مهرجان الكويت الدولى للمسرح الأكاديمى مشاغبة الواقع والهزيمة بالضربة القاضية

07/03/2016 - 10:00:38

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

رسالة الكويت : د. حسن عطية

يسعى المسرح ، كأحد أفضل الفنون الحوارية مواجهة مع الجمهور ، لنقل ما يدور بالأعماق من حوارات صاخبة وأفكار متمردة وعواطف مشبوبة إلى فضائه العلني ، كى يتحاور بدوره مع جمهوره القادم كى يبحث عمن يعبر عما هو مخبوء بأعماقه ، ويقترب من أحلامه فى التقدم ، فيستمتع بجماليات فن المسرح ، ويفرح بقدرة هذا المسرح على قول ما يريد وما لا يستطيع قوله ، وهو ما تكشف عنه وظيفة المسرح وسط المجتمع : أن يعبر عن هموم مجتمعه وشوقه للحياة الأفضل والأنقى ، وأن يصوغ هذا التعبير فى بناء فنى راق وجميل وممتع .


وفى مجال رصد ما يعبر عنه المسرح العربي خلال السنوات الخمس الأخيرة ، وما أشرنا إليه فى مقالاتنا السابقة عن عروض منفردة أو مشاركة فى مهرجانات وطنية وعربية ، نقف اليوم عند مهرجان الكويت الدولى للمسرح الأكاديمي ، والذى ينظمه المعهد العالي للفنون المسرحية بدولة الكويت ، وجرت فعاليات دورته السادسة بفضاء مسرح "حمد الرجيب" بمقر المعهد ، وذلك فيما بين الرابع عشر والعشرين من فبرايرالماضى ، وأجبرته يد التقشف وترشيد الإنفاق التى تمر بالبلاد على إلغاء ندوته الفكرية ، التى كانت واحدة من أميز فعالياته حيث تجتمع نخبة من معلمي المسرح فى الوطن العربي لتتناقش حول مستجدات التدريس والتكوين لطلاب المعاهد الأكاديمية وأقسام المسرح الجامعية ، للوقوف بهم على أعتاب الاحتراف المؤسس على التأهيل العلمى الصحيح لفنان المسرح .


كما أجبره التقشف ، الذى يبدو أنه يسود الوطن العربي بأكمله حاليا ، فيقلل من حضوره الفاعل عند البعض ، ويطيح به كاملا عند البعض الآخر من دوله ، بل وكاد يعطل الدورة الحالية للمهرجان الكويتي ، أجبره على تقليل عدد العروض المشاركة فى المهرجان ، فضلا عن وصول فرقة كلية السلام للفنون الأدائية بالجزائر لتقدم عرض (مجرد نفايات) بدلا من العرض الذى أرسل للمهرجان من قبل ، وهو (حب فى زمن الحرب) ، ورشحته اللجنة العليا للمهرجان للمسابقة الرسمية ، دون إبداء أية مبررات لهذا التغيير الفجائي ، مما دفع باللجنة العليا مع لجنة التحكيم للموافقة على أن يقدم الشباب عرضهم البديل جماهيريا ، دون مشاركته فى المسابقة الرسمية ، فبقي أمام لجنة التحكيم التى ترأسها كاتب هذه السطور مع الأردني د. "عمر نقرش" رئيس قسم المسرح بالجامعة الأردنية ، واللبنانى د. محمد الحاج الأمين العام لجمعية كليات الفنون باتحاد الجامعات العربية ، والكويتيين بالمعهد العالي للفنون المسرحية د. "محمد المهنا" الأستاذ المساعد بقسم النقد والأدب المسرحي ود. "أحمد الخلف" أستاذ التمثيل والإخراج بقسم التمثيل ، لم يبق أمامها فى التسابق الرسمي غير أربعة عروض من إيطاليا ومصر والكويت .


ومع ذلك نجح شباب المعهد العالى للفنون المسرحية بقيادة عميده د. فهد الهاجرى ، وعميده المساعد د. راجح المطيرى ، وبدعم غير محدود لوزير التربية ووزير التعليم العالى د. "بدر العيسى" ووكيل وزارة التعليم العالى د. حامد العارمي ، نجحوا في تخطى العديد من العقبات وإقامة هذه الدورة بإدراك أنه من الضرورى أن يتلاقى عشاق المسرح ، وأن يتحاوروا بعقل ناضج وإيمان بأن الموهبة لابد وأن تدعمها الدراسة الجادة والإطلاع المستمر على جهود الآخرين فى حقل المسرح ، وتقدير معلميه ورموزه ، حيث تم اختيار الفنانة الشهيرة "حياة الفهد" لتكون شخصية المهرجان ، فى تقليد جديد ، فضلا عن تكريم خمسة من أساتذة المعهد ، وهم : د."سكينة مراد" ، د."بدر الدلح" ، د."إبراهيم دشتي" ، "هاني النصار" والمصرى د. "إيمن الخشاب" ، تقديرا لجهودهم فى صياغة هذه البوتقة الأكاديمية لضخ المواهب الدارسة للحياة الفنية فى الكويت والوطن العربي .


وإذا ما أخرجنا من رصدنا هنا لرؤى شباب المسرح العربي لواقعه الملتهب ، العرض الإيطالي الذى قدمته فرقة أكاديمية المسرح بروما ، والمعنون (حديقة دائرة الأحلام) والطارح لحق الإنسان فى اختيار وجوده منذ تخلقه كنطفة بأحشاء أمه ، وعلاقته الحياتية مع آبائه ، عبر جمل حوارية مطلقة ، مصاغة فى صيغة (البرفورمانس) ، التى تقدم بصورة عامة احتفالية استعراضية مسرحية ، ويترجم هذا المصطلح فى المشرق العربي بفن الأداء التمثيلي الجماعى عامة ، لاعتماده على فنون الأداء المرئية المختلفة من حركة الممثل الاستعراضية غالبا والمؤثرات الضوئية والصوتية المثيرة للعين والأذن والمخاطبة للمشاعر الفوارة فى حفل جماعي ، ويترجم في المغرب العربي بفن الفرجة ، باعتباره قائما على تداخل فنون الفرجة التشكيلية والمسرحية المختلفة لتوليف عرض فرجوى مثير للوجدان ، والبرفورمانس بالتالى يختلف عن فن الدراما المسرحية ، الذى يدرس بالمعاهد الأكاديمية فى الأساس ، ويقوم على صيغة جمالية تخاطب الوجدان والعقل معا ، وتثير المشاعر كى تنقل للعقل رسالة مثيرة لقدرته على التفكير فى حياته الراهنة والمستقبلية ، وتحكمه قواعد أساسية لا يمكن الفكاك منها مهما تعددت أساليب ومدارس تقديمه .


إذا ما نحينا العرض الإيطالي ، الذى أخرجته لجنة التحكيم بدورها من المنافسات الفردية ، لكونه تأليفا وتمثيلا جماعيا ، بإشراف عميد الأكاديمية "فابيو أومودي" ، مانحة إياه جائزة (أفضل عرض جماعي) لتميزه فى صياغة حالة مسرحية مبهرة ، سنجد أمامنا ثلاثة عروض هى العرض المصرى (ما أجملنا) تأليف "محفوظ عبد الرحمن" وإخراج وبطولة الطالبة بالمعهد العالى للفنون المسرحية المصرى "مارتينا عادل" ، والتى حصلت على جائزة أفضل ممثلة دور أول ، كما حصل العرض على جائزة الموسيقى "محمود عز الدين"، وعرضا الدولة المضيفة (الماثولى) والذى حصل على جوائز أفضل ممثل دور أول "مشعل الفرحان" ، أفضل ممثلة دور ثان "أريج العطار" ، أفضل ديكور "محمد الشطى" ، جائزتى أفضل إضاءة وماكياج "استقلال مال الله" ، وأفضل إضاءة "على الفضلي" ، و(المغسلة) الذى حصل على جائزة أفضل مخرج للطالب "عبد الله المسلم" ، أفضل ممثل دور ثان "فهد الخياط" ، وتم حجب جائزة أفضل نص ، والمخصصة أساسا ، كبقية الجوائز ، للطلاب المتنافسين ، وذلك لاعتماد النص المصرى على نص للكاتب الكبير "محفوظ عبد الرحمن" ، والعرضين الكويتيين على إعداد لمخرجيهما لنصين لكاتبين غير معروفين ، دون أية محاولة للتوجه للكشف عن مواهب الطلاب فى الكتابة الدرامية ، فى قسم الدراما والنقد بالمعاهد الأكاديمية ، مما يعطل ملكاتهم ، ويعطل قسما كاملا عن تحقيق أهدافه فى صقل موهبة التأليف إلى جانب النقد ، مما حول قسم الدراما والنقد إلى قسم تابع لقسم التمثيل والإخراج ، يتخرج طلابه للعمل فى حقل الإخراج وتمثيل الأدوار الثانوية أو توظيفهم فى وظائف وهمية بلا عمل تسمى (باحث مسرحي) .


المسرح العربي فى أشد الحاجة للكاتب الواعي المتمكن من أدواته ، والمتصدى لهموم واقعه بفن راق جاد يعرف طريقه لوجدان وعقل مجتمعه ، صحيح أن العروض المسرحية فى هذا المهرجان ، وغيره من مهرجانات عربية أخرى ، قد لامست قضايا المجتمع الساخنة ، إلا أن طرحها لهذه القضايا بصورة كلية ، يهتم فى طرحها مخرجي العروض بالصور المرئية أكثر من البناء الدرامي المتكامل ، فتطير الكلمات فى الهواء دون شخصيات متماسكة تحملها لجمهورها ، وترتدي ثوب التراث (ما أجملنا) أو أردية التجريد (الماثولي والمغسلة) ، مما يجعلها تقول ولا تقول فى نفس الوقت ، وكأن ثمة رقابة داخلية على المبدع ، تدفعه للحديث عن سطوة السلطة دون تحديد لماهية هذه السلطة التى يهاجمها ، ودون تحديد لآليات تسلطها ، ودون أيضا تحديد للمجتمع الذى تمارس فيه هذه السلطة قسوتها على شعبها ، ففى مسرحية (الماثولى) عالم يبدو غرائبيا تقتحم فيه الثعالب بقيادة الشيطان سكانه ، تمارس عليهم سطوتها ، ونظرا لخلافاتهم فيما بينهم ، يلجأون لغريب يدافع عنهم ، ليكتشفوا أنه أكثر شراسة من الثعالب ، فيصرخون (أه وطن) ، وهو ما يصعب عملية التلقى ، ويجعل التفسير عاما ويمكن إحالته لأى مجتمع وفى أى زمن ، دون إجابات واضحة عن سبب هجوم هذه الثعالب أو الذئاب على هذا الوطن بالذات ، وعن سر تطاحنهم الداخلي ، وعن هذا الشيطان المحرك للفتن ، وعن هذا الغريب المعتمد عليه فى تخليص هذا الوطن ، والذى لم يكن أفضل من الثعالب الضارية .


يتكرر التعرض العام التجريدى للأفكار العامة فى عرض (المغسلة) حيث نواجه بمغسلة تغسل الأدمغة إلى جانب غسل الأردية ، يتمرد فيها عمال المغسلة فى البدء ضد الظلم ، ثم سرعان ما يعملون على غسل أدمغة القادمين إليها تحت سطوة صاحبها ، وهم يقبلون بسلبية شديدة هذا الغسل لأدمغتهم ، فيما عدا السيد "جاسم جاسم" ، الذى يجبر على دخول المغسلة بالقوة ، لكنه يخرج ليدفع عمال المغسلة معه للثورة على هذا الفعل المعطل لقدراتهم ، وهذه المغسلة التى تدمر وجودهم المتمرد على السلطة فى المجتمع ، أيضا دون إجابات واضحة عن ماهية هذه السلطة ، وعن دلالة هذه المغسلة ، وعن هذا المجتمع الذى يقبل ببساطة غسيل المخ الدائم له ، بل وعن مفهوم الثورة ذاته المتحدث عنه طوال المسرحية .


تعيدنا مسرحية (ما أجملنا) من عالم التجريد المنفلت من الزمن الراهن إلى الواقع العربي فى زمن غير محدد ، عبر عالم ألف ليلة وليلة الذى يحيلنا دوما لزمن الخلافة العباسية ، حيث نلتقي بوال لإحدى المدن العربية وزوجته الأميرة ووزيره ووصيفة الأميرة ، ومعهم بالطبع جابى الوالى وكاتم سره ، يجسدون الصورة التقليدية لطبيعة الحكم العربى وركائزه الأساسية : والى وزوجته يحكمان بلادا شاسعة ، خرج على حكمهما بعض من الرعية ، بقيادة فتى يسمى "بدر البشير" ، يتوجه إليهما عراف قادم من وسط الجمهور ليكشف لهم أسرار الغيب ، ويكشف لنا حقيقة هذه الأسرة القاتلة فى صمت حريرى لمن تراه خارجا عن قوانينها ، فمثلما هم اليوم يستعدون لقتل المتمرد "بدر البشير" ، قتلوا منذ سبعة عشر عاما متمردا آخر ، كان وزيرا محبوبا من الشعب اسمه "أنوف" ، بعد أن سجن بمقشرة الوالى المظلمة ، ومات مسموما برغبة الجميع فى الخلاص منه ، وكما تتداعى قطع الدومينو تتكشف الدوافع التى دفعت الجميع لاغتيال الرجل الغائب عن المسرح ، رغم حضوره الطاغى داخله ، فالأميرة كانت تعشقه ورفضها ، والوزير كان يطمع فى موقعه الذى احتله بموته ، والوالي كان يريد الخلاص منه لمعرفته بأنه ابن الوالى الأب الذى تزوج فى البداية سرا من جاريته ، وأخفى أمر زواجه وإنجابه ، وهكذا تنجلى حقيقة دوافع الوالى لقتل "أنوف" ، الذى سندرك أن المتمرد الحالى "بدر البشير" هو ابن الوزير المغتال "أنوف" ، كما سندرك أكثر أن هذه الأسرة الحاكمة مصرة على الاستمرار فى غيها ، سواء أكان ما شاهدناه حقيقة أم كابوسا اجتاحها ذات ليلة .


أن تتدثر بالحكايات التراثية أو تختبئ خلف أستار التجريد ، فأنت فى النهاية تبتعد عن ملامسة واقعك ومشاغبة قضاياك ، وأن تغلف طرحك للقضايا الكلية بغلالة متشائمة تحبط مشاهدك ولا تجعله بقادر على مواجهة مشاكله بحلم الخلاص منها ، فيتركك جمهورك العام للنخبة المهرجانية المتحلقة حولك ، ويخرج باحثا عمن يزيف وعيه ويعطل تفكيره فى نكات عابرة واستكشات ارتجالية ، كما حدث بعد ثلاثة أيام فقط من مهرجان الكويت الأكاديمي فى الكويت ، حيث تم استقبال وللعام التالى على التوالى فريق "أشرف عبد الباقى" الهزلي والساخر من رموز ومنجزات المجتمع ليقدم استكشاته لمدة ستة أيام ، جهُز له مسرح خاص بأرض المعارض ليتسع لألفين وخمسمائة متفرج يوميا ، وتصارع كل شرائح المجتمع للحصول على إحدى تذاكر مشاهدة عرضه ، المنتصر بالضربة القاضية على عروض مسرحية لشباب موهوب دارس جاد لكنه لا يعرف الطريق الصحيح والمفعم بالأمل لجمهوره وزمنه .