رحيل ربيع أبوالخير أحد الرجال المحترمين

09/03/2016 - 10:02:52

نجوان عبداللطيف نجوان عبداللطيف

كتبت - نجوان عبد اللطيف

فى غرفة صغيرة من الدور الثانى من مبنى دار الهلال العتيق التقينا لأول مرة أكثر من ٤٠ شابا وفتاة فى مكتب الصحفى الكبير والإنسان الرائع الراحل سامى الليثى، صحفيون متدربون جاءوا إلى دار الهلال تلبية لدعوة الصحفى الكبير مكرم محمد أحمد رئيس مجلس إدارة المؤسسة الجديد ورئيس تحرير مجلة المصور، الذى فتح الباب لتدريب جيل جديد من الصحفيين دون قيد أو شرط أو واسطة، كان مكرم يحاول بنا فتح دماء جديدة فى مجلة المصور لإحيائها بعد سنوات توارت فيها عن الأضواء.


جلس بجوارى شاب تجاوز منتصف العشرنيات على وجهه ابتسامة خفيفة ودائمة كانت أصوات الشباب تختلط ببعضها البعض، كل فرد يحاول أن يستخدم الصوت العالى، لإثبات وجوده وتقديم نفسه وطرح بعض الأفكار لموضوعات صحفية إلا ربيع أبو الخير.. انتظر حتى فرغ الجميع.. لم يحاول أن يقتنص فرصة ليطرح نفسه ولكنه عندما تكلم.. خفيض الصوت.. كلمات واضحة محددة، استطاع بلغة سليمة مختصرة تقديم نفسه والتعبير عن أفكاره التى يريد تنفيذها كانت معظمها أفكارا علمية. ربيع كان يعمل فى ذاك الوقت فى أكاديمية البحث العلمى، ولكنه تركها بدون تردد، لأنه اختار أن يعمل فى المهنة التى أحبها وأرادها.. ضحى بالوظيفة الثابتة والمرتب المضمون من أجل أن يبدأ حياته العملية كصحفى متدرب لأكثر من عامين وليحتل موقع الصدارة فى قائمة المعينين الذين لم يزيدوا عن ثمانية بعد عامين من التدريب الشاق بعد أن تساقط العشرات فى هذه المرحلة من العمل المضنى.


تزاملنا فكان ربيع الزميل الأكثر أدبًا وخلقا ومهارة ورقيا، ولكنه كان الأكثر تواضعًا فى زمن لا يحصل فيه المتواضعون على حقوقهم، ولايقدرون كما ينبغى، كنا كمجموعة شباب، نختلف ونتفق ونتشاجر أحيانًا إلا ربيع، لم أسمع منه يومًا لفظًا غير لائق، لم أر منه وجها غير الذى عرفته، حتى عندما يغضب كان يترك المكان.


كنا نجلس سويًا إما فى مكتب أستاذنا ومعلمنا الجليل يوسف القعيد، أو فى مكتب أستاذتنا الرائعة صاحبة الفضل الكبير الأستاذة رجاء عبدالله، كنا نتناقش فى السياسة فى العلم فى الأدب، وكان ربيع حاضرًا دائمًا يحب الإنصات أكثر من الكلام، ينهل ممن حوله، لايتكلم إلا إذا كان لديه استفسار أو فكرة يريد طرحها، وهكذا كانت كتابته سهلة، بسيطة، معبرة عن أفكاره بوضوح يجيد تبسيط المعلومات العلمية.


من الصعب أن تجد كلمة زائدة ليس لها احتياج فى موضوعاته الصحفية عندما قرر السفر للعمل فى صحيفة الشرق الأوسط الرياضية فى السعودية، كان القرار لرجل يحمل أعباء أسرته والدته وأخواته البنات، فهو الابن الوحيد لهذه الأسرة الطيبة الجميلة التى دعتنا ليوم جميل قضيناه فى مشتل البراجيل، وأغدقت علينا من خيرات الريف، وأبت أن نغادرها قبل أن نحمل معنا الكثير عرفت يومها أن هذا النبت من تلك الشجرة الأصيلة جذرها ثابت وفرعها فى السماء.


ويبدو أن القدر كان له بالمرصاد بعد أن عاد واستقر وتزوج فى سن متقدمة وأنجب ثلاثة أبناء، داهم المرض زوجته ورحلت قبل أن يشتد عود الصغار، ورغم أن ربيع رفض إلا أن يحمل العبء وحده، لم يغير الحزن من طباعه، ظل ودودًا بشوشًا لا يتحدث عن أحزانه قدر حديثه عن ذكاء منة وجدعنة محمد وقفشات الصغير حسين، ولم يغيره المنصب كرئيس تحرير لمجلة طبيبك الخاص، ظل مع الجميع متواضعًا دمثا حنونًا.


حتى عندما داهمه المرض ظل كما هو، كان يتصل بى من حين لآخر يسأل عن أحوالى، أشعر بخجل وأعتذر له ولكنى لم أجده أبدًا معاتبًا أو شاكيًا، حتى إنه لم يبح لى بمرضه الذى أنهى حياته، ربيع أبوالخير أحد الرجال المحترمين من هذا النوع من الصحفيين الذين حفظوا للمهنة كرامتها وشرفها، ولو كان يريد أن يجمع الملايين فى حياته لفعلها، لكنه أبى وتكبر.. رحل ربيع الصديق والزميل ترك الحياة بسرعة وبساطة دون ضجيج كما عاش دائمًا.