الارتجال: نعم – الارتجال: لا

02/03/2016 - 1:48:31

مبارك مبارك

حمدى الكنيسى

من الطبيعى أن يركن الرؤساء والزعماء إلى الارتجال أحيانا فى خطبهم التى تستهدف توعية الجماهير بالأمور والأحداث، وحشدهم لقضايا ومواقف، وغالباً ما يقتصر المحترفون منهم على فترات محدودة يرتجلون فيها ما يرونه مناسباً للارتجال والهدف منه، ثم يعودون إلى اللغة الفصحى حيث تكون الخطبة قد تمت صياغتها باللغة المبسطة وبالتشكيل الصحيح تجنباً لأخطاء نحوية يمكن أن تنتقص من قيمة الخطبة وهيبة الخطيب.


ونحن لو استعرضنا ما كان ينتهجه رؤساء سابقون، سنجد ما يوضح هذه القاعدة فى خطب جمال عبدالناصر، وأنور السادات، وحسنى مبارك، ومحمد مرسى الذى كان بلا منهج ثابت فى خطبه لأنها كانت مجرد ترديد ما يمليه عليه مكتب الإرشاد من توجيهات وتعليمات لا تتفق غالباً مع المنطق والواقع، أما الرئيس المستشار عدلى منصور فإنه لم يلجأ إطلاقاً للارتجال، خاصة أن خطبه كانت قصيرة ومركزة تماما، ولذلك اكتفى باللغة العربية الفصحى السليمة الجميلة.


خلفيات .. وأبعاد خطبة الرئيس السيسى


استقرت الرئاسة بعد ذلك عند من كان عازفاً عنها، لكنه رضخ لإرادة ومشيئة الشعب، (الرئيس عبدالفتاح السيسى)، الذى كان يعلم من موقعه السابق فى المخابرات الحربية، وموقعه اللاحق كوزير للدفاع مدى الصعوبة البالغة للمهمة الملقاة على عاتقه، وكذا حجم المخططات والمؤامرات الداخلية والخارجية التى تنذر بأسوأ المخاطر لو أغمضت دولة الثورة عينها عنها لحظة واحدة!


وهكذا وجد نفسه من أول يوم مطالباً بأن يخوض مع الشعب مواجهة «ملتهبة» مع الجماعة الإرهابية وذيولها داخل مصر، وتنظيمها الدولى خارجها مع دعمها المباشر وغير المباشر من الولايات المتحدة الأمريكية وبعض دول الاتحاد الأوربى، وقد اتخذت هذه المواجهة أشكالا مختلفة ما بين المظاهرات المسلحة والتفجيرات المتتالية، والاغتيالات المتعددة لرجال الشرطة والقوات المسلحة، ثم أطلقت الجماعة إشارة البدء للتنظيمات الإرهابية فى شمال سيناء كما أعلنها واضحة «الأخ البلتاجى» أثناء وجوده فى «اعتصام رابعة المسلح!» ، ولم يملك الرئيس إلا أن يواصل العمل ليل نهار حيث استفحل الإرهاب المدعم «بحكومة حماس الإخوانية»، والمخابرات القطرية والتركية والإسرائيلية، واشتدت المواجهة إلى أن كانت عمليات «حق الشهيد» التى تم خلالها - بالبطولات والتضحيات- استئصال ما لا يقل عن ثمانين فى المائة من العناصر الإرهابية ،وإن كانت المواجهة مازالت متواصلة مثلما اندلعت المواجهة مع الإرهاب على الحدود الغربية والجنوبية، مما يشكل عبئا بشريا وماديا واقتصاديا خاصة بعد «حادث تفجير الطائرة الروسية فى شرم الشيخ» لتتعرض السياحة لضربة قاتلة.


وبنفس الإصرار والتفانى يقود الرئيس مواجهة أخرى ولكن مع الأزمة الاقتصادية بجهود لا تهدأ على الساحة المحلية، وجولات وزيارات ولقاءات مكثفة لمختلف دول العالم من أجل الاستثمار والمشروعات الاقتصادية الكبرى.


وبنفس الإصرار والتفانى يقود المواجهة مع الأزمة الاجتماعية التى تأتى فى مقدمتها مشكلة البطالة والفقر وغياب العدالة الاجتماعية.


وبنفس الإصرار والتفانى قاد ويقود أكبر إنجاز سياسى بإعادة التوازن لعلاقاتنا الخارجية، فبدلاً من سياسة الانبطاح تحت أقدام دولة واحدة لا تحمل لنا أى خير، صارت لنا علاقات متوازنة تقوم على الود والاحترام المتبادل مع دول كبيرة ترحب باليد المصرية العريقة التى امتدت لها بعد طول غياب، وتقدم فى المقابل اعترافا واضحا حاسما بثورة يونيه، واستعدادا مطلقا لدعمنا فى كل المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية.


تم ويتم ذلك كله بجهود متواصلة لا تعرف التقاط الأنفاس، ولا تعرقلها المؤامرات والمخططات والحملات الإعلامية التى يختلط فيها حسن النية بسوء النية!!


لماذا الحديث الآن عن الصعوبات والإنجازات ؟!


- ببساطة هى أن تلك الصعوبات والتحديات والإنجازات تشكل بالفعل خلفيات الخطب التى يلقيها الرئيس، خاصة الخطبة الأخيرة التى ألقاها فى يوم إطلاق “استراتيجية مصر للتنمية المستدامة (رؤية مصر ٢٠٣٠) وهى الخطبة التى أثارت قضية «الارتجال»، فمن الواضح أن الرئيس كان يتحدث وهو يشعر بحجم الضغوط الرهيبة التى لا نعلم نحن عنها إلا أقل القليل، فالحصار الاقتصادى إلى جانب الأزمة الاقتصادية العالمية لا تتيح له ممارسة إيقاعه السريع العملى فى النهوض بالاقتصاد حتى ينتعش ويساعد فى حل مشكلات ملحة مثل التعليم والصحة، كما أن مؤامرات الداخل والخارج لا تتوقف بدعم مادى ولوجستى من عدة أجهزة مخابرات!


كذلك برز عنصر ضاغط إلى حد كبير للغاية وهو الموقف العربى المرتبك الذى صار مصدر قلق بما يعتريه من اختلافات حادة فى المواقف والرؤى، بالرغم من وضوح الخطر الداهم الجاثم الذى يستهدف تمزيق الأمة العربية وتفتيتها دولة بعد دولة مهما تصور البعض أنهم فى مأمن من المخطط الشنيع الواضح لكل ذى عينين والذى ينطوى - فيما ينطوى - على دفع دول عربية إلى مستنقع الحروب مع بعضها بعضاً.


متحملاً هذه الأعباء الثقيلة والحساسة والدقيقة، جاءت خطبة الرئيس التى آثر أن تكون ارتجالية دون التزام بالأوراق المكتوبة، ولعله فضل ذلك، كما لو كانت الخطبة نوعا من «الفضفضة» التى تخرج من القلب إلى القلوب، وكأنه يتحدث عما يثقل كاهله وفى نفس الوقت يحفز إرادته وتصميمه على تحقيق رسالته كاملة من حيث «البناء»، والحفاظ على «البقاء» ، لكن المؤكد أن طول فترة الارتجال يؤدى إلى إطلاق عبارات يستطيع المتربصون تحريفها واستغلالها، خاصة أن مواقع الاتصال الاجتماعى جاهزة ومفتوحة على الآخر، كما أن بعض الإعلاميين الذين يستهويهم الاستعراض بما يتصورونه شجاعة فى المعارضة، يشاركون دون وعى أولئك المتربصين المتآمرين فى الداخل والخارج بحملات الانتقاد والسخرية واللعب بالألفاظ. وهكذا تم - مثلا - استغلال عبارة: «أنا لو ينفع أتباع لكنت أبيع نفسى» وبدلا من استيعاب ما وراء هذه العبارة من توجيه اللوم المهذب لكبار الحيتان الذين لم يستجيبوا لدعوة المشاركة فى «صندوق تحيا مصر»، كما أن هذه العبارة تضع أمام المواطنين صورة حية للوضع الاقتصادى المرهق، بدلاً من استيعاب ذلك كله أسرع المتربصون للحديث الوقح عن «بيع الرئيس»!!


كذلك تم استغلال عبارة (ماتسمعوش كلام حد غيرى) وترجموها بلغتهم إلى أنها إعلان عن انفراد الرئيس بالرأى والقرار، ولو أنصف أصحاب ذلك التفسير المريب لتوقفوا أمام ما يعنيه الرئيس من تحذير ضمنى مما يطلقه المتآمرون والمضللون والمغيبون من سموم الأخبار والتحليلات !


كذلك تم الاستغلال الدنىء لدعوة الرئيس لكل مواطن أن «يصبح على مصر» برسالة على هاتفه قيمتها جنيه، ولو فعل ذلك ٣ ملايين مواطن تكون الحصيلة لمصر أربعة مليارات جنيه فى العام الواحد، وبدلا من احترام هذه الدعوة التى عاشتها مصر من قبل أثناء حكم الملك وأثناء ثورة ١٩٥٢ وبعد نكسة يونيه، حيث انهالت تبرعات المواطنين لمصر بالأموال والمصوغات الذهبية وغيرها، بدلا من ذلك حول المتربصون الدعوة المحترمة إلى «نكتة» تسىء لمصر وللشعب!


تلك بعض الأمثلة لما قد ينتج عن الارتجال من عبارات يمكن تحريفها واستغلالها من قبل أعداء الداخل والخارج مثلما حدث مع عبدالناصر الذى كان يتمتع بكاريزما وشعبية هائلة، وقد خرج فى إحدى خطبه عن النص المكتوب ليرد على من وصفوه فى لندن بأنه «كلب» قائلاً: «أنتم ولاد ستين كلب!!»، ولم يكن هناك وقتئذ أعداء الداخل المتربصون كما هو الحال الآن، إلا أن أعداء الخارج أضافوا تلك العبارة إلى أسباب تآمرهم على مصر سواء فى حرب ٥٦ أو فى النكسة ١٩٦٧، أما الرئيس السادات الذى كان لا يرتجل إلا قليلا فقد انزلقت منه عبارة: «الشيخ المحلاوى بتاعهم أهه مرمى فى السجن»، إلى جانب عبارة أخرى تلقفها المتواطئون ليلعبوا بها فى رءوس المهووسين بغير صحيح الدين!!


يبقى أن أقول للرئيس السيسى: لا تعتمد على ما يحيطك به غالبية الشعب من حب وتقدير، فلا تعبأ بما قد تثيره عبارات ارتجالية تلقائية من ردود أفعال مغرضة، ذلك لأن المتربصين المرجفين لن يتوقفوا عن استغلال أى عبارة وأى فرصة للإساءة إلى مصر من خلال الإساءة إليك، صحيح أنهم لم ينجحوا فى محاولاتهم الأخيرة - إلا قليلا - مثلما فشلوا فى تشتيت الأنظار والانتباه حتى لا نرى المشروعات الكبرى التى قمت بافتتاحها منذ أسابيع، فكان تركيزهم فقط على حكاية السجادة الحمراء - وإن كان ما فعلوه وقتها قد ترك بالتأكيد أثرا نفسيا سيئا لديك، ربما انضم إلى الأعباء الضخمة التى كانت فى خلفية خطبتك الارتجالية الأخيرة.


الدرس المستفاد: الابتعاد عن الارتجال الذى يمتد أكثر مما يجب، خاصة أن الأفعال والإنجازات تتحدث وحدها بكل اللغات!