تجديد الفكر الدينى المسيحى (٤-٤) .. المعجزات

09/03/2016 - 9:58:29

جمال أسعد جمال أسعد

كتب - جمال أسعد

تحدثنا فى المقالات السابقة عن أهمية تجديد الفكر الدينى ومن ثم تجديد الخطاب الدينى لمالهما من دور ومهم ومباشر فى تشكيل الوعى الدينى وفى إعداد الشخصية المصرية إن سلباً أو إيجاباً وذلك من خلال دور المسجد والكنيسة مما يجعل للفكر الدينى والخطاب الدينى تأثيراً لا يستهان به، فهل خطابنا الدينى فى وضع يمكنه من إعداد الشخصية المصرية التى تواجه هذا التحدى الشامل والمركب الذى يعيشه الوطن وفى هذه الظروف الاستثنائية؟ لأن هناك عدة قضايا رئيسية وهناك كثير من الاجتهادات الشخصية قد استغلت بعض العقائد الدينية إنجيلياً فمزجت بين اجتهاداتها وبين تلك العقائد .


وبالتواتر والنقل قد أصبحت هذه الاجتهادات مقدسة لما أنسجت عليها من قداسة ذلك لخلطها بالمقدس وكأن أى رأى وكل اجتهاد مقدس ويأخذ صفة القداسة من الكتاب المقدس وكأنه جزء من العقيدة المقدسة. وهنا نناقش قضية المعجزات فى الخطاب والفكر الدينى المسيحى. وهل يساهم فى تشكيل الوعى الناضج الذى يعمل العقل ولا يكتفى بالنقل الذى يستطيع أن يفصل بين الرأى والاجتهاد البشرى وبين النص والعقيدة المقدسة ؟ أم أن هذا الخطاب وذلك الفكر وتلك الطريقة تنتج عقلآً مغيباً فاقداً للتفكير مسقطاً للموضوعية بل وللأسف الشديد أن هذا الفكر الذى يتعامل مع قضية المعجزات يكرس الفكر الغيبى ويسطح الوعى ويجمد الفكر ويخمل العقل . فمن المؤكد أن للأساطير دوراً تاريخياً وتراثياً مؤثراً بشكل مباشر فى خلق وجدان الشعوب فالحضارة المصرية القديمة على مدى حقباتها تزخر بكثير من الأساطير التى شكلت الإحساس الشعبى وأثرت فى الوعى الجمعى الشئ الذى أضاف سحر الأسطورة على بعض الشخصيات الدينية مما جعلها ذات تأثير مباشر أو غير مباشر على مجمل الفكر الدينى خاصة أن الأقباط يؤمنون بسير القديسين وشفاعتهم الشئ الذى جعل هذا يتطور فى صورة ما يسمى بالمعجزات.


فأصبح كل قديس صاحب معجزة وكل مكان لابد له من قديس وكل فعل غير منطقى أو غير مقبول يتم التعامل معه باعتباره معجزة، نعم المعجزات معترف بها حيث إنها وردت فى الكتاب المقدس ولكن المعجزات الكتابية قد تمت من أجل تحقيق هدف تعليمى وبغرض إثبات مبدأ عقيدى والمعجزات هى الشئ الخارق للعادة والفعل المتخطى للقدرة البشرية العادية كما أن المعجزات لا تأخذ شكل التكرار حيث إن تكرار المعجزة يحولها إلى عادة لا جديد فيها ولا إبهار. فإذا نظرنا إلى التكوين البشرى من تركيب الأعضاء وطريقة تشغيلها ليس على مدار الساعة بل كل لحظة أو لحيظة أو طرفة عين. كيف يتم الأكل وكيف يهضم وكيف يستفيد منه جسم الإنسان. لو تأملنا فى عمل القلب ذلك العضو الصغير الذى يدير حركة الدم ويقوم بتوزيعه على باقى الجسم من الرأس وحتى القدم بشكل منتظم منضبط بكل دقة. فهل يوجد إعجاز حقيقى أهم وأكبر وأقيم من هذا الإعجاز المتكرر والدائم طوال عمر الإنسان؟


لذا فهذا التكرار وتلك المعجزة لم تعد توضع فى سلم المعجزات وذلك لتكرارها . وإن كانت المعجزات الكتابية جاءت فى زمن بذاته ولهدف بعينه عند بداية الرسالة المسيحية . فليس بالضرورة أن تظـل المعجزة فى شكلها الأول الكتابى . فإذا كان الإنسان هو معجزة الله فى هذا الكون وقد خصه دون باقى خليقته بالعقل فإن عقل الإنسان الذى هو معجزة المعجزات قد أصبح الآن هو صانع المعجزات وبإذن الله وذلك فى كل مجالات الحياة العلمية والطبية والاتصالاتية وعلى كل المستويات . فعلاج ضعف البصر الشديد جداً بالأشعة ليس معجزة فى سياق التقدم العلمى والطبى عما كان قبل ذلك ؟ واختصار العالم فى ثورة الاتصالات التى أزالت الحدود وأسقطت الحواجز أليس هذا معجزة ؟ والثورة فى نقل الأعضاء بل وفى تغييرها بأعضاء صناعية تؤدى نفس الأغراض أليس هذا إعجازاً علمياً لا يمكن تخيله فى السابق؟ وهل الوصول إلى الكواكب الأخرى واكتشاف أسرار الكون أليس هذا إعجازاً علمياً؟ بل كل هذا وغيره كثير هو إعجاز ومعجزات يجب أن تستفز عقولنا لتعمل وتثير أفكارنا لتبدع وتفتح أفهامنا لتدرك وتحمس نفوسنا حتى نصل إلى أقصى حالات التقدم العلمى حتى نساير العالم المتقدم الذى تركنا خلفه نركض متقاعسين بعد أن كنا نقود العالم حضارياً قبل آلاف السنين . فهل بدلاً من ذلك نعود القهقرى إلى الخلف آلاف السنين وراء فكر دينى غيبى متخلف يتمسك بالخرافات ويضفى عليها مسحة القداسة ويغدق فى الغيبيات ويتصورها داعماً للإيمان وذلك تحت مقولة “حب إيمانك يكون لك” . هذه المقولة والتى يتم تسويقها وبيعها للعامة والتى تستغل لتمرير كل خزانة ولتسويق كل بدعة وكأن الإيمان هذا لا تحده قواعد ولا تلزمه قيم ولا توضحه نصوص أنيجيلية؟ فهل كل شخص يتصور أشياء ويختلق أفعالا ويسرب غيبيات تحت اسم المقدس وباسمه نصدقه ونقول إن هذا حب إيمانه؟ وما علاقة الإيمان الأساسى بالمسيحية الكتابية الإنجيلية بوجهات النظر هذه؟ وكيف تبدو الإساءة للدين وللإيمان الصحيح تحت مسمى أن هذا حب إيمان الشخص فهل الخرافات والغيبيات إيمان؟ فهل يصح تحت هذا المسمى يتم تسويق ما يسمى بمعجزات الرملة . وهى رملة يتم وضعها كلما نفدت حول قبر أحد القسس الذين اعتبروه قديساً . فتم تسويق بدعة أن كل من يشرب من ماء هذه الرمال التى يأخذونها من حول قبر القس تشفى المرضى وتشفى كل أنواع المرض. فهل وصل بنا الوضع ولهذه الدرجة من التسيب والفوضى باسم الإيمان الشخصى أن يصيب البشر بالأمراض عن طريق تناول هذه الرمال؟ أليس هذه جريمة يجب معاقبة مرتكبيها حيث إنها تصيب الأنسان بالأمراض خاصة الفشل الكلوى؟ وكل هذا يحدث لمجرد تسويق المكان للزائرين مسطحى الوعى حتى يزوروا المكان لنوال البركة ووضع ما تيسر من أموال تحت بند النذور والتبرعات ويستفيد المكان وأصحابه وتصبح العملية من باب المتاجرة بالدين وبالمعجزات . والغريب أن الأسقف صاحب هذا المكان الذى يشفى المرضى بالرمال يذهب سنوياً إلى أوربا للعلاج وللمتابعة الطبية عند أكبر أطباء العالم ولا نعلم لماذا لا يعالج بهذه الرمال ؟ والأغرب أن أحد الأساقفة المستنيرين اعترض أمام البابا شنودة على هذه الممارسات أكثر من مرة حيث إنها تسئ للكنيسة وللإيمان وللعلم الذى لا يجب أن يتناقض مع هذا الدين وذاك الإيمان. ولكن البابا الراحل تجاهل هذا التحذير وكأنه موافق على هذه الممارسات. وليس هذا فقط بل نرى كل يوم من يروج لهذه المعجزات والتى كثرت وتعددت باسم أن صور القديسين ينزل منها زيت وينتشر الخبر وتتدفق الجموع على الصورة وعلى الزيت للتبرك وللعلاج، وكم شاهدنا وبنفسى عمليات نصب واحتيال لمثل هذه الادعاءات التى لا يجب أن تكون . كما أن هذا الفكر الغيبى لا يقتصر على أصحاب دين واحد ولكنه آفة مصرية بفعل بقاء الأسطورة فى العقل الجمعى المصرى ولذا شاهدنا كم انبهر محافظ المنيا بتلك البيضة التى رسم عليها لفظ الجلالة . وهذا يعنى أن هناك بالفعل فكراً دينيا متخلفاً لازال يؤتى ثماره السلبية على مجمل الحياة المصرية مع العلم أن تلك الممارسات وهذه الخزعبلات لا علاقة لها بدين ولا صلة لها بإيمان صحيح بل هى تقلل من ثقتنا فى أنفسنا وتسقط منا إعمال العقل وشحذ الفكر بل تنشر الخرافة بالرغم من أن هذه الممارسات هى نتاج آراء واجتهادات شخصية لا علاقة لها بأى قداسة . ولكن الخطر أن هذه الأفكار يتم خلطها بصحيح العقيدة فتصبح وكأنها جزء منها . كما أن تكريس هذه الأفكار وتسويق تلك الممارسات يخلق شخصية خرافية رافضة للعلم قابلة للنقل مستهينة بالعقل.. فأى تقدم نسعى بعد ذلك وأى أمل فى المستقبل . فهل بعد ذلك نقول لا يوجد فكر دينى مسيحى يحتاج إلى تجديد؟