«الوهم»

09/03/2016 - 9:55:28

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

كتب - أحمد سعدة

فى «نص الليل».. تتهيأ القلوب للشكوى والبوح بما فيها، وترسل أوجاعها إلى السماء، بعد أن يئست من رحمة أهل الأرض.. «المصور» تحاول أن تشارك قراءها هذه الآلام وتلك الاعترافات وتقدم لها الحلول


***


أشعر بنسمات من الراحة وأنا أكتب رسالتي إليك .. وأخشى أن تتجاهلها، أو تعتبرها نوعا من التفاهة، حينما تعلم أنني أحببت فتاة وكرهتها دون أن أراها .. وأخشى أن تتوه رسالتي في زحمة صندوق رسائلك.


لكني أكتب، وسأكتب .. طالما جرحي لا يزال مفتوحا.


أنا شاب في الثلاثين من عمري، وهي شابة من نفس عمري .. متزوجة ومعها طفلتان.


بدأت القصة بالصدفة بإعجابات من فتاة على كل ما أكتبه على الفيسبوك، وتعليقات واهتمام، ثم رسائل على الخاص تشكو فيها من زوجها وعذابها أمام خيانته لها.


وتعاطفت معها بكل مشاعري .. ومنحتها كل اهتمامي دفعة واحدة .. وكنت أكتب إليها وكأنني أتكلم .. وأقرأ كلماتها وكأنني أسمعها.


وسقطت دون أن أدري في بئر حبها .. أحببتها يا سيدي، ولم أكن أعرف أني أحببت جلادي..


نعم جلادي الذي استعذبت عذابه .. لقد أحببتها حد الاستسلام، وصارت شعاع الضوء الأول الذي تستقبله عيناي كل صباح ..


أنا إنسان رومانسي للغاية .. ومؤمن بأن الحب لا شروط له، ولا يرتبط بلقاءات ومواعيد .. لأني ببساطة أحببتها دون أن أراها، وأحببت طفلتيها، وأحببت كل ما يتعلق بها .. وصار حديثي معها هو اللحن الشجي الذي أعيش من أجله..


لقد اكتفيت بحبها، وعشت على أمل أن تنفصل عن زوجها .. كي أتزوجها، وأحيا الباقي من عمري بين أحضانها .. وأخلصت تماما لها، إخلاص رجل نبيل لامراة واحدة.


وتواصلت مع والدتها، التي أدركت مدى اهتمامي بابنتها .. وتأكدت من مدى إخلاصي لها، وعدم استغلالي لظروفها .. وأنني أرغب جديا في الارتباط بها بعد طلاقها.


وظل الاهتمام متبادلا بيننا، إلى أن تغيرت فجأة معي .. ولم أكن أعرف السبب، إلى أن اكتشفت بمحض الصدفة أنها تغازل شابا آخر أيضا على الفيسبوك .. وقلت ربما أنه أمر عادي، وراقبتها من بعيد..


لكن اهتمامها به وصل حد الاندفاع واللهفة عليه وعلى صوره وكل ما يكتبه وكل ما يعلق عليه .. وأصبحت تخبره علنا في تعليقاتها أنها وحيدة ومعذبة، وأنها في انتظار حبيب لو وجدته فستقدم له روحها..


وكلمات إشادة فيه وغزل وإعجاب، وأنه الفارس الأول الذي ليس قبله ولا بعده .. إنها تستميت في لفت انتباهه إليها .. ولم أستطع التحمل، وواجهتها .. وليتني ما واجهتها .. لأنني اكتشفت مدى تناقضها وكذبها.


فمرة تقول إنها لا تقصد شيئا من اهتمامها به، ومرة تقول إنها فعلت هذا لتختبر حبي لها، وكل يوم قصة جديدة، وتبريرات جديدة لأفعالها المراهقة.


وحذفته من قائمة أصدقائها بعد تدخل وضغط من والدتها .. وبعد أيام إضافته سرا من جديد رغم أن طلبات الإضافة عنده مغلقة .. وتأكدت بطريقة غير مباشرة أنها على تواصل واتصال مستمر معه، وأنها اتفقت معه على زيارته في محل عمله، بحجة استشارته في تخصصه.


ولم أتحمل هذا الخداع والكذب، وتلك الإهانات في حق قلبي، بعد أن تأكدت من خيانتها لمشاعري دون سبب واحد أو خطأ مني في حقها.


وتملكتني ثورة عارمة، وحذفتها من كل حياتي بعد أن أرسلت لها رسالة وجهت لها ألفاظا حادة من شدة غضبي وإحساسي بالجرح وخيبة الأمل.


والآن صرت حاقدا تماما عليها .. ونادما على أني أحببت امرأة بهذه الشخصية التافهة .. امرأة لا تملك أي موهبة ولا تجيد أي شيء في الحياة، سوى التسكع والتسلية على مواقع التواصل.


واعتبرت تجربتي معها خسارة قدرية لا حيلة لي فيها .. وأصبحت الخسائر الإضافية تلاحقني من أرق، وإهمال في العمل، وفقدت ثقتي في نفسي وفي الحب .. وأعيش الآن على أمل نسيانها، والنجاة من نيران حبي لها.


***


الــــــرد


إنها نيران كرامتك المجروحة .. وليست نيران الحب كما تتصور يا صديقي الرومانسي.


لأنها باعترافك مجرد تافهة لا تملك أي ميزة أو موهبة، سوى التسلية على الانترنت ليل نهار .. واكتشافك أنها معجبة بغيرك ومهتمة به، هو الذي أشعل النيران في قلبك.


وليست الصدفة هي التي جعلتها تراسلك وتهتم بك .. وليست صدفة أيضا في أن تهتم بغيرك.


لقد أفرطت في توقعاتك، وبنيت قصرا من الأحلام على أساس من الأوهام في عالم افتراضي .. ولذلك شعرت بالصدمة عند أول انكسار .. إن المشكلة بينك وبين نفسك، وليست بينك وبينها .. ولو كل بنت عملت لك «إعجاب» هتحبها تبقى مصيبة .. هتحب مين ولا مين.


والغريب أنك صدقت كل قصصها عن زوجها وحياتها .. وفي الغالب تلك هي القصة التي تقولها لك ولغيرك لتبرر كل أفعالها وتضفي شرعية على ما تفعله .. وتكتسب التعاطف والاهتمام والحب.


والأغرب أنك تضع ثقتك بنفسك في مستوى واحد مع عبث الفتيات على مواقع التواصل .. ولو كنت ناويا أن تكمل بهذه الطريقة، وتبكي كلما خذلتك فتاة على الفيسبوك، فلن تتبقى لك أي ثقة..


فوق شوية من اللي أنت فيه .. ثقتك ستتحمل إيه ولا إيه بس.


والإنسان يفقد عقله حينما يحب .. وفي ضباب الحب، تعمى أبصاره وبصيرته .. وتستحيل أمامه الرؤية .. ويصير الكذب عليه، صدقا رائعا .. وتصير العيوب في عينيه مميزات .. وتصير الشياطين ملائكة..


و «يصير القرد في عين أمه غزال».


وهذه الفتاة رغم أنك لم تذكر ميزة واحدة فيها، صارت حبيبتك وأعطيتها نفسك وحبك دفعة واحدة .. ولم تدرك منذ البداية أنك بالنسبة لها لست سوى أداة للتسلية، وسترميك حينما يظهر غيرك.


وحتى رسالتك الحادة والقاسية، ليست سوى لوعة وحسرة عليها.


إن الحقد الآن يتملكك .. وهذا دليل على أنانيتك وذاتيتك وحرصك على ألا تخسر شيئا، تماما مثلها .. فهي تريد أن تحتفظ بك وبغيرك، وفوق البيعة زوجها المسكين بطل قصتها الدرامية، والذي يسدد لها فواتير الهاتف والإنترنت.


إن حبك سرعان ما تحول إلى كراهية تحرق في أعصابك، وتخلق بداخلك التوتر والعذاب ..


والعلاج الوحيد لك، هو طي هذه الصفحة بمزيد من التسامح .. وطيبة القلب .. ومحاولة نسيانها.


وأنت ستقابل في حياتك أشخاصا تشعر معهم بمجدك وقوتك، يحفظون لك كرامتك .. يحبونك ويحترمونك ويهتمون بك .. وهؤلاء تمسك جيدا بهم.


وهناك أشخاص كتلك الفتاة، سيتفننون في بعثرة كرامتك .. تهتم بهم فيهملونك، ويهتمون بغيرك.. تحترمهم، فيهينونك ويحترمون غيرك .. وهؤلاء لابد أن تطردهم من حياتك .. وترميهم في أقرب سلة زبالة.


وحاول في المرة القادمة أن تكون عاقلا في حبك، بدلا من أن تندفع .. وسيبك شوية من موضوع رومانسيتك .. لأن رومانسيتك هي سبب خيبتك.


ومهما تعبت في هذه الحياة دون أن تجد حبا حقيقيا، فلا تقلق .. لأن هنالك شخصا ما في هذا العالم ينتظرك .. يفوق توقعاتك، ويختلف عن كل العبث الذي قابلته في حياتك..