فى الذكرى ٤٧ لاستشهاده:عبد المنعم رياض.. القدوة والأسطورة

09/03/2016 - 11:24:22

البطل الشهيد عبدالمنعم رياض على الجبهة بصحبة الزعيم خالد الذكر جمال عبدالناصر فى حرب الاستنزاف البطل الشهيد عبدالمنعم رياض على الجبهة بصحبة الزعيم خالد الذكر جمال عبدالناصر فى حرب الاستنزاف

عميد: طارق الحريرى - باحث فى شئون السلاح والاستراتيجية

هو الابن البار للعسكرية المصرية، سليل أقدم جيش عرفته البشرية، عندما تجسدت فكرة الدفاع عن الوطن من الأخطار التى تحدق به، فتأسست القوة النظامية الأولى فى تاريخ البشرية لحماية الوطن وصد المغيرين، وإذا كان عبد المنعم رياض ابنا بارا للعسكرية المصرية فإنه أيضا الابن النابه الذى شرف بعلمه وثقافته العسكرية والعامة هذه العسكرية، وكان نموذجا فذا للتفوق والنبوغ والأداء المتقن طوال رحلته فى خدمة القوات المسلحة التى وهبها كل مايملك من وقت وجهد على مدار واحد وثلاثين عاما،


سنوات انخراطه فى صفوف الجيش بعد تخرجه في الكلية الحربية إلى أن وافته المنية شهيدا فى أعظم ساحات الشرف مسطرا أنبل صفحات الفخار، ذلك اليوم كان يوما مجيدا فى ذاكرة مصر يأتى علينا كل عام يحمل فى طياته أعظم معانى التضحية والشجاعة والفداء، إنه اليوم الذى سقط فيه الشهيد العظيم الفريق عبد المنعم رياض فى ٩ مارس ١٩٦٩ مضرجا فى دمائه وفارق الحياه ليولد من رحم الفاجعة، المعنى الذى يلهم الأمم روح المقاومة وطاقة الصمود وعندها يحفر عميقا المفهوم الذى يصون الذاكرة الوطنية لنضال المصريين؛ لتتعاظم هذه الذاكرة الثمينة يقظة عبر الزمن من جيل إلى جيل مفعمة بالبطولة والفخر والانتشاء الوطنى فتعيش القيم التى يتركها بيننا الشهداء خالدة وناصعة تتفاعل لتعطى للوطن قيمة فى النفوس تعزز المواطنة وتثرى الموروث التاريخى وتقوى العزم مع كل يوم جديد، ورغم أن استشهاد رياض كان وقتها يوما حزينا لمن عاشوه عندما تناقلت وسائل الإعلام بأسى خبر استشهاده إلا أن التاريخ لايصنعه إلا أمثاله حيا وميتا فهو من هو، إنه أحد أعظم رجال العسكرية المصرية فى العصر الحديث وإحدى فلتات القادة فى عالم العسكرية، لذلك نشأت من يوم استشهاد هذه الهامة الجليلة فكرة يوم الشهيد، لقد كان رجلا عظيما، وكل الشهداء رجال عظام، فلا يوجد تقسيم وطبقات بين الشهداء لكن تداعيات استشهاد رياض كانت طاقة نور أوحت لمدرسة الوطنية المصرية بأهمية تمجيد الشهداء.


فى التاسع من مارس سنة ١٩٦٩ استشهد الفريق عبد المنعم رياض، وهو يؤدى واجبه الوطنى على الحد الأمامى لخطوط القتال أثناء حرب الاستنزاف، وكان الرجل قد اعتاد أن يراجع الموقف الميدانى بنفسه فى جبهة القتال وخطوط النار، وكان يقصد بوجوده المستمر بين جنوده فى المواقع الأمامية رغم خطورة هذا الوضع أن يعطى القدوة للقادة على كافة المستويات بأهمية الالتحام بالجنود فى كل الأوقات وفى أحلك المواقف، وأن يستطلعوا موقف قوات العدو على الأرض؛ لأن التقارير التى ترفع من عناصر الاستطلاع والمراقبة رغم الثقة فيها لا تغنى عن مراجعة العين المدربة الخبيرة من كبار القادة، وكان وجود رياض المستمر وغير المسبوق فى مناطق الاشتباك التى تتصف بالخطورة والاشتعال يلهب حماس الجنود، ويرتفع بروحهم المعنوية إلى عنان السماء، وهم يجدون رئيس أركان حرب القوات المسلحة يتحرك بينهم بشجاعة وثبات، والذى لاشك فيه أن هذا البطل العظيم قد حقق نجاحا منقطع النظير فى غرس هذه المفاهيم فى القادة على كافة المستويات، والدليل الصادق الموثق على هذا النجاح أنه فى حرب السادس من أكتوبر سنة ١٩٧٣ كانت نسبة شهداء مصر من ضباط القوات المسلحة من إجمالى عددهم ثلاثة أضعاف هذه النسبة عند مقارنتها بالشهداء من الجنود من إجمالى عددهم، وعندما كان المحيطون برياض يحذرونه من مخاطر وجوده المستمر فى خطوط النار كان يرد عليهم بقول مأثور»أنالست أفضل من أي جندي يدافع عن الجبهة ولابد أن أكون بينهم في كل لحظة من لحظات البطولة».


فى صباح ذلك التاسع من مارس حطت الطائرة القادمة من بغداد وعلى متنها الفريق عبد المنعم رياض بعد إنهاء مهمة قومية للتنسيق بشأن معركة استعادة الأرض التى كان مخططا لها خريف عام ١٩٧٠ وعطلتها ثلاث سنوات أحداث أيلول الأسود عندما حدث صدام دموى بين الجيش الأردنى والمنظمات الفلسطينية، والتى انعقد على أثرها مؤتمر القمة العربية فى القاهرة الذى بذل فيه الزعيم جمال عبد الناصر جهدا فوق طاقة البشر رغم حالته الصحية لرأب الصدع وحقن الدماء مما أدى لوفاته، المهم أنه بعد حضور رياض إلى القاهرة ذهب على الفور إلى مكتبه والتقى وزير الحربية ثم أعد تقريره انتظارا لموعد لاحق لم يكن يدرى أنه لن يتم مع القائد الأعلى، وما إن انتهى من تقريره استقل طائرة هليكوبتر متجها إلى جبهة القتال للمرور على القوات التى خاضت فى ليلة ٨ مارس عمليات عنيفة ضد قوات الاحتلال فى سيناء وكبدتها خسائر فادحة، ومن مفارقات هذا اليوم أن البلاغات العسكرية الإسرائيلية الرسمية أبلغت عن خسائر أكثر من تلك التى تم إبلاغها من مواقع القتال المصرية للقيادة العامة فى القاهرة فقد كانت التعليمات مشددة بأن تتوخى القيادات المحلية الحذر فى حصر خسائر العدو ولا تبلغ عنها إلا إذاكانت محققة، أراد الفريق عبد المنعم رياض كعادته أن يشد على أيدى الرجال الذين أبلوا بلاء حسنا، وأن يتابع الموقف بنفسه، وأن يناقش نقاط القوة والضعف فور وقوع الاشتباكات، حتى ترصد النتائج ميدانيا دقيقة وخالصة بعيدا عن أى انطباعات شخصية أو مبالغات تتوالد مع مرور الوقت.


بعد أن حطت الطائرة الهليكوبتر فى مهبط قريب من خط الجبهة استقل سيارة إلى التشكيل الذى اشتبك فى الليلة السابقة، ومعه رئيس أركان الجيش الثانى وقائد مدفعية الجيش، لأنه لا يتوانى عن عادته بعد كل معركة مهمة فى الاتجاه إلى الجبهة، وهذا مافعله رغم عناء الرحلة المكوكية إلى العراق، وعندما وصل إلى قيادة التشكيل الذى خاض المعركة كان قائده فى مرور خارجى فطلب من رئيس أركان التشكيل أن يستمر فى غرفة العمليات لإدارة الموقف لو قام العدو باشتباك مفاجئ، وقام بصطحاب رياض إلى المواقع أحد النقباء، وفى الكتيبة التى خاضت الجانب الأكبر من العملية استقبله قائدها ورئيس أركانه، فطلب من القائد البقاء غرفة العمليات مطالبا أن يرافقه رئيس أركان الكتيبة إلى أحد المواقع الأمامية وعندما استوضح الأخير منوها أمامنا أكثرمن موقع أمامي قال رياض نزور أكثرها تقدما في الأمام، وكان هذا الموقع فى منطقة المعدية رقم ٦ فى نادى شاطئ هيئة قناة السويس (الدنفاه) الذى تحفه أشجار عالية عشش فيها القناصة الذين أوقعوا خسائر كبيرة فى أفراد مواقع العدو المواجهة، وبينما كان رياض يستطلع المكان من مسافة تزيد قليلا على طول حمام سباحة لموقع العدو المقابل مستخدما نظارة الميدان يراقب ويستكشف فتح العدو نيرانه فجأة لتتجدد المعركة، ومع اشتداد القصف جذبه أحد الضباط إلى إحدى الحفر وقاية له من النيران تبعه فيها رئيس أركان الجيش الثانى وقفز قائد مدفعية الجيش في حفرة مجاورة، وبينما كان رياض الذى رفض ترك الموقع يراقب المعركة، ويدرسها متتبعا سيرها يتابع متحريا كفاءة رجاله سقطت عليه بمبة هاون مباشرة أحدثت تفريغا كاملا للهواء، مما تسبب فى إصابة قاتلة للفريق رياض وإصابة جسيمة لرئيس أركان الجيش اللواء سعدى نجيب أقعدته بقية حياته.


بنى رياض صعوده فى القيادة بالجدارة والاستحقاق والجهد والإخلاص واحترام قيمة العمل، لقد اختار العسكرية برغبة عارمة فى أن يلتحق بسلكها ولأنه كان طالبا متفوقا فى البكالوريا ضغطت عليه أسرته ليلتحق بكلية الطب التى قضى بها عامين لكنه كان حاسما فى النهاية لعشقه للحياة العسكرية فترك الطب والتحق بالكلية الحربية متسقا مع ذاته واختياراته وقناعاته، لذلك كان طوال خدمته الأول بين الأوائل.


ولد رياض فى السنة التى زلزت الاستعمار البريطانى فى مصر فى ٢٢ اكتوبر ١٩١٩ وتوفى والده القائمقام (عقيد) محمد رياض عبد الله قائد بلوكات الطلبة بالكلية الحربية، وهو فى سن الثانية عشرة تخرج فى الكلية الحربية فى فبراير ١٩٣٨ والتحق بسلاح المدفعية (المدفعية المضادة للطائرات) شارك فى الحرب العالمية الثانية فى الصحراء الغربية ثم حرب فلسطين ١٩٤٨ ثم حرب ١٩٥٦ تلقى دورة تدريبية في سلاح المدفعية المضادة للطائرات بكلية «مانويير» بانجلترا بتقدير امتياز، ثم استكمل دراسته بأكاديمية «وولتش»، التى نادرا ما تقبل بالأجانب كما تلقى دراسات بالولايات المتحدة الأمريكية وقضى عدة سنوات في أرقى الأكاديميات العسكرية بالاتحاد السوفيتي حيث أطلق عليه الروس لقب «الجنرال الذهبي» بسبب نبوغه، وفى كل المعاهد والأكاديميات الأجنبية كان ترتيبه الأول على جميع الدارسين فى سابقة هى الأولى فى بعض هذه المعاهد، وكان الأول فى كلية أركان حرب، وأجاد اللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية والروسية، وتولى أرقى الوظائف القيادية فى القوات المسلحة المصرية، وأنجز بعد هزيمة الخامس من يونيه ١٩٦٧ عملا أسطوريا فى إعادة بناء القوات المسلحة، وكان الزعيم خالد الذكر جمال عبد الناصر ينوى بتكليفه بتنفيذ معركة العبور فى خريف ١٩٧٠ لكن الأجل وافاهما قبل ذلك ومنح رياض بعد استشهاده رتبة الفريق أول تكريما له.


فى ذكرى الأربعين لاستشهاد عبد المنعم رياض قامت المجموعة ٣٩ قتال بقيادة أسد الصاعقة البطل الأسطورى إبراهيم الرفاعى بعملية انتقامية على الموقع الذى تسبب فى استشهاد رياض، ففى يوم ١٩ إبريل ١٩٦٩ عبر أبطال المجموعة إلى الضفة الشرقية من بحيرة التمساح في ستة قوارب زودياك، وفور نزولهم على الضفة الشرقية اتجهوا مباشرة لموقع لسان التمساح، وفى اللحظة التى رفعت فيها المدفعية نيرانها عن الموقع بدأ الهجوم بإلقاء القنابل اليدوية والقنابل الحارقة من فتحات التهوية بالدشم وقطع أسلاكا لتليفونات وقام الأفراد بحرق العربات الموجودة بالموقع وإسقاط العلم الإسرائيلي وتدمير المدافع وكل ما هو موجود فى الموقع بالكامل، وعندما خرج أفراد العدو من الدشم مذعورين حصدتهم نيران أبطال المجموعة ٣٩ قتال، وتم مسح الموقع من على وجه الأرض وقتل للعدو ٤٤ فردا هم كل قوة الموقع وبعد الاستيلاء علي الموقع تم نسف مخازن الذخيرة ومخازن الوقود وإنزال العلم الإسرائيلي ورفع العلم المصري وانتهت العملية فى مساء التاسعة بعد السيطرة على الموقع ساعتين كاملتين، قام خلالها أفراد المجموعة بالتقاط الصورقبل العودة .