من « هى فوضى » لـ « حوارى بوخارست » .. أمين الشرطة على الشاشة

07/03/2016 - 10:18:08

حوارى بوخارست حوارى بوخارست

كتب - خالد فــؤاد

فى عام 1967 قرر شعراوى جمعة أقوى وأشهر وزير داخلية عرفته مصر فى عصر الزعيم الراحل جمال عبدالناصر إنشاء معهد أمناء الشرطة بغرض تخريج رجال شرطة على قدر عال من التعليم ، فكان من أسس الالتحاق ضرورة أن يكون المتقدم حاصلاً على شهادة الثانوية العامة أو ما يعادلها .


وتقدم المئات من الشباب المصريين وتم قبول عدد كبير منهم ممن اجتازوا الاختبارات وخضعوا للدراسة لمدة عامين درسوا خلالها المواد الشرطية وبعد تخريج أول دفعة منهم بدأ الشارع المصرى يشاهدهم بهيئتهم الجديدة والمختلفة وراحوا يتعاملون مع المواطنين بشكل راقى يختلف الى حد بعيد عما اعتدناه من تعاملات المخبرين والعساكر ممن تركوا أثراً سيئاً لدى المواطنين خاصة ان غالبية هؤلاء لم يحصلوا على اى قدر من التعليم أوالثقافة .


وبمرور الوقت ابدى المصريون تحفظهم عليه بالنسبة لامناء الشرطة هو ان غالبيتهم يتعاملون بعنجهية وغرور يفوق أسلوب تعامل ضباط الشرطة .


أمين شرطة اسم الله


وكان اول من أبدى انزعاجه لتعاملاتهم وطريقتهم التي يغلب عليها الغرور كما يقول كاتبنا الكبير مكرم محمد أحمد هو شاعرنا العبقرى صلاح جاهين فقام بدق ناقوس الخطر بانتقادهم ولفت الانظار نحو تسلطهم ، ولكن ليس بشكل مباشر لكن عبر مقطع بألاغنية المرحة (ياواد ياتقيل) التى غنتها سندريللا السينما المصرية سعاد حسني فى فيلم (خلى بالك من زوزو) مع حسين فهمى ، ورغم نجاح الاغنية بشكل كبير والتقاط الشارع المصرى لها وفهم مغزاها ، وترديدها هنا وهناك (مايكنش أمين شرطة اسم الله) الا ان المسئولين وكبار رجال الداخلية لم يأخذوا النقد على محمل الجد وقتها أو ربما لم يلتفتوا للمغزى الذى قصده صلاح جاهين بين سطور كلمات الاغنية.


وقيل ضمن ماقيل إن القائمين على الدولة فى هذا الوقت التفتوا بعد فترة للانتقادات التى بدأ الشارع المصرى يوجهها للامناء وطريقة تعاملاتهم وبدلا من محاولة تهذيبهم وإصلاحهم قبل فوات الآوان راحوا يجملون صورتهم فى عيون المواطنين عن طريق بعض الاعمال الكوميدية والخفيفة التى لم يلتفت لها أحد أو يقتنع بما جاء فيها.


شياطين الى الأبد


بينما قام كتاب ومنتجون اخرون بتسليط الضوء عليهم بدون إيعاز من الدولة فتعاملوا معها من منطلق أنها أعمال كوميدية خفيفة لا أكثر ولا أقل كما حدث في فيلم (شياطين إلى الأبد) سيناريو وحوار بهجت قمر، وبطولة عادل إمام، وصفاء أبوالسعود، ومحمد رضا، وفاروق يوسف، وإخراج محمود فريد، وتدور أحداثه حول طالبين شابين، كمال، وفخرانى، يريدان الزواج من فتاتى أحلامهما، فريال، وفاتن، ابنتى الشاويش مغاورى، رجل الشرطة الذى يعمل فى المطافئ، ورفض زواج ابنتيه منهما، بحجة أن تاريخ العائلة العسكرى، لا يسمح له بأن يزوج ابنتيه من شابين فاشلين من وجهة نظره، مما يضطر كمال وفخرانى إلى الالتحاق بمعهد أمناء الشرطة، ليوافق الشاويش مغاورى على زواجهما من ابنتيه.


ورغم هذه الاعمال التى تم تقديمها سواء بشكل موجه أو غير هذا ظلت الصورة النمطية لأمين الشرطة فى أذهان المصريين سلبية فى الأغلب، وزاد من أزمة الثقة فى نظام أمناء الشرطة غياب الوفاق بين الأمناء والضباط، وكثرة التحرش بين الفئتين، وانغلاق كل فئة على نفسها وراء حواجز يصعب عبورها تفصل بين الضباط وصف الضباط، لعدم وجود نظام واضح للترقى يسمح لأمين الشرطة أن يصبح ضابطا إذا استوفى شروط التدريب والتعليم التى تؤهله للمنصب ومن هنا استفحل خطرهم وأصبحوا كما يقال يشكلون دولة داخل الدولة .


ولم يأت هذا المسمى من فراغ بينما جاء بعد بضعة عقود من الزمن، حيث بات واضحا أن نظام أمناء الشرطة أصبح يشكل فى أحيان كثيرة عبئا على الأمن، أكثر من كونه عونا على تطبيق حكم القانون، وتحقيق انضباط الشارع المصري، مما أساء الى صورة الشرطة، لعدم انضباط أداء أمناء الشرطة، وتكتلهم الفئوي، وسهولة لجوئهم إلى الإضراب، وكثرة مشكلاتهم فى الشارع المصري، واحتكاكهم المستمر بالناس.


هى فوضى


وهكذا ظلت الداخلية تغض الطرف عن تجبرهم وكراهية الشارع لهم ، وهو ما التقطه مخرجنا الكبير الراحل يوسف شاهين فقدمهم بكل سلبياتهم من خلال آخر افلامه (هى فوضى) إنتاج عام 2007 حيث سلط الاضواء وبشكل مباشر على جبروت السلطة وبلوغها أقصى درجات القهر والطغيان، وذلك من خلال شخصية أمين الشرطة حاتم "خالد صالح" الذى جسد ببراعة وبشكل واقعى شخصية أمين شرطة يتحكم في مجريات الأمور، يُعذب، ويقتل، ويفرض إتاوات، فكان حقًا مثالاً حىاً للشخص السادي، والذي يستمتع بتعذيب المواطنين. ويستغل منصبه أسوأ استغلال لتحقيق مصالحه الشخصية، مدعومًا بصمت وتواطؤ الضباط الذين يشغلهم إحكام القبضة القوية على الشارع المصرى وأصبحنا جميعا نردد ماقاله فناننا الراحل خالد صالح (اللى مالوش خير فى حاتم .. مالوش خير فى مصر) وراح الناس يتبادلون على سبيل السخرية عبارة (الزمن ده زمن حاتم ) لتصبح الجملة الأشهر لما يحدث في الواقع، والمثال السيئ لأمناء الشرطة.


الحارة


وبعد عامين فقط من فيلم (هى فوضى) تم دق ناقوس الخطر مرة ثانية ولكن هذه المرة عبر الدراما التليفزيونية من خلال مسلسل (الحارة) حيث جسد باسم سمرة شخصية أمين شرطة سيئ ومعدوم الآخلاق يصل به الامر لقتل أحد المسجلين خطر ويتقرب بعدها من ابنته نيللي كريم ليتزوجها عرفياً ثم يتركها دون أدنى مسئولية، ومن ثم تضاعفت كراهيتنا له وللامناء بوجه عام أكثر واكثر .


واحد صفر


ورغم أن فيلم (واحد صفر) الذى عرض بعد عرض المسلسل مباشرة لم يكن معنيا بما يفعله الامناء بشكل مباشر الا ان الكاتبة مريم نعوم والمخرجة كاملة أبو ذكرى قامتا بتسليط الاضواء ايضا على انعدام الاخلاق لدى الكثيرين منهم من خلال مشهد وحيد حمل الكثير من المعانى وذلك حينما تعرضت نيللي كريم اثناء سيرها للمعاكسة من مجموعة امناء شرطة، حيث قال احدهم : هاتلفي وتجيلنا لان الامناء همّ اللي باقيين للشعب!!


ومن ثم وكما تمت الاشارة بوضوح فى المشهد بدلا من ان يكونوا حماة لنساء وبنات مصر أصبحوا يتحرشون بهن مستخدمين سطوتهم وتجبرهم .


والغريب حقا أن الدولة أو الداخلية لم يلتفتوا ايضا لناقوس الخطر الذى قام يوسف شاهين بدقه وظلوا يتعاملون مع الامر وكأن شيئاً لم يكن ، ومن هنا رحل "حاتم"، وبقى المئات من "حاتم" يعبثون حتى طفح الكيل فكانوا أحد الاسباب الرئيسة فى اشتعال ثورة 25 يناير والتى قامت أول ماقامت ضد بطش الداخلية فخرج الشعب عليهم يوم عيدهم.


حوارى بوخارست


وبعد أن توقعنا انه بقيام ثورة 25 يناير وإدراكهم تماما انهم هم المعينون وظلوا أكثر من عامين فى معزل عن الشعب ، حتى عادوا من جديد بناء على مطالب الناس بالتأكيد على انهم تغيروا تماما واستوعبوا الدرس القاسى ، فوجئنا بالعكس تماما ليس بسبب سلسلة الاحداث الاخيرة التى دفعتنا لهذا الموضوع فحسب بل لأنه منذ 30 يونيه 2013 لم يلمس الشارع المصرى اى تغير فيهم ، ومن ثم لم تكن الدراما غائبة فقدم لنا المخرج الموهوب محمد بكير الممثل أحمد فتحي، آخر من ظهر في شخصية أمين شرطة يُدعي "نبيل" بمسلسل حواري بوخارست فى رمضان الماضي بطولة أمير كرارة، وكان مثالاً لرجل الشرطة الفاسد والانتهازي الذي يستغل سلطته في ابتزاز المواطنين، و يتعاون مع تجار المخدرات من أجل الحصول علي المال بطرق غير شرعية.