ما الذى أغضب الرئيس السيسى ومنع ابتسامته وغيَّب بشاشته؟!

02/03/2016 - 1:56:42

الرئيس السيسى الرئيس السيسى

كتب - يوسف القعيد

مساء الأربعاء الماضى اتصل بى أكثر من صديق وصديقة يلفتون نظرى لضرورة الاستماع لخطبة الرئيس السيسى عندما تُعرض فى التليفزيون. لأن فيها الجديد هذه المرة. أو محاولة مشاهدتها كاملة على اليوتيوب. ولأن أميتى فى هذه النواحى أصبحت مسألة مُعلنة ولا أخجل من كتابتها، فقد صرفت النظر عن ذلك. وقلت لنفسى لأقرأ الخطاب كاملاً فى صحف الغد.


لكن الفضائيات كانت تعرض ليلاً مقاطع من الخطاب. رأيتها واستمعت إليها. وأعترف أن الأمر كان مثيراً للتساؤلات عندى ، دافعاً لقلق غير عادى. والأسباب كثيرة. فهذا الخطاب الذى استغرق ساعتين يُعد أطول خطاب يلقيه الرئيس السيسى منذ أن أصبح حاكماً لمصر. وعلى مدى فترة حكمه. فإن خطبه تتراوح ما بين الساعة وإن طالت أكثر مما ينبغى فلا تجاوز الساعة والنصف أبداً.


علاوة على طول وقت الخطاب. فقد كان الرئيس غاضباً. وهو غضب يعد الأول من نوعه. ولم يسبقه غضب، وأتمنى ألا يلحقه أى غضب آخر مهما كانت الأسباب. وقد استمعت للسيسى كثيراً من قبل. سواء عندما يتكلم كلاماً لا يُعرض ولا يذاع على الجماهير. أو عندما تعرض خُطبه فى وسائل الإعلام.


كان أهم ما يميزه ابتسامته وبشاشته وسماحته وقدرته على امتصاص كل ما يُعرض له من أمور مقلقة ودفنها بداخله والحرص على عدم التعبير عنها علانية. لدرجة أننى سألت نفسى فى إحدى المرات وأوشكت أن أسأله: متى يغضب السيسى؟ وإن غضب، كيف يغضب السيسى؟ وكنت أحمد نفسى فى كل مرة. فغضب الرؤساء عواقبه قد تكون وخيمة.


الغضب حالة إنسانية، تعنى أن الإنسان استسلم لحالة نفسية معينة تحول دون التفكير السهل البسيط. وقد تمنع الإنسان من رؤية الأمور بدقة ووضعها فى سياق طبيعى. الغضب هو اللحظة التى قد يتخذ فيها الإنسان قرارات دون تفكير مسبق. وقد يصل إلى نتائج واستخلاصات ربما لم يصل إليها لو أنه قاوم فكرة الغضب.


عندما يغضب الرئيس فى مصر لا يبقى لنا سوى التساؤل: ما الذى أغضبه؟ ماذا رأى من أركان المشهد وتفاصيل الصورة وخفايا حياتنا وأسرار وجودنا ولم يستطع أن يعلنه وحاول أن يتجاهله؟ ولكن ما عرفه فرض نفسه عليه فلم يستطع مقاومة أن يصارح الناس به.


إن كان من حق الرئيس أن يغضب فهو بشر قبل أى اعتبار آخر. فمن حقى أن أسأل نفسى ما الذى أغضبه؟ ولأن لكل سؤال إجابة. فمهمتى أن أتوصل لإجابة تقوم على الحدث والتخمين وطرح الأمر والتفكير فيه وربط المسببات بالنتائج مع إحساس لا يتركنا أبداً بأن كلا منا مطلع على خفايا الأمور مهما كان بعيداً عنها.


أتصور أن الرئيس غاضب من حكومته. رغم أنه قال أنه يقضى معها أوقاتاً طويلة. والحكومة تحاول أن تؤدى. لكن وكما سمعت فى قريتى تعبيراً لفلاح بسيط. استمعت إليه ومضيت. لكنه رن فى أذنى عندما قال لى قائل: أن مشكلة مصر أن الرئيس السيسى يستقل طائرة ولكن حكومته تمشى بسرعة السلحفاة. وإن شئت أن أكون دقيقاً فى الكتابة أقول تمشى ببطء السلحفاة.


وموقف الرئيس من حكومته ثمة تداخلات كثيرة فيه. فهو لا يجلس على مقعد كن فيكون. ولا بد من حلمه قبل غضبه. ومشكلة الجالس على مقعد الرئيس أن ما يعرفه أكثر مما ينبغى. وما يصل إليه ربما كان فيه ما يصيب الإنسان بالفزع أكثر مما يحدث له حالة من الفرح والسعادة.


لا أحب التعميم فى أى أحكام أطلقها. ولا يمكن أن يكون مقبولاً القول بأن الحكومة كلها جيدة وممتازة أو أن الحكومة جميعها أقل بكثير من المتوقع منها. فالحكومة عبارة عن رئيس للوزراء ووزراء. أى أننا أمام حالات فردية فى العمل. وكل فرد يختلف عن الآخر. حتى الأفراد التوائم يبدو كل توأم فيها شديد الاختلاف عن التوأم الآخر.


هل مشكلتنا أن دستورنا الراهن نص صراحة على أن رئيس الوزراء رئيس لمجلس الوزراء؟ ولا يتصور أحد أننى أتلاعب باللغة. ولا أحاول إيهام الناس بهيمنة الكلمات. لكن رئيس مجلس الوزراء تختلف تماماً عن رئيس الوزراء. فرئيس مجلس الوزراء قد يكون فقط رئيساً لاجتماع مجلس الوزراء الذى يعقد فى الأربعاء من كل أسبوع. أما بعد هذا الاجتماع وقبل الاجتماع التالى قد تهتز العلاقة بين رئيس الوزراء وبعض الوزراء.


هل أزعج الرئيس سلوك رجال الأعمال؟ وفى رمضان الماضى حضرت الإفطار الذى أقامه صندوق تحيا مصر وحضره الرئيس عبد الفتاح السيسى. وسمعته يعاتب رجال الأعمال على عدم مساهمتهم سواء فى الصندوق أو فى الحياة العامة. ولم يكن هناك رد فعل من أحدهم رداً على هذا العتاب. ولم نسمع مبادرة من هذا الرجل أو ذاك فى مواجهة ما قاله الرئيس.


فى خطابه الذى بدا فيه منزعجاً عندما تحدث عن ميزانية الصندوق. وحدد ما دفعته القوات المسلحة وما قدمه رجال الأعمال تبدو الأرقام مختلة. وإن شئنا أن نتحدث بشكل دقيق فإن القوات المسلحة لا يجب أن نثقل كاهلها بأن تساهم فى صندوق تحيا مصر. فلديها مهام كبرى فى الدفاع عن الوطن وحماية الدولة المصرية وصون وحدة وسلامة أراضيها. ويكفى ما تقوم به من جهود فى الواقع المدنى تتفوق على أى جهة أخرى فى مصر الآن بما فى ذلك الحكومة.


هل أغضبه استمرار معركتنا مع الإرهاب لفترة طالت وأخشى أن تطول أكثر من هذا؟ وأن المواجهة ما زالت بالسلاح فقط. وفى إطار المعارك. فى حين أن المواجهة المجتمعية تبدو غائبة. فهل أغضبه أن دعوته المستمرة والمتواصلة والتى يكررها دون كللٍ أو ملل لتجديد الخطاب الدينى لا تجد استجابة من الجهات المعنية.


أختلف مع الشعار الذى رفعه الرئيس بتجديد الخطاب الدينى. فنحن فى أمس الحاجة لخطاب دينى جديد. بمعنى ألا نأخذ الخطاب الحالى المطروح علينا ونقوم له بعمليات ترقيع وإضافات وحذف. وصولاً إلى خطاب آخر. مصر الآن فى أمس الحاجة لخطاب دينى جديد تماماً. لا يقيم قطيعة مع الماضى. لكنه يحاول الإحاطة بالحاضر والقدرة على الحلم بالمستقبل. مركزاً على علاقة الإنسان بربه دون وصاية وبعيداً عن نواب الله الذين يعطون أنفسهم الحق فى أن يقولوا للإنسان افعل كذا ولا تقترب من هذا.


حديثه عن العشوائيات يدمى قلب أى مصرى. فأن يكون لدينا ٥٠٪ من مساحة الوطن تحتلها العشوائيات فتلك محنة. نحن نتكلم عن العشوائيات باعتبارها مبانى عشوائية وأماكن لا تصل إليها الخدمات. وشوارع ليست مستقيمة وواسعة. لكننا ننسى أخطر ما فى العشوائيات هى المصرى العشوائى. الذى ولد ونما وترعرع وأدرك الكون بطريقة عشوائية. وأصبحت العشوائية هى نمط حياته وطريقته فى التفكير وموقفه من العالم.


خطورة العشوائيات ليست فى تدنى مستوى الحياة. ولا كونهم بشرا يعيشون خارج إطار الدنيا. وليست فى الثنائية التى نوشك أن نصل إليها عندما نقول إن فى مصر الآن غنى يفوق أى تصور وفقرا يهدد مستقبل أى وطن. البشر العشوائيون مشكلة كبرى يجب أن نتكاتف لمواجهتها قبل أن يذكرنا الرئيس بها بعد أن أصبحت قضية أكبر من أى تصور.


هل أغضب الرئيس اختلال منظومة القيم التى تميزت بها مصر صاحبة الفضل الأول والأخير فى أن تهدى البشرية للضمير الإنسانى؟ بعد ثورتين أصبحت كلمة الثورة تستخدم كدليل على الخروج على القيم واغتيال العادات ورفض كل ما ميز مجتمعنا من الاستقرار والتماسك وهو ما كنا نباهى به الدنيا ونقول إنه غير موجود إلا عندنا.


أخشى أن يكون الأمر أخطر من هذا. وكنت أتمنى أن يصارحنا الرئيس بما رآه أو تناهى إليه أو عرفه. قد يكون السبب فى عدم إعلانه خشيته من هبوط الروح المعنوية. لكن المعرفة هى أول الطريق إلى إدراك حجم الوضع والتفكير فى طريقة للوصول إلى حلول له.


ثم إننى أتمنى من صديقى الدكتور عماد عبد اللطيف، الباحث الوحيد فى مصر والوطن العربى. المتخصص فى دراسات الخطابة السياسية. وله أكثر من كتاب فى هذا. سواء كان عماد عبد اللطيف هنا فى مصر أو معاراً فى دولة عربية. فقد قابلته آخر مرة مصادفة فى مطار القاهرة الدولى. أتمنى منه أن يقوم بعمل دراسة ميدانية حول خطابات الرئيس السيسى منذ أن كان مرشحاً للرئاسة وحتى الآن.


وإن وافق عماد عبد اللطيف. وأعتقد أنه سيوافق. فهو من محبى مصر أكثر منا جميعاً إن وافق على القيام بهذه الدراسة. وأخضع خطابات الرئيس السيسى للباحث المدقق على أساس علمى. فأحلم أيضاً ألا ينشرها إلا هنا فى مجلة المصور حتى ولو نشرت على حلقات. فنحن فى حاجة لأن ندرك الخطابات التى ألقاها الرئيس السيسى. ماذا فيها؟ ما ينقصها؟ ثم لنعرف مساحات قراءة النص. والارتجال عند الخروج على النص فى هذه الخطابات.