التطبيع مع إسرائيل: من النحاس إلى السادات ومبارك

09/03/2016 - 11:26:02

السادات وبيجين فى توقيع معاهدة السلام ١٩٧٩ السادات وبيجين فى توقيع معاهدة السلام ١٩٧٩

حسنين كروم

يحاول البعض إما عن قصد أو عن جهل وعدم قراءة ما ينشر علنا فى الصحف تصوير قرار مجلس النواب بإسقاط عضوية توفيق عكاشة بسبب اجتماعه فى منزله مع السفير الإسرائيلى على خلاف الحقيقة التى أعلنها عكاشة نفسه على قناة الفراعين المملوكة له والتى استند إليها المجلس لإسقاط عضويته، وهى أنه تباحث مع السفير فى أمر تدخل حكومته لمنع أثيوبيا من بناء سد النهضة مقابل أن تمنحها مصر من حصتها من مياه نهر النيل مليار متر مكعب سنويا.


وطلبه الحصول من إسرائيل على خمسين ألف تأشيرة حج للقدس للأقباط فى مصر، وأن تبنى عشر مدارس حديثة لتزيل آثار تدمير طائراتها مدرسة بحر البقر الابتدائية وقتل حوالى سبعين من أطفالها، وأن تساعد مصر فى حل أزمتها الاقتصادية؛ أى أننا أمام عضو مجلس نواب انتزع بمبادرة منه سلطات رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ومجلس النواب وتفاوض واتفق مع دولة أجنبية دون إذن منهم، ولم تعد المسألة تطبيعا مع إسرائيل، لأن هناك من طبّعوا ولا يزالون معها دون أن تتخذ الدولة إجراءات ضدهم أو تمنعهم بل إنها شجعتهم منذ عهد مبارك على الانضمام إلى اتفاقية الكويز معها للحصول على تسهيلات لإدخال بضائعهم للسوق الأمريكية، وكثيرون تحدوا الرأى العام وطبّعوا ولم تتخذ الدولة إجراءات ضده، لكن من عاقبهم الرأى العام وعزلهم وجعلهم مثلما قال أبو الطيب المتنبى “ كأنى مطلى به القار أجرب “.


وهؤلاء يتناسون أن مقاطعة والعياذ بالله التطبيع ليس قرار دولة إنما قرار شعبى اتخذته كل النقابات والاتحادات المهنية والعمالية، على أساس أن إسرائيل لم تقم بإعادة الجولان فى سوريا وأرض فلسطين التى احتلتها، وترفض تركها وقصة رفض التطبيع ومقاومته له حكاية، فقبل أن يعقد مجلس جامعة الدول العربية اجتماعا فى الخامس والعشرين من مارس سنة ١٩٥٠ راجت أنباء عن محادثات يجريها الملك عبد الله بن الحسين أمير إمارة شرق الأردن مع إسرائيل لعقد صلح منفرد يحل محل اتفاق الهدنة، وانقلبت الدنيا رأسا على عقب فى مصر، وتعرض الأردن إلى حملات عنيفة تطالب بطرده من الجامعة، ولذلك لم يرسل وفدا إلى القاهرة لحضور الاجتماعات وتدخل العراق والسعودية للتهدئة لإعلان الأردن عدم صحة اتجاهه لعقد محادثات منفردة مع إسرائيل وكان ذلك بتاريخ ٢٨ مارس وفى اليوم التالى مباشرة تقدم النحاس باشا باقتراح لمجلس الجامعة نصه:


“ لا يجوز لأى دولة من دول الجامعة العربية أن تتفاوض مع إسرائيل أو أن تعقد فعلا مثل هذا الصلح أو الاتفاق، وأن الدولة التى تقدم على ذلك تعتبر على الفور منفصلة عن الجامعة العربية طبقا للمادة الثامنة عشرة من ميثاقها، وتكليف اللجنة السياسية اقتراح التدابير التى يجب أن تتخذ ضد الدولة التى ترتكب هذه المخالفة “.


ووافقت الدول الست التى حضرت وفودها الاجتماعات وبعد يومين - ٣١ مارس - أعلن الأردن موافقته وأرسل وفدا لحضور اجتماعات مجلس الجامعة، وكلف النحاس باشا كلا من إبراهيم فرج والدكتور وحيد رأفت بإعداد مشروع بالعقوبات ضد أى دولة تتفاوض منفردة مع إسرائيل وتم عرضه على مجلس الجامعة فى ١٣ إبريل ١٩٥٠ ووافق عليه ومن أبرز مواده :


أولا:


- قطع العلاقات السياسية والقنصلية مع الدولة المخالفة.


- إغلاق الحدود المشتركة ووقف العلاقات الاقتصادية والتجارية والمالية معها.


- منع كل اتصال مالى أو تعامل تجارى مباشرة أو بالواسطة مع رعاياها.


ثانيا: تبلغ كل دولة الأمانة العامة لجامعة الدول العربية بالإجراءات التى اتخذتها فى هذا الشأن.


ثالثا: تتضافر الدول الأعضاء على تقديم المعونة المتبادلة لتنفيذ التدابير المشار إليها.


وهذه القرارات التى وضعها النحاس فى الميثاق لمعاقبة أى دولة عضو فى الجامعة تجرى مفاوضات منفردة مع إسرائيل تم تطبيقها لأول مرة على مصر بعد تسعة وعشرين عاما أى فى عام ١٩٧٩ بتوقيعها على اتفاقية السلام مع إسرائيل وإقامة علاقات دبلوماسية معها والنص فى الاتفاقية، على أن العلاقات الاقتصادية جزء منها وسارعت الدول العربية بعقد مؤتمر للقمة فى العاصمة العراقية بغداد، وعلى عكس كل ما قيل من البعض فى مصر إنه مؤتمر لمعاقبة مصر، وأن الرئيس العراقى صدام حسين هدد ملوك ورؤساء الدول العربية بالقتل، إذا لم ينزلوا عقوبات على مصر فإن المؤتمر كانت نتائجه عكس هذا الاتهام على طول الخط، وكان منحازا للشعب المصرى ومؤسساته، وأن الذى تزعم الاتجاه لعدم الإضرار بالمصريين كان صدام حسين وملك السعودية فهد بن عبد العزيز، فقد وجدا أن تطبيق العقوبات كما وضعتها مصر عام ١٩٥٠ سيعنى إلحاق أضرار بالغة بالمصريين دون ذنب ارتكبوه خاصة طردهم من الدول العربية، ولذلك اقترح الاثنان إدخال تعديلات تنص على أن تطبيق المقاطعة على الحكومة بسحب السفراء ونقل مقر الجامعة العربية من القاهرة، أما المقاطعة الاقتصادية فتطبق فقط على الأفراد والشركات التى تقوم بالتطبيع مع إسرائيل وقدمت سوريا وليبيا اقتراحا آخر بأن يتم عدم السماح للعاملين المصريين فى الدول العربية بتحويل أموالهم إلى مصر، على أساس أن الحكومة تستفيد بها، ولكن الدول الأخرى رفضته على أساس أن هذه التحويلات تصل إلى أسر العاملين، ولا يجب إلحاق أى ضرر بهم، أما بالنسبة للحكومة فحتى تتجنب مقاطعة الدول العربية للشركات والمؤسسات الاقتصادية، فقد حصرت التطبيع فى وزارة الزراعة، على أساس أنه لا يوجد لها نشاط فى الدول العربية، وأنشأت شركة طيران اسمها سينا؛ لتعمل بين مطارى القاهرة وبن جوريون فى تل أبيب وإبعاد شركة مصر للطيران عن التطبيع، وكذلك الأمر بالنسبة لشركة المقاولون العرب وغيرها أبعدتها الدولة عن التطبيع، وأما الدول العربية التى رفضت قطع علاقاتها مع مصر فكانت سلطنة عمان ليس تأييدا للاتفاق وإنما لأن سياساتها العامة ترفض قطع أى علاقات، وهو ما التزمت به حتى مع إيران أثناء حربها مع العراق بعد غزوة الكويت، والبلد الثانى كان الصومال أيام حكم الرئيس محمد سياد بري؛ لأنه كان فى حاجة إلى دعم مصر فى حربه ضد أثيوبيا بعد أن هاجم إقليم الأوجادين ثم ردته أثيوبيا بمساعدة الاتحاد السوفيتى أيام حكم مانجستو هيلا مريام اليساري، والسودان أيام نميرى كان فى حاجة إلى دعم السادات فى مواجهة تدخلات القذافى فى شئونه.


وكانت مشكلة السادات رغم أنه ابن بلد ونشأ فى بيئة شعبية واندمج فيها، فإنه لم يفهم سبب التأييد الشعبى الواسع الذى حصل عليه بعد توقيعه اتفاق السلام مع إسرائيل، وهو أن الشعب أراد إنهاء حالة الحرب والتفرغ للبناء، أو عهد الرخاء الذى وعد السادات الشعب به ولم يوافق على التخلى عن عروبته والارتباط بالقضية الفلسطينية، أو أن صداقة إسرائيل على حساب علاقاته الأخوية مع الدول العربية، لذلك فوجئ برفض التطبيع مع إسرائيل، وهو ما اعتبره تحديا شخصيا له بدلا من أن يستفيد منه للحصول على مزيد من المكاسب من أمريكا وإسرائيل، فأصدر سلسلة من القوانين الاستثنائية برفض العزل السياسى على معارضى معاهدة السلام، وأنه لا يحق لهم رئاسة أو تولى مناصب فى الأحزاب السياسية، وعدم قبول ترشحهم للمجالس النيابية والنقابية أو تولى وظائف فى الإعلام والتدريس، ووصل الأمر إلى أن لجنة الأحزاب عام ١٩٨٢ رفضت الموافقة على طلب تأسيس حزب باسم الجبهة الوطنية، تقدم به كل من كمال الدين حسين وممتاز نصار ومحمود القاضى وأحمد ناصر، لأنهم من الذين عارضوا معاهدة السلام وأيدت المحكمة القرار واستمر سريان القانون إلى أن تم إلغاؤه.


والغريب فى الأمر أن مبارك الذى لم تكن له النشأة الشعبية للسادات فهم حقيقة موقف الشعب من التطبيع، لذلك لم يزر إسرائيل إلا مرة واحدة للمشاركة فى جنازة رئيس الوزراء إسحق رابين، وعاد فى نفس اليوم، وقدم ما يشبه الاعتذار للشعب بأنه فعل ذلك ردا على مشاركتهم فى جنازة السادات، ورفض كل الضغوط الأمريكية والإسرائيلية لزيارة إسرائيل ومن وسائل الإعلام ووفود الكونجرس الأمريكي؛ مرة بحجة عندما تكون هناك مناسبة، إلى أن قال بصراحة لوفد أمريكى إنه لا يريد تحدى مشاعر الشعب.