أزمة التواصل بين الرئيس والنخبة السياسية

02/03/2016 - 1:54:30

الرئيس السيسى فى إحدى لقاءاته مع المثقفين .. وفى الصورة يوسف القعيد ووحيد حامد الرئيس السيسى فى إحدى لقاءاته مع المثقفين .. وفى الصورة يوسف القعيد ووحيد حامد

د. صفوت حاتم - باحث وكاتب سياسى

١- فى الشهور الأولى من عام ١٩٦١ كتب الأستاذ محمد حسنين هيكل.. رحمه الله.. مجموعة مقالات تناول فيها موقف المثقفين المصريين من النظام السياسى للرئيس الراحل «جمال عبد الناصر».. ونجح «هيكل» فى أن يفرض على جدول أعمال النخبة السياسية ما سمى.. آنذاك.. «بأزمة المثقفين «.


كانت مقالات «الأستاذ هيكل».. وما صاحبها من جدل ونقاش تعبيرا عن أزمة مكتومة بين نظام الحكم وبين المثقفين.


ورغم الإنجازات الكبيرة، التى كان يحققها النظام اجتماعيا وتنمويا إلا أن النقاش كان يعكس حالة الشد والجذب بين النظام والنخبة السياسية.


وجاءت الهزيمة العسكرية عام ١٩٦٧.. لتضيف تعقيدا جديدا للعلاقة بين الطرفين.


صحيح أن عبد الناصر هو من قاد حملة النقد الذاتى لأخطائه الشخصية وأخطاء مؤسستى الجيش والمخابرات.


وصحيح أيضا أنه هو من اتبع هذا النقد الشفاهى بإجراءات عملية بدأت بمحاكمات القادة العسكريين المسئولين عن الهزيمة.. تبعه بنقد صريح لمراكز القوى.. وإعلانه عن سقوط دولة المخابرات، لكن ظلت ظاهرة ما سمى «بأزمة المثقفين» تعبر عن نفسها بطرق مختلفة.


الخلاصة: إن عبد الناصر نجح عبر إنجازاته وصراحته أن تظل أزمة المثقفين هامشية وغير مؤثرة فى السياق العام لتطور نظامه السياسى.


حتى بعد الهزيمة القاسية عام ١٩٦٧.. بدا أن عبد الناصر قد سقط نهائيا من شاهق.. لكن لحسن الحظ.. تلقفته الجماهير واحتضنته وأعادته واقفا على رجليه.. صلبا وقويا لمواجهة الهزيمة الصعبة.


ورغم الهزيمة إلا التحاما وطنيا شاملا، حدث بين النظام من جهة، والجماهير والمثقفين الوطنيين التقدميين من جهة أخرى.


٢ - وجاءت حقبة الرئيس السادات.. لينفجر الصراع بين «الرئيس» والنخبة المثقفة.. كان يحلو للرئيس السادات أن يصف المثقفين «بالأفندية» و»الأرازل».. وهى أوصاف كانت تعبر عن نظرته للمثقفين ودورهم الهامشى.. بله الطفيلى.. فى تطور نظامه السياسى..


وظلت العلاقة مضطربة بين الرئيس وغالبية المثقفين.. قبل حرب أكتوبر وبعدها.. ربما بسبب سياساته المتضاربة والمتناقضة اجتماعيا ووطنيا ودوليا والتى كانت تشكل صدمات مؤلمة للوعى الجماعى المصرى والعربى.


وانتهى الأمر بوضع السادات لكل رموز النخبة السياسية فى السجون.. من اليمين إلى اليسار.. ومن الأقباط والمسلمين !!!


٣ - بدأ الرئيس مبارك صفحته السياسية باستقبال أفراد النخبة السياسية والمثقفة فى القصر الرئاسى بعد خروجهم من السجون، التى وضعهم فيها سلفه السادات.


وعم نوع من التفاؤل لدى المثقفين فى الرئيس الجديد.. الذى جاء رافعا لشعارات: «الطهارة».. و»الكفن الذى ليس له جيوب».


واستطاع الرئيس الجديد «حسنى مبارك» أن يحوز على فترة «سماح» للتخلص من سلبيات سلفه وأهمها: الفساد.. الديون.. العلاقة الملتبسة مع أمريكا.. الفساد ودور رجال الأعمال فى النظام السياسى.


وتمتع «مبارك» فى بداية عهده بتأييد شعبى ووطنى واسع تمحور حول هدف مواجهة الإرهاب الذى ضرب البلاد وأودى بحياة سلفه فى حادث المنصة الشهير.


ومع قدوم التسعينيات نجح «مبارك» فى احتواء كثير من المثقفين من خلال الرشاوى والمناصب المميزة فى مؤسساته الثقافية والصحفية والسياسية.


وتحول أغلب المثقفين إلى «موظفين أيديولوجيين» يخدمون النظام بالأجرة !!


ولكن لم تمنع هذه «الرشاوى» من ظهور هزات أرضية متصاعدة فى أوساط المثقفين وشيوع حالة من الاستياء العام داخل النخبة السياسية بسبب تفشى حالة من الفساد المؤسسى العام.. وركود النظام وبلادة الرئاسة فى الاستجابة لمطالب التطوير والتحديث، التى تصاعدت من كل حدب وصوب.


 


ومع صعود أدوار «الوريث» فى نظام الحكم.. وهيمنة فريقه المعاون والمدعوم بأسلحة الفساد الشامل.. كان الانشقاق بين النخبة السياسية الوطنية والنظام السياسى قد أصبح كاملا ونهائيا.


حتى جاء زلزال يناير ٢٠١١ ليطيح بكل أوهام مبارك ونخبته الفاسدة، التى كانت تتعامل مع مايحدث فى البلاد بكثير من الغرور والتعالى والخفة تلخصه الجملة، التى أطلقها رئيس الدولة من على منصة البرلمان فى آواخر أيامه: «خلوهم يتسلوا « !!!


كانت الجملة تعبر.. فى واقع الأمر.. عن نظرة رئيس الدولة للنخبة السياسية باعتبارها استطالات طفيلية لا فائدة منها.. ولا يصدر عنها سوى الصراخ الطفولى.


٤- بدأ الرئيس عبد الفتاح السيسى عهده بتأييد شعبى واسع.. والتقى خلال فترة ترشحه للانتخابات الرئاسية بكل فئات المجتمع تقريبا.


والتقى عدة مرات بالمثقفين والأدباء والفنانين وأفراد النخبة السياسية.


استمع الرئيس للجميع بصبر واحترام مشهود له بهما.


وكان أكثر ما يميزه.. تلك القدرة على الاستماع والتحليل واحترام كل وجهات النظر التى يدلى بها أفراد النخبة السياسية، حتى لو بدت متعارضة أو يحكمها الشطط.


وتعلقت آمال النخبة السياسية بشخص الرئيس عبد الفتاح السيسى فى أن يشق طريق مصر نحو دولة المؤسسات وسيادة القانون، وانن يقوم بانتهاز الفرصة التاريخية التى توفرت له.. بشكل فريد وغير مسبوق.


ورغم كل الإنجازات.. غير المنكورة.. التى سردها الرئيس بالأرقام فى خطابه الأخير إلا أنه صرح بوجود مشكلة فى التواصل بين مؤسسة الرئاسة والنخبة.. وبين هذه الأخيرة والحكومة.


هذا التصريح من الرئيس نفسه، يجعلنا نقول بمنتهى الصراحة: نعم هناك أزمة تواصل بين الرئاسة وجزء لا يستهان به من النخبة السياسية.


هناك فعلا أزمة حوار حقيقى بين عقل الرئيس وعقل النخبة المثقفة.


صحيح أن الرئيس يدعو بعض أفراد النخبة السياسية لحضور لقاءاته الجماهيرية العامة، لكن هذا لا يعنى بالقطع أنها مناسبات مثالية للحوار بين فكر الرئيس وفكر النخبة.. فهذه اللقاءات تقتصر على بعض عبارات المجاملة هنا أو بعض الملاحظات العابرة هناك .


من المستحيل.. وبحكم التجربة.. أن يجلس الرئيس مع كل أفراد النخبة وأن يسمع منهم ويستمعوا له.


ولكن من المحتم أن يجد الرئيس آلية مؤسساتية للتعرف على آراء النخبة السياسية والمثقفة.


لقد كانت آخر وصايا الأستاذ محمد حسنين هيكل هى إعادة هيكلة مؤسسة الرئاسة بشكل عصرى لتقترب مما هو موجود فى أمريكا وفرنسا وألمانيا.. وغيرها من الدول المتقدمة.


ويضاعف من خطورة وأهمية هذه المهمة، أن الرئيس لا ينتمى لحزب سياسى يحمل توجهاته، ويشرحها للجمهور والنخب.


والرئيس عازف فى هذه المرحلة عن الاعتماد على حزب سياسى معين.


وهو أمر يمكن تفهمه فى ظل الظروف، التى تعرضت لها مصر خلال السنوات الخمس الأخيرة.


أظن أنه آن الأوان لإعادة هيكلة مؤسسة الرئاسة ومكاتبها المتخصصة فى كل مناحى العمل السياسى والاقتصادى والأمنى والإعلامى والثقافى، يقتضى وجود وزير لشئون رئاسة الجمهورية لتنسيق عمل تلك المكاتب وتسهيل تواصلها مع الشخصيات والمؤسسات، التى يرغب الرئيس فى التواصل معها.


ومن واقع التجربة الشخصية، أستطيع أن أقول إن هناك شخصيات عامة ترسل للرئيس بمقترحاتها وملاحظاتها حول كثير من قضايا العمل الوطنى.. ولكنها لا تتلقى ردا، يطمئنها، على الأقل، بوصول هذه المقترحات إلى مكتب الرئيس أو تتلقى كلمة شكر بسيطة مع وعد بالمتابعة.. ولو حتى من قبيل المجاملة الرسمية!!


ولعل ذلك هو ماباعد بين شريحة من النخبة.. ليست هينة.. وبين الرئيس عبد الفتاح السيسى.


فالحوار المباشر شبه مقطوع.. والملاحظات والاقتراحات، التى يقدمها أفراد النخبة السياسية لاتجد طريقها إلى عقل الرئيس وأجندة العمل الوطنى العام.


 


كل ذلك وغيره.. يفسر لنا بعض حالات الشك والتربص التى تسود واقعنا السياسى وتسمم أجواءه.


وبالمقابل هناك حاجة الى إعادة صياغة حركة وطنية جديدة وحديثة متجاوزة حالات العداء والشك والتربص والغوغائية التى تظهر بشكل يومى فى حياتنا، والتى تستغلها قوى شريرة مهمتها الاصطياد فى الماء العمر وتسميم الأجواء.


الخلاصة: ان الرئاسة مطالبة الآن.. واكثر من أى وقت مضى.. بإعادة ترتيب أوضاعها ومكاتبها بشكل عصرى وجديد.


والقوى الوطنية مطالبة.. بالمقابل.. بإعادة النظر فى أوضاعها وشخصياتها وبرامجها بهدف صياغة حركة وطنية جديدة.


حركة وطنية قادرة على تعديل ميزان القوى الاجتماعية، الذى يميل بوضوح.. حتى الآن.. لصالح قوى الفساد والاستغلال ودولة المحاسيب والفاسدين.