غياب الأستاذ.. أسطورة الصحافة المصرية

07/03/2016 - 9:53:09

محمد حسنين هيكل محمد حسنين هيكل

كتب - هشام الصواف

لاشك إن غياب الأستاذ محمد حسنين هيكل خسارة كبيرة لمصر والأمة العربية التي ظل يدافع عن قضاياها العادلة بأمانة وصدق طوال مشواره المهني الذي تجاوز السبعين عاما حيث كان شاهدا علي العصر صحفيا وكاتبا مؤرخا فهو العقل المفكر الذي استشرف الأحداث والمتغيرات بتحليل دقيق واستناجات صائبة وهو الكاتب والمؤرخ الخصب المعطاء الذي خلف من المؤلفات والبرامج التليفزيونية ما تزدهر به المكتبات العربية والعالمية وتستنير به الأجيال علي مر العصور وهو بحق أسطورة «صاحبة الجلالة» وسيظل دائما حاضرا أمام الجميع طلعة وطلة وصوتا هادرا لا ينسي.


في كتابه بين الصحافة والسياسة حكي الأستاذ هيكل بدايته في الصحافة التي بدأت ومصر كلها في حالة فوران... وكانت حالة الفوران ترتفع أحيانا إلي درجة الغليان...ثم يهدأ البخار وتعود الفقاقيع إلي الظهور علي سطح الحياة فتنبئ بأن أشياء تجري عند القاع وتتفاعل أفكار وتيارات وقوي ومصالح تحتك ببعضها وتصطدم أحيانا...وتحدث من أثر ذلك ظهرت شحنات تتراوح حركتها وطاقتها وتتفاوت بمقدار ما تتأثر بما يجري علي السطح من أفعال وردود أفعال.... تلك كانت فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة.. كانت تلك الحرب قد ربطت مصر نهائيا بالعالم الخارجي بقواه وأفكاره وتشاء الأقدار أن تعود مصر لنفس الحالة تقريبا الآن ومنذ سنوات وكأن التاريخ يعيد نفسه وفي حوارات الأستاذ التليفزيونية والصحفية قبل وبعد ثورتي 25 يناير و30 يونيه شرح هام لأسباب الثورتين وما يجب أن نفعله من أجل إعادة بناء مصر وعودتها إلي محيطها العربي والإفريقي لنفس المكانة الهامة بين العالم وبخاصة حواراته مع الإعلامية لميس الحديدي والتي ذكرها في وصيته وكذلك الكاتب الصحفي ياسر رزق وآخرين من الزملاء الذين يقع علي عاتقهم مسئولية كبيرة في مواصلة كفاح الاستاذ ومبادئه.


وكان الأستاذ هيكل قد بدأ مشواره الصحفي في 8 فبراير 1942 بجريدة الايجيبشان جازيت أقدم صحيفة تصدر بالانجليزية في الشرق الأوسط وكانت بمثابة مدرسة له وتتلمذ علي يد رئيس تحريرها هارولد إيرل وتأثر بالصحفي سكوت واطسون وفيليب حنين ومحمود عزمي والكاتب الكبير محمد التابعي وتولي الأستاذ هيكل رئاسة تحرير مجلة آخر ساعة المعبرة عن حزب الوفد بعدما اشتراها مصطفي وعلي أمين وانطلق بها انطلاقة كبيرة أهلته لرئاسة تحرير الأهرام عام 1957 وهي صحيفة محافظة تعاني الركود والأزمة المالية وكان توزيعها لا يزيد علي 60 ألف نسخة وحولها الأستاذ خلال سنوات قليلة إلي واحدة من أهم عشر صحف في العالم وأقواها مصداقية وتأثيرا في الرأي العام المصري والعربي بل وفي الشرق الأوسط كله وتجاوز بتوزيعها المليون نسخة في تجربة غير مسبوقة علي مدي 17 عاما تولي فيها قيادة الأهرام رئيسا للتحرير وجمع بين رئاسة تحريرها ورئاسة مجلس الإدارة بعد قانون تنظيم الصحافة عام 1961 وأنشأ مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية وجمع كل الكتاب والأ دباء والمفكرين بالأهرام من كافة التيارات السياسية ومنهم توفيق الحكيم ونجيب محفوظ ولويس عوض وغيرهم واصدر مجلة الأهرام الاقتصادي ومجلة السياسة الدولية والتي رأس تحريرها د. بطرس غالي وأعطي الفرصة لشباب الأهرام ليكونوا نجوما لامعة في سماء الصحافة وفي مقدمتهم مكرم محمد أحمد وصلاح منتصر وسلامة أحمد سلامة وإبراهيم نافع وأحمد بهجت وصلاح جاهين وغيرهم.


ترك الأستاذ علامة مهمة في تاريخ الصحافة المصرية في مقاله الأسبوعي «بصراحة» الذي يعتبر أشهر ما خطه قلم رئيس تحرير في عمر الصحف المصرية حيث لم يكن مجرد تعبير عن رأي كاتبه بقدر ما أصبح مصدرا رئيسيا لمعرفة توجهات أمة ومشروعها الوطني في مرحلة دقيقة من تاريخها وصنع نهضة الأهرام الحديثة وودع صحافة الأسلوب التي تعلمها من أستاذه محمد التابعي وصحافة الخبر المشوق المثير التي نجح فيها مصطفي وعلي أمين وأسس صحافة الحقيقة والمصداقية وما وراء الخبر ونقل الأهرام من صحيفة العائلة إلي أن أصبحت قاطرة المؤسسات الصحفية التي تدار بأحدث تكنولوجيا العصر.


قضي الأستاذ أكثر من نصف عمره الصحفي خارج المناصب لكنه حافظ علي توهجه وألمعيته الصحفية ولم يمنح المعارك السياسية فرصة أن تعرقل مشواره الناجح في السياسة والصحافة والتاريخ وقدم للمكتبة العربية والعالمية ذخيرة غير مسبوقة من المؤلفات الهامة والكتابات الرصينة المدعومة بالوثائق بروح الصحفي المجتهد الماهر وصاحب الصلات الواسعة بدوائر القرار سواء خلال تجربته بالقرب من الزعيم الخالد جمال عبدالناصر وعلي امتداد خريطة العالم وفي دوائر العواصم المؤثرة في صناعة القرار الدولي.


تحدث الأستاذ هيكل كثيرا عن الموت فقال: طور جديد للحياة يختفي فيه الجسد وتظل الروح بأعمالها حاضرة فهذه الحياة بدأت قبلنا وهي مستمرة بعدنا من أزل إلي أبد وقد نصاب بالشجن والحنين حين يغيب عنا عزيز علينا متحسبين أنها النهاية لكن ذلك إسراف في التشاؤم لأن الغياب مختلف عن النهاية ولذا فقد اختار اسما مختلفا فكتب علي القبر الذي دفن فيه بمصر الجديدة «دار العودة» ليعلمنا في حياته وبعد رحيله أعظم القيم وأنبل الصفات.


وتحت مراسم انصراف الأستاذ طبقا لوصيته أن يدفن في نفس اليوم دون أي مظاهر احتفالية في جنازة شعبية من مسجد سيدنا الحسين إلي مدافن أسرة هيكل بمصر الجديدة .. رحم الله الأستاذ هيكل وأدخله فسيح جناته.. لقد ترك لنا علماً ينتفع به بالإضافة إلي أحلام شامخة وأفكار خالدة.