محفوظ عبدالرحمن: مرتزقه الفن يبادرون بالفن الردئ

27/08/2014 - 2:36:42

صوره أرشيفيه صوره أرشيفيه

بقلم : أمينة الشريف

الكاتب الكبير محفوظ عبدالرحمن يرجع بنا إلي الوراء قليلاً، يتذكر ويحكي لنا عن ظروف كتابته مسلسل «بوابة الحلواني» الذي انتجه قطاع الإنتاج في التليفزيون المصري في ثلاثة أجزاء - والذي يعتبر أول عمل درامي كبير ومتكامل يتناول فترة حكم الخديو إسماعيل وما قام به للنهوض بمصر لتكون في نفس مقام وقيمة الدول الأوربية آنذاك، وكان من أهم انجازاته حفر قناة السويس واستثمار الفنون لتحقيق أهدافه فقام ببناء دار الأوبرا المصرية التي احترقت عام 1971.


سألته عن أسباب اهتمامه بتسليط الأضواء علي سنوات حكم الخديو إسماعيل، وهي فترة تاريخية لم تقترب منها الدراما من قبل بشكل متعمق كما فعل في بوابة الحلواني.


يقول محفوظ عبدالرحمن: توجد فترات تاريخية هائلة يراد بها دائماً ألا تظهر إلي النور ولا يقترب منها الناس وأن تظل دائماً خلف الأستار مثل بعد المراحل المملوكية ومنها أيضاً فترة حكم الخديو إسماعيل لمصر.. وعندما قررت كتابة عمل درامي عن هذه الفترة وأسميته «بوابة الحلواني، صادفت عقبات كثيرة وتعطل الإنتاج أربع سنوات لأنهم في قطاع الإنتاج لم يتخيلوا أن يتم تقديم عمل درامي عن الخديو إسماعيل وكانوا يعتقدون انه فقط عن قناة السويس..


والحقيقة فترة حكم الخديو إسماعيل لمصر من الفترات التاريخية التي يجب أن نتوقف عندها ولا يمكن اغفالها أبداً.. لأنني حاولت في هذا العمل التطرق إلي مناقشة بعض الأمور والقضايا التي ظهرت من جديد لتطرح نفسها للنقاش.


وكانت أيضاً موجودة في ذاك العصر.. منها قضايا فكرية ودينية وفتاوي دينية غريبة مثل التي يطرحها أصحابها الآن في حياتنا المعاصرة.


ويضيف، لكن بالأساس كنت متهماً أيضاً بمناقشة فكرة حفر قناة السويس.. وكيف حفرت وطوال سنوات حفرها مات من المصريين أكثر من 120 ألف مصري وكان عدد المصريين آنذاك 4 ملايين مصري.. وربما مات أكثر من هذا الرقم.. كل هؤلاء شهداء.. فمن يستطيع أن يتذكر كل هؤلاء إلا من خلال الأعمال الدرامية والفنية لتعرف الأجيال كيف ظهرت هذه القناة إلي الوجود.. ومع كل هذا المصريون لم يستفيدوا منها.. بل كان الاستعمار هو الفائز بهذه القناة بعد حفرها..


لذلك عارض البعض في البداية التصدي لفكرة كتابة موضوع درامي عن قناة السويس اعتقاداً منهم أنه أمر صعب للغاية.. لكن هذه الصعوبة التي حذرت الاقتراب منه.. جعلتني أغوص في أعماق الموضوع وأبحث فيه بعناية وأقرأ الكثير من الكتب والمراجع والمذكرات والوثائق..


وأعتقد أن بوابة الحلواني هو العمل الدرامي المتكامل الذي تطرق إلي فكرة حفر قناة السويس سبقه مسرحية كوميدية تسخر من الخديو إسماعيل وفيلم عن الخديو إسماعيل هو «ألمظ وعبده الحامولي» ولا أحد تناوله في الأدب.


ويري عبدالرحمن انه لم يستكمل رؤيته الدرامية في تناول فترة حكم إسماعيل، فيقول مع الأسف كانت هناك فترة زمنية قصيرة وهي السنوات الست الأخيرة في حكم الخديو إسماعيل لم أتناولها درامياً رغم أنني بدأت السرد الدرامي في العمل فيما قبل حكم الخديو إسماعيل.. في هذه السنوات شهدت أحداثاً دراماتيكية في حياة إسماعيل ومن أهمها تخلصه من صديقه واليد اليمني له إسماعيل المفتش كنوع من مغازلة الغرب حينما بدأ الضغط عليه.


والحقيقة أن التليفزيون لم يكن يريد إنتاج أعمال أخري من نفس النوعية خاصة بعدما تولي قطاع الإنتاج رئيس جديد يريد أن يقدم أعمالاً ذات مضامين مختلفة وبحزن شديد يتساءل الكاتب محفوظ عبدالرحمن عن سبب عدم عرض التليفزيون لمسلسل «بوابة الحلواني» الذي ظهر في ثلاثة أجزاء الأول عام 1992 عرض في 24 حلقة والثاني عام 1994 عرض في 30 حلقة والثالث عام 2001 عرض في 30 حلقة وإخراج إبراهيم الصحن وشارك في بطولته شيرين وجدي وأسامة عباس ومحمد وفيق وعلي الحجار وغيرهم، ويقول لماذا لم يعد التليفزيون عرض هذا العمل خاصة وانه عرض لحياة الخديو إسماعيل بشكل محترم وموضوعي وحتي الآن مازلنا نتذكره.. حتي أن الدكتور جابر عصفور وزير الثقافة تكلم بفخر شديد منذ سنوات قليلة عن هذا العمل.. وأنا لن أطلب هذا من التليفزيون وعليه أن يبحث في أرشيفه وذاكرته عن هذا العمل.. ويضيف، الطريف أن إحدي القنوات المصرية الخاصة احتفت احتفاء خاصاً بهذا العمل منذ أسبوعين وقامت بدعوة من شارك في هذا العمل وكنت واحداً منهم وتم تكريمنا بمنح الدروع وكثير من الأصدقاء والمشاهدين اتصلوا وقالوا لي إن أولادهم طلبوا منهم كتباً ومراجع للقراءة عن هذه الفترة وبعضهم سعي إلي الإنترنت ليجد ضالته.


وكثير طلبوا مني أن أتكلم عن هذه الفترة لإلمامي الشديد بها باعتباري محباً وعاشقاً للتاريخ ويبدي محفوظ دهشته مرة أخري عندما يقول:


بعض الناس عندما تذهب لشراء العمل من محلات بيع السي دي لا يجدون هذا المسلسل معروضاً للبيع ولا أعرف السبب؟.


وماذا عن ردود أفعال المشاهدين عند عرض المسلسل سألته فقال: كثيرين أبدي تحفظاً مبدئياً قبل عرض المسلسل اعتقاداً منهم أن الخديو إسماعيل كان يعمل ضد مصر وكان مسرفاً.. لكن المسلسل أظهر حقيقة ما قام به إسماعيل من أجل بناء مصر الحديثة... وبمرور الوقت تغير موقف الناس من العمل وأصبحوا يحبونه ويعشقونه..


ماذا كان يريد إسماعيل لتكون مصر قطعة من أوربا؟ من خلال دراما بوابة الحلواني؟


قال محفوظ عبدالرحمن: الخديو إسماعيل عندما فكر أن يبني مصر قام ببناء المصانع وتقوية الاقتصاد وقال أنا لست أول من استدان سبقني عباس الأول وهذا لا يضير لأنه من الممكن أن ترد هذه الديون.. لكن في الواقع البنوك الأوروبية «نصبت» علي إسماعيل في القروض التي أخذها منها.. إسماعيل أيضاً كان يريد بناء مصر في كافة المجالات والنواحي وأول من فكر في استثمار الفنون لتحقيق أهدافه فقام ببناء الأوبرا المصرية وقام ببناء القاهرة الخديوية التي تمتد من ميدان العتبة وباب الحديد إلي ميدان التحرير «كان اسمه ميدان الإسماعيلية».


وكذلك حي المنيرة كل هذه المناطق تم تخطيطها مثل باريس.. كذلك المباني الخديوية في منطقة وسط البلد.


المسلسل أيضاً تطرق إلي جهود إسماعيل أن تكون مصر دولة عظمي.. متذكراً ما حدث مع جده محمد علي عندما وقف 116اسطولاً بحرياً في مواجهة الأسطول المصري بمفرده!! وتعلم الدرس تماماً عندما حاول أن يقيم امبراطورية في إفريقيا تصدي له الاستعمار الفرنسي لكن كان دولة عظمي بدون عنف وحروب!!


«محفوظ» مجدداً يعتبر الخديو إسماعيل واحداً من ثلاثة حاولوا بناء مصر الحديثة دائماً وسبقه جده محمد علي باشا.. ثم الزعيم جمال عبدالناصر.. مؤكداً جميعهم وقف الاستعمار ضد أحلامهم وطموحاتهم والثلاثة كان يميزهم العقلية الاستراتيجية في البناء والتعمير والنهوض بمصر.


عن قناة السويس الجديدة، أكد محفوظ عبدالرحمن انه مشروع عظيم..


ويضيف: أنا لست متخصصاً في المشاريع .. لكن في الواقع القناة الجديدة هي توسعة للقناة القديمة وهذا الأمر حدث علي عدة مرات عندما يكون هناك تزايد الطلب علي القناة... وهذه التوسعة الكبري مقصود بها أن تسير المراكب في الاتجاهين دون توقف إحداهما انتظاراً لمرور الأخري.. مع خلق مجتمع حول القناة.. كل هذا المشروع يمكن أن يتحول إلي صرح اقتصادي رائع خاصة في تقديم المساعدات اللوجستية.. وأعتقد أن الحياة هناك ستكون متعة وفسحة.. فليس كل المراكب التي ستمر هناك ستكون فقط حاويات اقتصادية.. لكن أيضاً ستمر مراكب للفسحة في القناة.. وهذه الخطوة بالتحديد تأخرت 30 عاماً.. لأن هذا المشروع لم يصادف حماساً من الأنظمة السابقة.. وفي كل مرة تصادف فتح ملف التطوير نفاجأ بأنياب تكشر لنا رافضة فكرة التطوير.. نحن نريد الآن مشروعاً يساهم فيه الناس نحن لا نريد أحداً بعد الآن يسرقنا ويسرقوا قوت أولادنا ويسرق أحلامنا ومستقبلنا.. وأعتقد أن الناس الآن في حالة استنفار واستفزاز لمن يريد أن يتربص بمستقبل هذا البلد.


وكيف يساند الفن والإعلام والأدب المشروع الجديد سألته وقال مؤكداً.. كل هؤلاء سيكونون مع المشروع عندما يصدقونه بجد.. لأنه حتي الآن عيونهم تري وآذانهم تسمع.. ولكن عندما يكون المشروع جزءاً من وجدان الناس سيقدمون له الفن اللائق والمساندة والدعم له..


ولكن بين هذا وذاك سيأتي كل المرتزقة يقدمون فناً رديئاً يساهم هذا في إفساد الموقف كله.. والمبدعون الحقيقيون لن يقدموا شيئاً حقيقياً إلا إذا أحسوا به وشعروا انه مشروعهم. وأذكر أن الروائيين عندما صدقوا مشروع بناء السد العالي وحليم غني عن السد.


قدموا أعمالاً هائلة مثل يوسف شاهين وغيره ومازالت أغاني السد موجودة حتي الآن لأنها عاشت سنوات وستعيش أخري غيرها.


باختصار المشروع الآن دخل مزاج الناس. ومطلوب أيضاً أن يستقر في قلوبها ووجدانها ومزاجها.