بعد ٢١ عاما من سمبوزيوم أسوان الدولى للنحت: ١٦ فنانا يبحثون عن مفاتيح فن النحت داخل المعابد المصرية القديمة

09/03/2016 - 10:31:40

على سعد الدين أحد المشاركين فى ورشة العمل على سعد الدين أحد المشاركين فى ورشة العمل

من أسوان: أمانى عبد الحميد

لم تكن الأزمة المالية هي المشكلة الوحيدة التي واجهت الدورة الـ٢١ من سمبوزيوم أسوان الدولي لفن النحت ودوراته الخمس الماضية، بل كانت هي الأخف وطأة في ظل تناقص عدد الفنانين الأجانب المشاركين في أهم حدث ثقافي فني تشرف عليه وزارة الثقافة، النحاتون حالهم حال السياح الأجانب يتلقون تحذيرات من دولهم تطالبهم بعدم المشاركة أو الذهاب إلى مصر بدعوى أنها أصبحت في عداد الدول غير الآمنة، إلا أن أهمية السمبوزيوم وجمال صخور أسوان؛ دفع ثلاثة فنانين من البرازيل والمكسيك ورومانيا للقدوم إلى مصر حاملين معهم مشاعر عشق، وسايرهم فنان رابع من السودان ليخوضوا تجربتهم الفريدة والتي غيرت من فلسفتهم الفنية وأثرت فيهم بقوة، ورغم ذلك جاء لقاء حلمي النمنم وزير الثقافة المفتوح مع الصحفيين الحاضرين لفعاليات السمبوزيوم ليكشف عن كثير من المشكلات التي جعلت الجميع يتساءلون عن قدرة الوزارة على مواصلة أدائها خاصة مع الصعوبات المالية الحادة التي تواجهها.


في مساء يوم ختام فعاليات سمبوزيوم أسوان الدولي لفنون النحت، ووفق تقليد متبع على مدار عمره التقى حلمي النمنم “وزير الثقافة” عددا من الصحفيين ليحدثهم بقلب مفتوح عن كثير من الصعوبات التي تواجه وزارته، تحدث عن نقص الموارد المالية في ظل وجود جيش ضخم من الموظفين دون حاجة العمل إلى وجودهم، وإن حرص على طمأنة الجميع بقوله: «إنها أزمة وعلينا التعامل معها..” وإن وجب تقنين الأداء وحسن إدارة الموارد على حد قوله، وأوضح أن ما تقدمه الوزارة من دعم للفن التشكيلي يعتبر كافيا خلال المرحلة المقبلة خاصة في وقت تزايد حاجة الكتاب والمفكرين إلى الدعم المالي والتأمين الصحي والعلاج على نفقة الدولة نظرا لضعف مدخولاتهم من بيع إنتاجهم الفكري قائلا: «كثير من الكتاب يمنعهم حياؤهم من طلب المساعدة..أما الفنانون فهم يملكون القدرة على بيع لوحاتهم وأعمالهم الفنية..” وإن أكد أن ذلك لن يؤثر على الدعم المقدم للفن التشكيلي والفنانين، وأن الوزارة في سبيل توقيع بروتوكول تعاون مع محافظة أسوان يهدف الى دعم كافة الأنشطة وزارة الثقافة المقامة على أرضها وعلى رأسها سمبوزيوم أسوان الدولي لفن النحت.


وفي المقابل حضر آدم حنين صاحب الحلم والمشرف على تحقيقة لمدة ٢٠ عاما متواصلة، حضر ليرى بأم عينه وحلمه يبلغ سن الرشد، وظل طوال فعاليات الختام صامتا وكأنه يناجي أهازيج الذكرى ويتأمل صنيعة يديه والحلم الذي أصبح حقيقة، عند الصخرة العنيدة فوق جبل الشلال جلس ينظر حوله ويرى المتحف المفتوح الأول من نوعه لفن النحت على الجرانيت، الجميع فرح ومشدوه بجمال المكان وبعظمة المنحوتات، إلا هو ظل صامتا شاردا يحيط به بعض من تلاميذه منهم ناجي فريد وعصام درويس وهاني فيصل يتأملون أعمالا فنية هي أجمل ما رأت العين من منحوتات تزين جبل الشلالات في أسوان.


وبعد ٢١ عاما من انطلاقه أصبح لدى مصر عدة أجيال من النحاتين القادرين على خلق تيار نحتي قوي، وبات السمبوزيوم ترجمة حقيقية للحلم الجماعي الذي يشارك في صنعه ممثلون لدول مختلفة ليخلقوا عالما جديدا ينبض بالفن والحياة، لذا حرص جورج دي سانتياجو الفنان المكسيكي على القدوم إلى أسوان ليقوم بتجربة لا تختلف كثيرا عن تجاربه السابقة في بلاده، وهي محاولة ترويض كتلة الحجر الجرانيتي وجعلها طيعة بين يديه، بعدما كانت ترقد في هدوء في أحضان الجبل، يمارس النحت باقتدار وعندما يتأمل عمله الإبداعي يزهو بصنيعته وهي تموج بالحيوية والانسيابية والحركة المدروسة، استوحى فكرة العمل من حضارة بلاده المكسيكية ويحمل اسم «مس كوانت” كلمة قديمة تعني الغيمة والأفعى، وهي مفهوم مقتبس من الحضارة القديمة عن إله الطبيعة؛ حيث إن الغيوم الملبدة تتخذ أشكال الأفعى ومع هطول المطر تتخذ المياه المتساقطة أيضا أشكالا ملتوية، في الماضي كانت التماثيل الموروثة من حضارات الأستيكتس والمايا والتي تجسد حالة التمازج بين الأفاعي والغيوم وكأنها أسطورة تجدد مع الزمن، ويقول «سينتياجو» إن هناك تشابها كبيرا بين الحضارتين المصرية والمكسيكية وإن كان كل شيء في مصر « يبدو أضخم وأعظم..» ويرى أن أهرامات الجيزة لا تختلف عن أهرامات الشمس في المكسيك في الحجم والتصميم، لذا جاء عمله النحتي كما صممه في بلاده وإن أضاف عليه فقط حجر جرانيت أسود ليرمز به الى عين مصر التي ترى كل شيء.


أما مارسيا دي بيرناردو فولتران الفنانة اللاتينية القادمة من البرازيل والمحبة للطبيعة إلى درجة العشق تهيم في ملكوت الكون تتأمل الصحراء الشاسعة بكثبانها الرملية، وإن كانت الغابات الاستوائية في بلادها تركت داخلها شعورا بالاندهاش وأصبحت بالنسبة لها رمزا لوحدة الوجود، تسعى من خلال عملها الجرانيتي أن تجسد الزهرة كرمز للطبيعة، وتقول :»إن الصحراء قد لا تحوي ورودا أو أزهارا حية، لكنها قد تحتضن أزهارا تحجرت على مدار ملايين السنين..»لذا أطلقت على عملها اسم «زهرة الصحراء»، شكلتها داخل الكتلة ذات الأسطح الخشنة وتركتها وكأنها لا تزال ترقد في حضن الصخر.


ومن أوربا جاءت آنا ماريا نيجارا، نحاتة مجتهدة قادمة من رومانيا انتظرت سنوات لتتمكن من القدوم إلى مصر والمشاركة في سمبوزيوم أسوان، جاءت تبحث بين صخور الجرانيت الصلبة عن طريقة تصل بها إلى السماء كما تقول الأساطير القديمة، أطلقت على عملها النحتي اسم «كاتالتيس» كلمة لاتينية تعني «تنقية الروح» وهو ما تسعى اليه، فالروح تتوق إلى خالقها بالفطرة لذا حاولت أن تنحت اسم الجلالة الله بالخط الكوفي بجوار بعض الرموز المسيحية واسم «محمد» بشكل بارز على سطح الجرانيت الأحمر، وإن كانت تؤمن بقناعات المصريين القدماء وبمحاولاتهم الحثيثة لتحقيق الاتصال بين السموات والأرض؛ فقامت بنحت مسارات متعرجة أشبه بالمتاهة التي تحمل دلالات رمزية تمثل البوابات الخفية إلى السماء على حد تعبيرها.


وكان رابعهم الفنان السوداني خالد عبد الله والذي يعيش في دبي، فهو نحات مثابر لم يفقد صلته بالحجر يوما، شارك في عدد لا يقل عن ٢٠ سمبوزيوم على مستوى العالم، بالرغم أن الجرانيت من الصخور المنتشرة في الطبيعة السودانية، إلا النحت على الحجر ليس من الفنون المنتشرة هناك على حد قوله، “لذا كان عليّ الاكتفاء بالنحت على الخشب والمواد الأخرى..»، ويقول: “ أول مرة أنحت حجر رخام كان في سمبوزيوم للنحت في روسيا منذ ١٢عاما فقط..»، بعدها ظل ينحت الرخام إلى أن جاء الى أسوان ليقوم بالنحت على الجرانيت للمرة الأولى في حياته كفنان، ويصف تجربته في أسوان بأنها «وكأنني دخلت مدرسة وتعلمت فن النحت من جديد..» يراها تجربة متميزة وتمثل نقلة نوعية في طريقة عمله، تعلم طريقة التعامل مع الأزميل والتي قد تغير مساره الفني، قائلا: «سأستخدم حجر الجرانيت في أعمالي المقبلة بشكل قد يجعلني أهجر الخامات الأخرى..» وإن ظلت فلسفته في العمل مستمرة على نفس المنوال،ـ بعدما أضاف له الجرانيت الكثير من الخبرات، ويقدم «عبدالله” عملا شامخا مستوحى من منطقة غرب السودان والنيل الأزرق، حيث تقطن قبيلة إفريقية اسمها «البارتا» لا تتحدث العربية تستخدم آلة موسيقية تشبه آلة الساكسفون لكن مصنوعة من نبات القرع وهو نبات خشبي يأخذون منه القطع ليكونوا منه تلك الآلة، لكن هناك قطعة واحدة هي التي تقود يسمونها «موازى مشن» وتعني «البنت الجميلة»، لذا أخذ شكل الآلة الموسيقية وأضاف عليها الشكل الأنثوي وانسيابيته ليعبر عن الحس الموسيقي.


ومن مصر وقفت ياسمينا حيدر الفنانة السكندرية لتحكي كيف كانت تنحت على الزجاج والخشب والخزف وغيرها من مواد النحت، لكنها حاولت من قبل داخل ورشة السمبوزيوم وعملت على المزج بين صلابة الحجر وهشاشة الزجاج من خلال عمل فني مطعم بالزجاج لكنها جاءت الدورة الحالية لتتخلى عن زجاجها وتمارس النحت على الجرانيت دون شريك، في الأصل كان التصميم يحوي الزجاج، لكن بريق الحجر وحجمه؛ جعلها تغير من تصميمها بعد أربعة أيام فقط من بداية الدورة، وتقول ياسمينا: “خامة الجرانيت لها معطيات لا يمكن تجاهلها خلال نحت العمل الفني..هناك حوار متصل بين الفنان والحجر يؤدي إلى حالة الإبداع..» ،وترى أن تقنية العمل مع الجرانيت تحتاج إلى حرفية عالية ومتقدمة نظرا لصلابته والتي قد لا توجد في مكان آخر وتضرب مثالا بمدينة «كرارة» الإيطالية التي تعمل على الرخام الذي لا يضاهي صلابة الجرانيت، وإن أبدت إعجابها بجمال العمل اليدوي في تقطيع الجرانيت دون الاعتماد على التقنيات الحديثة خاصة من قبل مساعد النحات الذي يوفره السمبوزيوم، عملها تجريدي مقتبس من أشكال الطيور والغيوم ويحوي حركة خفية نتيجة تأثير الريح أو الأعاصير.


في حين واصل محمد اللبان تجربته كأحد تلاميذ آدم حنين، والذي شارك من قبل في عام ٢٠١٠ قدم خلالها عملا فنيا على هيئة شراع يسبح في الفراغ ثم جاءت مشاركته الجديدة أكثر نضجا لتحمل عنوان «بوابة الجنوب»، يمثل مفهوما حديثا في التعامل مع التراث المصري والحضارات التي عاشت على أرضنا، وإن كان يهتم بشكل خاص بالطرز المعمارية الفرعونية باستخدام موهبته فيما يسميه بـ”النحت المعماري” وهو ما تجسد في دراسته للبوابات المعمارية التي تميز بها الفن الفرعوني، وإن كان يرى أهمية التعامل مع التنوع الحضاري المصري ومحاولة الدمج بين الفن الفرعوني بصلابته وقوته وبين الفن الإسلامي بانسيابه وجمال مفرداته وانحناءاته وعقوده وعمل هارموني بين الخطوط الحادة والأشكال الحديثة المرنة متمثلة في نصف دائرة، عمله عبارة عن ثلاث قطع من الجرانيت المنحوت تحوي قرص شمس تحتضن الأرش الإسلامي ويعلوه تصميم للبوابة بطراز شعبي دارج في تصميم بوابات البيوت المصرية القديمة.


وفي المقابل جاء أحمد مجدي عبده الفنان السكندري ليقدم تجربة مختلفة عن تجربته التي عايشها في إيطاليا، شارك من قبل في دورة ٢٠١٣ داخل ورشة العمل ثم جاء كفنان أساسي ليقدم عملا يحمل عنوان «بيوت للشمس» وهو كما يرى أنها تمثل عودة الروح، لذا حاول أن يقدم عملا نحتيا تنفذ منه أشعة الشمس مستوحى من فكرة بناء المعابد المصرية القديمة وما تحويه من قدس الأقداس وطريق الكباش، قائلا: “تؤسرنى فكرة الظل والنور وانعكاسات أشعة الشمس على البيوت البسيطة المبنية في حض الجبال..» ويرى أن الجرانيت من الصخور الساخنة التي تسيطر على من يحاول التعامل معها، لذا حرص على اكتشاف مواطن الجمال فيه وإعادة استغلاله في توصيل فكرته.


أما رمضان عبد المعتمد هو فنان مصري خريج كلية فنون جميلة الأقصر شارك في الدورة العشرين من السمبوزيوم، وجاء في الدورة الحالية ليشارك كفنان أساسي، قدم عملا نحتيا يجسد القطة الإفريقية المتوحشة مستوحاة من التراث الفرعوني المعماري، حاول أن يعبر عن رسوخ أبو الهول وخلوده، لكنه قدمه ككتلة ضخمة تحمل صلابة الجرانيت وبملمس ناعم وانسيابي حريري، ومعه داخل ورشة العمل المصاحبة للسمبوزيوم قدم عبد الرحمن البرجي عمله الذي يجسد طائر البومة الغامض ككتلة رمادية مهيبة بملمس حيوي ذى خطوط منحنية تماما، كما ظل لملايين السنين برسمه على جدران الكهوف القديمة، كذلك قدم على سعد الله المعيد في كلية الفنون الجميلة بالإسكندرية ليشارك في ورشة العمل وخرج منها بتجربة عميقة ومستفيضة عن فن النحت على الجرانيت، ويقول: «تعلمت في أسبوعين كيفية النحت باستخدام الأزميل..» وإن أكثر ما استفاد منه العمل وسط نحاتين كبار من مختلف المدارس والاتجاهات الفنية، خاصة أن لكل فنان طاقته وثقافته وأسلوبه المختلفة، وهو ما يجعل أجواء العمل ثرية، قدم عملا تجريديا للتعبير عن ملامسة الأسطح فاعتمد على التعرجات وتلاعب على حيوية الضوء والظل بشكل يبعث على الشعور بالحيوية والدفء بين ثنايا الكتلة الصلبة.


تلك الأجواء حركت الفنان داخل د.طارق زبادي أستاذ النحت بكلية الفنون الجميلة الإسكندرية وقومسير الدورة الـ٢١ من سمبوزيوم أسوان، والذي لم يخف غيرته وشارك بعمل نحتي صغير الحجم قائلا:” عندما وقعت عيني على صخور الجرانيت وبدأ الفنانون بالعمل فشعرت بالغيرة وقررت ممارسة هوايتي وحرفتي النحت..» قرر استعادة مشاركته السابقة في عام ٢٠٠٧، وقدم عملا نحتيا جديدا له صلة بمحاولته السابقة في دراسة الطبيعة الحشرية والتحولات التي تحدث لها مثل الدودة التي تتحول مع الزمن الى فراشة، واختار قطعة من الجرانيت الأحمر لينحت عليها دودته الوليدة.


أما عما جرى خلال الـ٤٥ يوما مدة الدورة ٢١ يحكي «زبادي» أن طاولة الطعام كانت دوما مخصصة للنقاشات الفنية والفلسفية إلى جانب كونها مكانا لتناول الطعام، قائلا: “لم تكن اللغة عائقا بين الفنانين الأجانب والمصريين وكانت لغة الفن هي الأقوى والأقدر على توصيل الفكرة..» وإن ظل يفتقد هواء الإسكندرية الرطب، واشتاق العودة إليها بعدما لفحته شمس الجنوب الحارة وإن أكد قائلا : “تجربة النحت في أسوان هي التجربة التي يتمناها كل النحاتين ..»، وأفتخر كثيرا بشباب النحاتين المصريين المشاركين في الورش الملحقة بفعاليات السمبوزيوم، وأثنى كثيرا على عمل كل من عبد الرحمن البرجي وعلي سعد الدين، وإن كان يرى أن الفنانة ياسمينة حيدر قدمت من وجهة نظره أجمل الأعمال المعروضة خلال الدورة الحالية.


وكانت الدورة الـ٢١ من سمبوزيوم النحت الدولي لأسوان الذي يشرف عليه صندوق التنمية الثقافية برئاسة د. نيفين الكيلانى قد اختتم أعماله الأسبوع الماضي بعدما أشرف عليها د. طارق زبادى كقوميسر عام بمشاركة فنانين من المكسيك - رومانيا – البرازيل – السودان، علاوة على ستة فنانين مصريين وستة من شباب النحاتين بورشة العمل المصاحبة.