دماء على جدار السلطة (١٤) .. خروجًا عن مبادئ الإسلام

09/03/2016 - 10:13:44

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

كتب - رجائى عطية

لم يكن قتل ثمانية آلاف صبرًا ، ولا إرسال « رأس » المختار الثقفى إلى مكة ، هى كل الجرائر التى قورفت فى أعقاب نجاح « مصعب بن الزبير » فى هزيمة المختار وقتله واجتزاز رأسه طبقًا لما صار عادةً دخيلةً على الإسلام ومبادئ الإسلام ، وإنما فرطت من مصعب مخالفات أخرى تخالف الإسلام مخالفة جسيمة ، بل وتخالف ما كان قد طبع عليه مصعب نفسه ، ولولا جنون السلطة ، وعبث جرثومتها بالعقول والطبائع ، ما انجرف هذا العربى القرشى المسلم إلى ما يرفضه الإسلام وتأباه التقاليد العربية .


دعا « مصعب » أم ثابت بنت سمرة زوجة المختار ، ودعوته لها فى ذاتها غريبة ، والأغرب أن يفعل ذلك ليسألها ماذا تقول فى زوجها المقتول ، فأدركت الأرملة بذكائها ما يريد أن يسمعه ، وآثرت السلامة ، فقالت له : « نقول فيه بقولك أنت » . فأطلق مصعب سراحها ، ثم دعا إليه زوجة المختار الأخرى : عمرة بنت النعمان بن بشير الأنصارى ، فسألها ماذا تقول فى زوجها ، فأبت على الأرملة أصالتها ودينها ـ أن تذكر زوجها بسوء ، وأبت إلاَّ أن تذكره بما تذكر به الزوجة الصالحة الوفية زوجها ، فقالت لمصعب : « رحمه الله ، كان عبدًا صالحًا » . فضاق بما قالت ، وقذف بها إلى السجن ، وبعث إلى أخيه عبد الله يزعم له أنها تقول إن زوجها نبى ، فكتب إليه بقتلها فقتلت !


الأخطاء تتراكب


بإيثار البنين !


ومع أن عبد الله بن الزبير كان من الورعين الزاهدين القانتين ، إلاَّ أنه يبدو أنه لم ينج من العادة التى استحكمت بإيثار البنين ، فعزل أخاه « مصعب » عن ولاية العراق رغم ما أنجزه ، وولَّى مكانه « حمزة بن عبد الله بن الزبير » ، وكان فيما يبدو شخصية خفيفة غير متوازنة ، يكون أحيانًا جوادًا سخيًّا يجود حتى لا يستبقى لنفسه شيئًا يملكه ، ويمنع أحيانًا ما لا يُمْنع مثلُه ، وظهرت خفته ونزقه وضعفه فيما باشره بالبصرة ، ووقع منه خلط وتخليط روى الطبرى بعضه فى تاريخه ، حتى همَّ عبد العزيز بن بشر بضربه : فكتب الأحنف إلى أبيه عبد الله بن الزبير بما يفرط منه ، وسأله أن يعزله عنهم ويعيد مصعبًا ، ففعل .


وقال الرواة إن حمزة بن عبد الله حين صُرِفَ عن عمله ، احتمل مالاً كثيرًا من أموال البصرة ، فتعرض له فيما قيل : مالك بن مسمع ، وقال له متصديًا : « لا ندعك تخرج بأعطياتنا » ، إلاَّ أن عبيد الله بن عبيد بن معمر تدخل لفض المشكلة ، وضمن لمالك العطاء فكّف عنه ، وشخص حمزة بالأموال التى حملها ، وخشى أن يذهب بها إلى حيث أبوه فى مكة ، فذهب إلى المدينة حيث أودع المال لدى رجالٍ أغلبهم جحدوه إلاَّ واحدٌ وَفَّى له ، وبلغ ذلك أبوه عبد الله بن الزبير، فاستنكر ما فعله ابنه ، وقال : « أبعده الله ! أردت أن أباهى به بنى مروان فنكص ! »


جرثومة عشق السلطة


وجذور الغدر والخيانـة


كانت المبايعة لمروان بن الحكم يوم بويع بالجابية سنة ٦٤ هـ ، مشروطة بأن يكون الأمر من بعده لخالد بن يزيد بن معاوية ، ثم لعمرو بن سعيد بن العاص ، وعلى أن تكون إمرة دمشق لعمرو بن سعيد ، وإمرة حمص لخالد بن يزيد .


ولكن مروان لم يكن صادقًا فيما التزم به يوم بويع ، وكان أول مؤشرات نكوله أنه تعمد أن يتزوج أم خالد بن يزيد بن معاوية ، وهى بنت أبى هاشم بن عتبة ، قاصدًا أن يصغر من شأن ولدها ـ وكان صغيرًا ، فلا يطلب الخلافة ، وروى المؤرخون تصرفات لمروان تعمد فيها تسفيه خالد ووصفه بأنه أحمق على مسمع من أهل الشام ، وقيل إن أمه ـ أم خالد ـ وجدت على « مروان » ذلك ، وأضمرته ، وتزيَّدَ البعضُ فقالوا إن « مروان » مات قتيلاً ، وأنها هى التى قتلته .


على أن « مروان » لم يترك نواياه للاستنتاج أو الاستظهار ، فقد نكل علنًا عما شرطوه عليه والتزم به يوم مبايعته ، وإذا به يفعل ما فعله معاوية بالبيعة فى حياته لابنه يزيد ، ولكنه زاد عليه بأن عقد فى حياته بيعة « مزدوجة » لولديه على التوالى : عبد الملك ، ثم عبد العزيز فيما مَرَّ بنا .


ولم يكن ذلك النكول ليمر مرور الكرام على « عمرو بن سعيد بن العاص » فقد عبث « مروان » بحقه فى ولاية الأمر من بعده ، وغلبته قوة وشوكة السلطان على الجهر بمعارضته ، وإن كان قد جعل يوطد من مكانته فى دمشق التى جرى الحديث عن اختصاصه بها يوم مبايعة « مروان » ، واختصاص خالد بن يزيد بحمص .


وهنا تختلف الروايات فيما انفجر من صراع صريح بين عبد الملك بن مروان الذى آل إليه الأمر بالتوريث فى حياة أبيه مروان ، وبين المغدور به : « عمرو بن سعيد بن العاص » ـ الملقب بالأشدق .


 


كان عبد الملك بن مروان قد خرج يريد « قَرْقيسيا » أو « قَرْقيسياء » وبها


« زُفَر بن الحارث الكلائى » ، ومن قائل إن « عمرو بن سعيد » خرج معه ثم تسلل وعاد ليلاً إلى دمشق حيث غلب عليها وعلى خزائنها ، فكرّ عبد الملك عائدًا إلى دمشق ، ومن قائل إن عبد الملك كان قد استخلف « عمرو بن سعيد بن العاص » على دمشق فتحصن بها ، وبلغ ذلك عبد الملك فارتد إلى دمشق وحاصرها .


وقال آخرون إن مسير عبد الملك كان نحو العراق يريد « مصعب بن الزبير » ، وإن عمرو بن سعيد بن العاص تحدث إليه بأن والده « مروان » كان قد وعده الأمر من بعده ، وأنه على هذا جاهد معه ، وأنه كان من بلائه معه ما لا يخفى على « عبد الملك » ، وطلب إليه أن يجعل له الأمر من بعده ، فلم يجبه عبد الملك إلى ما يريد ، فانصرف عنه


« عمرو » راجعًا إلى دمشق ، فرجع عبد الملك فى أثره إلى أن انتهى إلى دمشق .


القتال ثم الصلح ثم الغدر !


احتدم القتال أيامًا فى دمشق بين عبد الملك بن مروان وعمرو بن سعيد بن العاص (الأشدق) ، وبعد أحداث وخطوب ، تصالحا وكتب له عبد الملك كتاب أمان ، وبولاية العهد إلى عمرو بن سعيد ، وعلى أن يكون الأمر إليه من بعد عبد الملك ، وأن يكون كل عامل لعبد الملك عاملاً لعمرو .


وعلى اختلاف فى التفاصيل ، أرسل عبد الملك إلى عمرو أن يأتيه بقصر الإمارة ، قائلاً له : إئتنى يا أبا أمية .. فقد كانا كلاهما من بنى أمية : وكان عمرو بمثابة ابن عم لعبد الملك ، وابن عمته أيضًا ، ولكن النفوس كانت قد التوت من يوم أن نكص « مروان » عما التزم به يوم مبايعته إثر مؤتمر الجابية ، ورفض عبد الملك أن يصحح الأمر .


لذلك لقيت هذه الدعوة إلى قصر الإمارة ارتيابًا ، لدى عمرو نفسه ، ولدى زوجته ، ولدى زوج ابنته : عبد الله بن يزيد بن معاوية الذى تصادف وجوده عنده حين أتته دعوة عبد الملك للقائه بالقصر ، وقيل إن إمرأة عمرو اعترضت بشدة وحذرته من الذهاب بأنها تشم رائحة دم مسفوح ، ولازالت به تلح عليه حتى ضربها بقائم سيفه فشجها فتركته ، وقيل إن زوج ابنته : عبد الله بن يزيد بن معاوية حدثه قائلاً : « يا أبا أمية ، أنت أحب إلى من سمعى ومن بصرى وأرى لك ألاَّ تأتيه » ، فلما استوضحه روى له نبوءة سمعها نقلاً عن إمرأة ابن كعب الأحبار ، أن عظيمًا من ولد إسماعيل يرجع فيغلق أبواب دمشق ثم يخرج منها فلا يلبث أن يُقْتل . بيد أن عمرو رَدّ قائلاً فى ثقة عمياء :


« والله لو كنت نائمًا ما تخوفت أن ينبهنى ابن الزرقاء (إشارة لعبد الملك) ولا اجترأ على ذلك منى ، أما إنى رأيت عثمان البارحة فى المنام فألبسنى قيمصه » .


على أن هذه التحذيرات أحدثت أثرها ، فأخذ عمرو احتياطاته ، وتقلد سيفه ، وخرج فى مائة من مواليه فى رواية ، وفى أثره نحو أربعة آلاف من أهل دولته متسلحين وأحدقوا بقصر الخضراء ، واتفقوا معه على أن يعطيهم إشارة إذا ما وجد لدى عبد الملك ما يريبه ، فألقى إليهم أنه إن خفى عليهم صوته ولم يسمعوه ، فالزوال موعدهم ، فإن زالت الشمس ولم يخرج إليهم فليعلموا أنه مقتول أو مغلوب ، وليضعوا أسيافهم ورماحهم حيث شاءوا.


لا يغنى حذر من قدر !


وقيل فى بعض الروايات إنه حين دخل عمرو بن سعيد إلى القصر ، طفق أصحابه يصيحون : يا أبا أمية ، أسمعنا صوتك . وأراد عمرو أن يتم وصول المقصود ، فنادى على غلامه أن يرد على الرجال بأنه ليس عليه بأس ، ليعلم عبد الملك أن وراءه ناسًا ينتظرونه بخارج القصر .


وروى ابن الأثير أن عبد الملك بدأ فرحب بعمرو ، وأشار إليه ليجلس معه على السرير ، وجعل يحادثه طويلاً ، ثم نادى على أحد غلمانه أن يأخذ السيف عنه.


فانبرى عمرو يقول : إنه لله يا أمير المؤمنين . فقال له عبد الملك : أتطمع أن تجلس معى متقلدًا سيفك ؟ ثم أخذوا السيف عنه ، وطفقا يتحدثان إلى أن قال له عبد الملك : يا أبا أمية ، إنك حين خلعتنى ـ آليت بيمين إِنْ أنا ملأت عينى منك وأنا مالك لك ـ أن أجعلك فى جامعة ( ما يُغَل فيه اليدان إلى العنق ) . وعلق عليه بعض بنى مروان مطمئنين عمرو : ثم تطلقه يا أمير المؤمنين ؟ قال : نعم ، وما عساى أن أصنع بأبى أمية ؟ فقال بنو مروان لعمرو : أبرّ قسم أمير المؤمنين . فقال عمرو بن سعيد : قد أبّر الله قسمك يا أمير


المؤمنين .


ومضت مأساة الغدر إلى غايتها ، فأمر عبد الملك بإخراج « جامعة » من تحت سرير الملك ، وأمر بوضع « عمرو بن سعيد » فيها ، وإذ انتابه القلق مما يجرى ولا يطمئن إليه عقله ، فقد قال عمرو لعبد الملك : أذكرك الله يا أمير المؤمنين أن تخرجنى فيها على رؤوس الناس. فقال عبد الملك : أمكرًا يا أبا أمية عند الموت ؟ لا والله ما كنا لنخرجك فى جامعة على رؤوس الناس . ثم جذبه جذبةً أصابت فمه بالسرير فكسر ثنيتيه . فقال عمرو : أذكرك الله ، كسر عظم منى فلا تركب ما هو أعظم من ذلك . فقال له عبد الملك مفصحًا عما أضمره : والله لو أعلم أنك تُبقى علىّ إنْ أبقيت عليك ـ لأطلقتك ، ولكن ما اجتمع رجلان فى بلدةٍ قط على ما نحن عليه ـ إلاَّ أخرج أحدهما صاحبه » .. هنالك لم يملك عمرو بن سعيد إلاَّ أن يقول : أغدرًا يا ابن الزرقاء ! إلاَّ أنه لم يتلق جوابًا !


المفارقة اللافتة ، أن يسمع عبد الملك أذان العصر ، فيخرج ليصلى بالناس ، طالبًا إلى أخيه عبد العزيز أن يقتله . فلما قام إليه بالسيف ، قال له عمرو : أذكرك الله والرحم أن تتولى قتلى. ليقتلنى من هو أبعد رحمًا منك ، فلم يملك عبد العزيز ـ إلاَّ أن يضع السيف ويجلس ، فلما عاد عبد الملك من الصلاة وجد أسيره لا يزال حيًّا ، فسأل أخاه : ما منعك أن تقتله ؟ فقال عبد العزيز : ناشدنى الله والرحم فرققت له !


لم يعجب ذلك عبد الملك ، فعاتب آخاه عتابًا غليظًا ، ثم إنه أخذ الحربة فطعن بها عمرًا فلم تجزُ ، ثم طعنه ثانيةً فلم تجزُ ، فضرب بيده على عضده فرأى الدرع فقال ساخرًا : ودرع أيضًا ؟! إنْ كنت لمعدًّا ! ثم أخذ الصمصامة وأمر بعمرو فصرع ، وجلس على صدره فذبحه !


وذكر الرواة أن عبد الملك أصابته من بعد رعدة ، فحمل عن صدر الذبيح الذى ذبحه إلى حيثُ وضِعَ على سريره .. سرير الملك ، وقد قيل إن عبد الملك أمر غلامه ابن الزعبرية بقتل عمرو حين خرج للصلاة ، فقتله وألقى برأسه إلى الناس ، وهى رواية مرجوحة وغير معقولة ، والأولى أصح .


وقد روى أن عبد الملك أتى يومها بيحيى بن سعيد (شقيق عمرو بن سعيد) ، وأمر به أن يُقْتل ، ولكن عبد العزيز بن مروان قام إلى أخيه فاعترضه ، وقال : جُعلت فداك يا أمير المؤمنين ! أتراك قاتلاً بنى أمية فى يوم واحد ، فأمر عبد الملك بيحيى فحبس ، وروى أن عبد العزيز تشفع يومها أيضًا فى « عنبسة بن سعيد » ، و« عامر بن الأسود الكلبى » حين أراد عبد الملك قتلهما ، فاكتفى عبد الملك بحبسهما هما وأولاد المذبوح عمرو بن سعيد .


كتاب الصلح !


أغرب الغرابة أن يسعى عبد الملك لاسترداد كتاب الصلح الذى كان قد كتبه للذبيح عمرو بن سعيد بن العاص ، وكأنه يخشى كلمة التاريخ حين يُقْرأ هذا الكتاب ويضاهى عليه ما حدث من غدر ، فأرسل عبد الملك إلى الكلبية زوجة عمرو ـ أن تبعث إليه بكتاب الصلح الذى كان قد كتبه وأعطاه لعمرو ، فردت مبعوث عبد الملك قائلةً : « ارجع إليه فأعلمه أننى قد لفقت ذلك الصلح معه فى أكفانه ليخاصمه به عند ربه ! »


(للحديث بقية)