فى انتظار موافقة مجلس الوزراء والبرلمان: «الصكوك السيادية».. بوابة «المالية» لتمويل الاستثمارات

09/03/2016 - 12:59:16

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

تقرير: أميرة جاد

وسط توقعات دولية بتراجع حجم إصدار «الصكوك» خلال العام الجارى لنحو ٥٥ مليار دولار فى مقابل ٦٣.٥ مليار دولار خلال ٢٠١٥، أعلنت وزارة المالية المصرية انتهاءها من إعداد مشروع قانون «إصدار الصكوك السيادية» وإرساله إلى مجلس الوزراء فى انتظار دراسته والموافقة المبدئية عليه لعرضه على مجلس النواب لإقراره.


انتهاء وزارة المالية من إعداد قانون للصكوك السيادية، يأتى بالتزامن مع إعلان «المالية» ارتفاع عجز الموازنة العامة للدولة خلال النصف الأول من العام المالى الحالى «يوليو – ديسمبر» ٢٠١٥ / ٢٠١٦ إلى ١٦٧.٨ مليار جنيه، أى ما يعادل ٥.٩٪ من الناتج المحلى الإجمالى مقابل ١٣٢ مليار جنيه خلال الفترة ذاتها من العام المالى السابق عليه، هذه النسبة التى سجلتها الموازنة من العجز المالى لا تدع مجالا للشك بأن المالية ستضطر لتعديل مستهدف العجز من نحو ١٠٪ - النسبة المدرجة فى البيان المالى للعام المالى الجارى – لنحو ١٢٪ وفقا للمعدلات التى سجلها العجز خلال النصف الاول من العام المالى الجارى.


وهو ما يجعل من السهل استنتاج الهدف من إصدار الصكوك السيادية خلال العام المالى الجارى، إذ تسعى الحكومة لتخفيف العبء عن الموازنة العامة من خلال إصدار أدوات مالية جديده تمول بها الاستثمارات العامة التى قدرها البيان المالى لموزانة العام المالى الجارى بـ٧٥ مليار جنيه؛ لكن الصكوك التى تعتزم المالية إصدارها هى نفسها الأدوات المالية التى أثارت جدلا واسعا خلال فترة حكم جماعة الاخوان الإرهابية، وهو ما يثير تساؤلا حول ما هو الجديد فى الصكوك لتلجأ اليها الحكومة؟، وهل يوافق البرلمان على مشروع القانون المتوقع أن يعرض عليه عقب انتهاء المجلس من اقرار لائحته الداخلية؟.


« المصور» تفتح ملف الصكوك لمعرفة مميزاتها والتحفظات الشعبية على إصدار صكوك سيادية، وهل يمكن اعتبار الصكوك تخليا من الدولة عن الملكية العامة الجديدة أى خصخصة من باب خلفى؟، وكيف يمكن للصكوك أن تقلل التضخم وتخفض عجز الموازنة دون تمويل هذا العجز بشكل نقدى مباشر؟.


«توفير السيولة»


وحول تعريف الصكوك وعما إذا كانت أداة دين أم صك ملكية وما يميزها عن أدوات الدين التقليدية مثل «السندات وأذون الخزانة»، قالت الدكتورة شاهيناز رشاد المحلل المالى، خبير التصكيك ورئيس جمعية التأجير التمويلى، أن الصكوك أداة تمويلية توفر السيولة فى الأساس لتمويل الاستثمارات والمشروعات وتكون فى الاساس أداة تكميلية للسندات لدى الحكومات والانظمة بمختلف توجهاتها الاقتصادية.


وأضافت «رشاد» أن من أهم مميزات الصكوك عن السندات أن الاولى لا تضع أى عبء على الموازنة العامة ولا تستخدم أيضا فى سد العجز وإنما تسهم فى تخفيضه نظرا، لأنها توفر سيولة للمشروعات العامة من خلال حملة الصكوك.. وبالتالى لا تكلف الموازنة مليما واحدا، وهو الامر الذى يحمل عبء الاستثمارات العامة (البنية التحتية والخدمات المختلفة مثل المدارس ومحطات الكهرباء وغيرها) من على كاهل الموازنة العامة نظرا، لأن حقوق حملة الصكوك يتم سدادها من ارباح المشروع الذى تطرحه الحكومة للتنفيذ.


وأوضحت «رشاد» أن أدوات الدين الأخرى تسهم فى زيادة عجز الموازنة العامة، لأنها تكلف الموازنة عبء إفساد الدين وأيضا خدمته، لافتة أن الصكوك تسهم بشكل عام فى تخفيف معدلات التضخم، نظرا لأن فكرتها تعتمد على توظيف السيولة فى مشروعات لها أرباح ودخول، وهو ما يؤدى إلى التحول من مجرد اقتصاد استهلاكى إلى اقتصاد منتج وهو ما يؤدى إلى خلق قيمة مضافة تدفع التضخم للتراجع.


وحول القانون الذى تنتظر «المالية» الموافقة عليه وإقراره من قبل مجلس النواب أشارت خبير التصكيك إلى أننا لسنا فى حاجة إلى إصدار قانون للصكوك، وإنما نحن فى حاجة إلى إصدار قواعد منظمة، مشيرة إلى بريطانيا من كبريات الدول التى تمول بنيتها التحتية من الصكوك، وبالرغم من ذلك فلا قانون خاص للصكوك السيادية لديها وإنما مجرد ضوابط عامة.


«لا.. للخصخصة»


وحول إذا ما كانت الصكوك السيادية خصخصة من باب خلفى، قالت شاهيناز رشاد، إن إصدار الصك يتم لانشاء أصل جديد ولا يتم على أصل موجود، بالإضافة إلى أن حملة الصكوك يشاركون فى الربح والخسارة للمشروع، وإذا خسر المشروع خسارة تامة فالملكية تؤول للجهة المصدرة للصك (بنك أو وزارة أو هيئة عامة) لأن الجهة المصدرة هى من يسدد حقوق حملة الصكوك فى حالة الخسارة وفى حالة الربحية يكون الصك محددا بمدة معينة بعدها تؤول الملكية للجهة المصدرة وهى فى حالة الصكوك السيادية «الدولة»، ومن ثم فلا مجال للتحفظ على الصكوك باعتبارها أداة لتخلى الدولة عن ملكيتها العامة أو بابا خلفيا للخصخصة.


«شفافية تامة»


وعن آليات إصدار الصكوك السيادية ومدى ملاءمة المناخ الاقتصادى الحالى لإصدارها، قال الدكتور محمد البلتاجى، رئيس الجمعية المصرية للتمويل الاسلامى، إن اندونيسيا وهى من كبار الدول المصدرة للصكوك كان تصنيفها الائتمانى مماثلا لمصر حاليا، لافتا إلى أن أهم شروط نجاح إصدار الصك تتمثل فى الدراسات الجيدة والمتأنية للمشروعات التى تعتزم الدولة تمويلها من خلال الصكوك لضمان ربحية للمشروع يتم من خلالها سداد مستحقات حملة الصكوك الممولين الرئيسين للمشروع، كما تمثل الشفافية وفقا – للبلتاجى– شرطا مهما لإنجاح عمليات التصكيك السيادى، موضحا أن التحفظات الشعبية على الصكوك فى عهد «الاخوان» لم تكن لاسباب فنية أو مالية، وإنما كانت تحفظات مرتبطة بعدم شفافية الإعلان عن الصكوك، بالاضافة إلى ارتباط الصكوك بتيار الاسلامى السياسى الذى فقد مصداقيته بالشارع لاسباب اقتصادية وسياسية مختلفة، ولذا كان من الطبيعى أن تفقد الصكوك شعبيتها ومصداقيتها لارتباطها بتيار الاسلام السياسى.


وألمح «البلتاجى» إلى أن أهم ما يميز الصكوك السيادية أنها لا ترتب مديونية على الموازنة العامة للدولة، وفى حالة الخسارة إذا حقق المشروع خسارة يكون هناك ضوابط قانونية للتعامل مع حملة الصكوك، مؤكدا أن المخاوف الشعبية من سيطرة مستثمر بعينه أو مؤسسة معينة على المشروعات العامة يبددها ما يضمنه القانون من حق الادارة العامة للمشروع للجهة المصدرة للصك، وهى فى حالة المشروعات العامة تكون «الدولة ممثلة فى إحدى مؤسساتها».


«تجارب ناجحة»


وعن التجارب الدولية الناجحة فى إصدار الصكوك السيادية وتمويلها لمشروعات قومية كبرى، قال الدكتور يوسف إبراهيم استاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر، الخبير الاقتصادى بمركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي، أن ألمانيا وماليزيا وتركيا والإمارات والسعودية والبحرين والكويت من كبار الدول المصدرة للصكوك، مشيرا إلى أن الإمارات مولت أغلب مشروعات البنية التحتية الخاصة بها من الصكوك ومن أشهر المشروعات الإماراتية الممولة من الصكوك، هى طيران الإمارات وميناء خليفة والمنطقة الحرة بدبى وبنك دبى الإسلامى، مؤكدا أن انجلترا مولت مشروعات خلال العام الماضى بنحو ٢٠٠ مليون أسترلينى، والسعودية أصدرت صكوكا بنحو ٣ مليارات ريال، أما لكسومبرج فمولت مشروعات خلال ٢٠١٥ بنحو ٢٠٠ مليون يورو.


وأوضح «إبراهيم» أن الصكوك يمكن أن تسهم فى حل أزمة نقص العملة الأجنبية التى تضرب البلاد حاليا، لأنه يمكن للدولة إصدار صكوك دولارية للمستثمرين الاجانب فى مشروعات بعينها، لافتا إلى أنها إحدى طرق جذب الاستثمار الاجنبى المباشر، مشيرا إلى أن الاقبال على الصكوك الدولارية سيتوقف على الحالة الامنية والسياسية وتقديرات رجال الاعمال الاجانب للمشروعات المطروحة وتقييمهم للربحية وجدية المشروع، موضحا قد تكون البلد مستقرة والمشروع جيد ولكن بعض الجنسيات قد تحجم عن الصكوك الدولارية نكاية فى الدولة والنظام.


وفى سياق متصل، قال «إبراهيم» إن الفائدة الاساسية من الصكوك تتمثل فى توسيع قاعدة الملكية العامة من خلال الافراد.. أى أنها تمنح الفرصة للشعب كله أن يكون شريكا فى المشروعات القومية العامة والبنية التحتية للدولة.


«تراجع عالمية»


وكانت وكالة «ستاندرد آند بورز» لخدمات التصنيف الائتمانى توقعت فى تقرير حديث صادر عنها تراجع حجم إصدارات السندات الإسلامية (الصكوك) العالمية، خلال العام الحالى بين ٥٠ و٥٥ مليار دولار، مقارنة بنحو ٦٣.٥ مليار دولار فى ٢٠١٥، ونحو ١١١.٦٤ مليار دولار فى ٢٠١٤.


وأضافت الوكالة، أن سوق الصكوك العالمية ستبقى فى مستويات «أقل» خلال هذا العام، مع استمرار توقف مصرف ماليزيا المركزى - أكبر مصدر للصكوك فى العالم - عن الإصدار.


 


وكان مصرف ماليزيا المركزى (بنك نيجارا ماليزيا) قد أعلن العام الماضى، عن توقف إصدار الصكوك، والتحول إلى أدوات أخرى لإدارة السيولة.


وبحسب التقرير، فإن ثلاثة عوامل رئيسة ستؤثر على أداء سوق الصكوك فى ٢٠١٦، وهى تطورات السياسة النقدية فى الولايات المتحدة وأوروبا، وانخفاض أسعار النفط، واحتمال رفع العقوبات المفروضة على إيران.


وذكر تقرير «ستاندرد آند بورز»، أن زيادة سعر الفائدة من قبل بنك الاحتياطى الفيدرالى الأمريكى، سيؤدى إلى انخفاض فى السيولة العالمية، ومن شأن ذلك أن يقلل الإقبال على الصكوك.


وأضاف التقرير: «مع استمرار تراجع أسعار النفط لن يكون أمام بعض حكومات البلدان المصدرة للنفط، أى خيار آخر سوى الحد من الإنفاق الاستثمارى، وهو ما يؤدى إلى انخفاض احتياجات التمويل.. وبالتالى ستكون الإصدارات سواء التقليدية أو الإسلامية عند مستوياتها الدنيا».


ولفت تقرير الوكالة، إلى أن بعض تلك البلدان فى الأسواق الرئيسة للصكوك، تحديدا فى مجلس التعاون الخليجى (الذى يضم كلا من البحرين، والكويت، والسعودية، وعمان، وقطر، والإمارات) وماليزيا، قد تقرر أن تذهب إلى الطريق التقليدى للتمويل، بدل الطريق الإسلامى، باعتباره أقل تعقيدا.



آخر الأخبار