رومان بلى وعبوات شحم مجهولة المصدر ومهربة دوليًا، ووفقا للإحصائيات فإن تجارة قطع الغيار المهربة تشكل حوالى١٠٪ من البضاعة المتواجدة فى السوق وتستخدم سيارات الجولف ٧٠٪ منها وهيونداى ٢٠٪ وأسعار كثير منها يصل إلى ٥٠٪ من البضاعة الأصلية ولكنها تفتقر إلى الجودة أو فترة الصلاحية للاستخدام وغالبيتها تدخل البلاد عن طريق بورسعيد، حيث يدخل الرسالة تحت اسم رسم الوارد بالسوق الحرة ولا تخضع لأى فحوصات أو رقابة ويتم خروجها دون التأكد من جودتها.


الدكتور فخرى الفقى أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة ومساعد المدير التنفيذى لصندوق النقد الدولى سابقا، قدر حجم التهريب فى مصر، بـ(٦مليارات دولار سنويا) بما يعادل ١٠ ٪ على الأقل من جملة الواردات البالغة ٦٠,٨ مليار دولار وهى فاتورة تشمل كل السلع المهربة بطرق قانونية عبر الجمارك والموانىء من أدوية ومستحضرات تجميل وأحذية وقطع غيار وملابس جاهزة وأدوات مطبخ وسجائر وأجهزة تليفون محمول ومعلبات غذائية ولا تتضمن المخدرات والسلاح والآثار أو المهربات عبر الحدود، مشيرا إلى أن التهريب يشكل أكبر خطر على الاقتصاد المصرى ويضرب الصناعة الوطنية ويقضى عليها ويعرض العاملين فيها للتشرد.


“الفقي” حدد أخطر طرق التهريب وأكثرها شيوعا عبر المنافذ الرسمية للبلاد وهى تهريب عملات نقد أجنبى إلى خارج البلاد من خلال فتح اعتماد استيراد بضاعة من الخارج وليكن مثلا بـ١٠ ملايين دولار، ويقوم المورد بإرسال فاتورة بالمبلغ تمهيدا لتحويل العملة الأجنبية، حينئذ يقوم المستورد المصرى بمخاطبة البنوك المصرية لتوفير النقد الأجنبى من خلال شهادة الاعتماد وفاتورة الاستيراد، وتقوم البنوك بالفعل بتوفيرها ويرسل المستورد المبلغ للمورد، فى الوقت الذى اتفقا فيه سويا على إرسال بضاعة بـ٨ ملايين دولار فقط، وتحويل الـ٢ مليون دولار على حساب المستورد المصرى فى أى بنك فى الخارج، وللأسف تقع الجمارك فى الفخ.


النوع الثانى من التهريب كما يقول خبير الاقتصاد الدولى فخرى الفقى يتم من خلال الجمارك وبآلية مشابهة لتهريب النقد الأجنبى للخارج، حيث يقوم المستورد المصرى بإبلاغ الجهات الرسمية باستيراد كمية من البضاعة ولتكن ٨ آلاف حذاء صيني، ولكن الحاوية القادمة من الخارج بها ١٠ آلاف حذاء، وبالتالى يصبح لدينا ألفان حذاء بدون جمرك يتم بيعهم على الرصيف بأسعار رخيصة ومن هنا يأتى ضرب الصناعة الوطنية، وهذا المثال متكرر فى باقى السلع، فضلا عن تهريب السجائر وأجهزة المحمول والبضائع صغيرة الحجم خفيفة الوزن داخل حاويات بضائع أخرى مستوردة كالملابس، وفى حال عدم الإحكام الجمركى على رسائل الشحنات المستوردة، تنفذ البضائع المهربة للسوق المحلى.


أما الباحث الاقتصادى أحمد حسنين أرجع كثرة حوادث تهريب البضائع إلى الأسواق المحلية لعاملين أساسيين أولهما عدم إحكام السيطرة على المنافذ الشرعية من جمارك وموانى وهى تمثل ٧٥٪ من جملة حالات التهريب أو غير الشرعية عبر الحدود مع ليبيا والسودان وسواحل البحرين المتوسط والأحمر والأخيرة يكثر من خلالهم تهريب السلاح والآثار والمخدرات بما يوازى٢٥ ٪ من التهريب، ولا يستطيع أحد تقدير قيمتها والتى تزيد بالطبع عن قيمة فاتورة التهريب الخاصة بالبضائع والسلع عبر الجمارك والموانى والتى يقدرها الخبراء بحوالى٥٠ – ٦٠ مليار جنيه، وأما العامل الثاني، فهو ارتفاع قيمة الجمارك بشكل مبالغ فيه، لاسيما فى قطع غيار السيارات، بما يجعل المستورد المصرى يلجأ للمهرب هروبا من غلاء الجمارك، وبناء عليه، يتعين على الحكومة المصرية اتخاذ مزيد من الإجراءات والحوافز التى تشجع المستوردين على إدخال بضائعهم عبر الجمارك، وليكن تخفيض قيمة التعريفة الجمركية على سلع معينة أو كميات محددة، فلا يتساوى المستورد الكبير مع نظيره الذى يقوم باستيراد كميات قليلة.


“حسنين” حذر من إغراق الأسواق بالسلع الغذائية والعصائر والمشروبات مجهولة المصدر، بالإضافة إلى السجائر والأقمشة والملابس الجاهزة عن طريق بورسعيد وليبيا، وأحيانا من خلال مطار القاهرة بجانب قيام البعض باستيراد أقمشة وملابس جاهزة بنظام السماح المؤقت، حيث تدخل هذه الأقمشة إلى الأسواق دون جمارك وضريبة مبيعات بما يهدد المنتج المحلى من الغزل والنسيج، وقال إن الألعاب النارية المهربة ولعب الأطفال تتكلف سنويا فى الفاتورة ٢ مليار جنيه.


صحة الإنسان لم تكن بمنأى عن عمليات التهريب، والتى امتدت للأدوية المهربة وكذلك المغشوشة والمقلدة، ووفقا لتقرير نقابة الصيادلة فى مطلع ٢٠١٥ فإن حجم سوق الدواء فى مصر يبلغ ٣٣ مليار جنيه، وتشكل مبيعات الأدوية المهربة ١٥ ٪ من حجم هذا السوق بما يعادل ٦ مليارات جنيه موزعة على ٢٠٠٠ صنف من أصل ٨ آلاف دواء محلى مسجل فى مصر.


من جهته، قال الدكتور علاء السمان عضو مجلس إدارة شعبة أصحاب الصيدليات بالغرف التجارية، إن فاتورة تهريب الأدوية ومستحضرات التجميل غير محددة القيمة، لأنها متغيرة والجزء الأكبر منها يدخل البلاد دون ضبطها ومن ثم يصعب تحديد قيمته، مشيرا إلى أن الأدوية المهربة لا تضر باقتصاديات وصناعة الدواء فى مصر فحسب، وإنما بصحة المواطنين أيضا، المرضى منهم والأصحاء، فالدواء سلعة عليها إقبال من الجمهور، ويسهل غش وتزوير المهرب منه سواء بتغيير تاريخ الصلاحية أو وضعه فى عوامل خارجية تؤثر على فاعليته مستقبلا، كما أنه غير مسجل ولا يخضع للضوابط التى وضعتها وزارة الصحة، فضلا عن صعوبة معرفة مادته الفعالة بدون متخصص فى صناعة الدواء، والذى لا يظهر دوره إلا فى حالات ضبط المغشوش والمهرب من الأدوية، وفيما عدا ذلك، يمر المهرب والمغشوش للأسواق دون حاكم أو ضابط. وتابع “السمان”: توجد مافيا عالمية تتحكم فى سوق الدواء المهرب ومنتشرة فى عدد كبير من الدول ويزداد نفوذها وحجم أعمالها فى البلاد التى تضعف فيها وسائل الرقابة على المنافذ الجمركية والبحرية، فضلا عن عدم تغليظ العقوبات ضد المهربين فى مجال الأدوية، ومن ثم فإحكام السيطرة على المنافذ الشرعية وتغليظ العقوبات ورفع مستوى الوعى لدى الصيدلى ومن قبله الطبيب بخطورة الدواء المهرب على صحة المريض والذى قد يكلفه حياته، إلى جانب تسهيل إجراءات تسجيل الأدوية المتداولة فى الخارج، كل هذا من شأنه يقلل فاتورة تهريب الأدوية، وبالمثل مع مستحضرات التجميل المهربة.