أبو الخير .. سلام يا صاحبى..

09/03/2016 - 10:00:31

سليمان عبد العظيم سليمان عبد العظيم

كتب - سليمان عبدالعظيم

بل إلى لقاء لا يعرف إلا الله سبحانه وتعالى متى يحين.. ياه.. ياه .. بسرعة كده مرت السنين وكرت العقود.. صيف ١٩٧٧ كانت نقطة البداية في رحلتنا.. آه يازمن كم كانت رحلة سعيدة وجدت فيها منك كل الإخلاص والصدق والوفاء.. كنت - ومازلت طيلة هذه السنين - أصدق جداً ذلك المثل القائل «رب أخ لم تلده أمى»..


الآن تترجل يا رجل.. لماذا تتركني وحدي وسط الأعاصير والأنواء ومظاهر الخداع والغش والكذب.. منذ ١٢ عاما رحل حبيبي وصديقي سلامة مجاهد.. والآن أنت ترحل.. ترحل دون وداع.. ترحل بعد أن انتهيت ظهر الخميس الماضي من تقديم واجب العزاء في شقيقة الغالي غالي محمد.. يا سبحان الله .. في مكتب غالي رأيتك لآخر مرة تنظر إلىَّ بعمق ..تكرر نظراتك لى.. كأنك تراني لأول مرة.. كأنك لم ترنى من قبل.. كأنك لن تراني فيما بعد.. الآن فهمت لماذا كانت هذه النظرات الطويلة الفاحصة.. الآن عرفت لماذا كانت عيناك تفحصني.. تراقب خلجاتي.. ترصدني.. الآن فهمت.. الآن فهمت أنك - وحدك كنت تدرك أن هذا اللقاء في مكتب الأستاذ غالي سيكون آخر لقاء..


ياه.. ياه بسرعة كده عدت السنين!


بقيت معي ياصاحبي ٣٩ عاماً من الصداقة والوفاء والإخلاص.. كنت دليلي ومرشدي في مشوار الصحافة وفي حياتي العائلية..وأقولها والشخصية كمان.. أسالك النصيحة فيرتاح قلبى ويهدأ فؤادى.. أتذكر.. في قمة غضبي من إحدى أخواتي أو أصدقائي كنت لى الناصح الأمين.. «اهدى شوية ياسليمان مش كده»؟.. بقيت معي أكثر من نصف عمري.. كنت تكبرني بعامين فقط ولكنك كنت تكبرني بكثير.. بعمق إخلاصك.. بطهارة تصرفاتك بصدقك مع النفس.. وبصدقك مع الآخرين..


ياما مرت بك مواقف صعبة كانت تستدعي منك أن تقول للأعور أنت أعور دون أن يغضب منك أحد.. لكنك كنت صبوراً.. كنت حليماً.. سيبك منهم.. هكذا كنت تنصحني وترد على وأنا أطالبك بأن تدافع عن نفسك وتدفع عنك كيد الكائدين.. سيبك منهم.. بعد شوية هايتعبوا من الكلام المعاد المزاد.. سيبك منهم وركز في شغلك ولا كأنك سمعت أي حاجة قالوها!.


“بيعة” - هكذا كنت أدلل حبيبي الغالي - كان شايل شيلة تقيلة.. رحل والده الحاج محمد عوض أبو الخير فى نفس العام الذي حصل فيه ربيع على ليسانس الآداب قسم الصحافة.. ترك الأب لابنه الوحيد الستر وخمس بنات.. مطلوب منك يا صاحبي أن تستر البنات.. يتجوزوا.. إزاي؟!.. الله يرحمه الوالد ما كانش يعرف طريق البنك.. الحساب صفر.. الحساب في تلك الأيام - ١٩٧٤ - كان يوم الحساب.. بنك إيه وبتاع إيه؟..


مسكين أخو البنات.. المهم.. بمرتبه البسيط كمسئول الإعلام والصحافة بأكاديمية البحث العلمي قدر (يدبق)ويحوش.. دخل جمعيات مع والدته الحاجة الله يرحمها ويرحمه.. المهم بعد لما أصغر أخواته البنات اتجوزوا كان عليه لسة شوية التزامات مالية.. لما فاق بعد سنتين بدأ يفكر في الجواز..


سنة ١٩٨٧ جاله عقد مغر في جريدة «الرياضية» بجدة.. في الأول رفض الأستاذ مكرم رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير.. كان بداخله إحساس عميق بأنه ليس من حق أي حد يخطف كده على الجاهز ولاده اللي رباهم وعلمهم جميعاً.


الأستاذ مكرم كان بيحب ربيع وبيحترمه جداً.. وعلشان كده أول قرار تعيين أصدرهعندما تولى مسئولية دار الهلال كان لربيع.. وكان ربيع بالفعل يستحق وعن جدارة أن يكون صاحب أول قرار يصدره الأستاذ مكرم بتعيين صحفي في دار الهلال لأنه ببساطة كان قد دخل قبلنا كلنا دار الهلال في عام ١٩٧٩ يكتب فيها تحقيقات علمية وطبية وهو مازال بعد مسئولاً عن الصحافة بالأكاديمية.


رفض الأستاذ مكرم أن يوافق على الأجازة.. وقاله قدم استقالته..تأخر ربيع في السفر وكانت الاتصالات مع مسئولى جريدة «الرياضية» السعودية مازالت قائمة يستعجلونه.. دارت الأيام والأسابيع واستسلم «بيعة» واستقر رأيه على البقاء.. قلت لنفسى فلنجرب.. دخلت على الأستاذ مكرم وقلت أنا لى طلب إنسانى مش لى. لمين سألنى. ولما شرحت له ظروف ربيع وأنه قام بتزويج شقيقاته الخمس وأنه الآن(على بلاطة) يريد أن يعمل قرشين علشان يتزوج وافق الأستاذ مكرم على الفور وكانت كلمته: أنا موافق طالما أنت جاى تتكلم عن مشكلة لزميلك..


وسافر صاحبي إلى جدة وبقي هناك حتى عاد فى ١٩٩٦ كان قبلها قد تزوج.. وأنجب منة ومحمد وحسين.. على الترتيب وعندما رحلت الغالية منال رحمها الله كان حسين لم يغادر الرابعة من عمره.. حزينا مهموماً بقى ربيع.. طول عمره شقيان لكن ماحدش بيعرف حاجة عنه.. لأنه أبدا لا يشكو.. مسئوليتان بقيتا في رقبته: رئاسة تحرير مجلة طبيبك الخاص.. وقيادة أمور الأسرة بعد رحيل الغالية منال عمود البيت.


الآن استرد الله وديعته.. الآن أصبحت الرحمة لكل الأموات مطلوبة.. الله يرحمك ياربيع..


سلام يا صاحبى...