ميكروفـــــــون الـرئيـــــــــــس..!

02/03/2016 - 1:47:08

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

بقلم: أحمد النجمى

كتب خالد محيى الدين فى مذكراته الشهيرة «والآن أتكلم» أن الرئيس الأسبق «محمد نجيب» كان من هواة الميكروفون ، ينتهز كل الفرص لكى يخاطب الجماهير ، حتى أن صلاح سالم - أحد مشاهير الضباط الأحرار ووزير الإرشاد القومى آنذاك (الإعلام حاليا) - اشتكى مرارا من هذه الخصلة ، ونقل هذه الشكوى إلى اجتماعات مجلس قيادة الثورة ، وكان نجيب يخطب فى الناس مباشرة ، لا يلجأ غالبا إلى القاعات المجهزة التى يضبط الأمن الإيقاع فيها.. وكان سريع الكلام ، إذ أن فى لسانه لكنة سودانية ( كانت أمه سودانية..من هنا كان السودانيون يعشقونه) ، وقليلا ما كان يرتجل..هذه هى صورة أول رئيس جمهورية يخطب فى الناس ..!


جاء عصر ناصر ، الذى أشعل ميكروفون الرئيس.. سواء بالارتجال أو بالقراءة المنظمة من أوراق معدة سلفا..اختلف ناصر أيضا فى خطاباته بلكنته العربية المحضة التى لا توجد فيها أية لكنة غير مصرية كسلفه نجيب..الأخطر فى نواحى المقارنة بين نجيب وناصر فى قدرتهما الخطابية ليس فقط اللكنة ولا فى استرسال ناصر فى الارتجال ، وانما ايضا فى فحوى الخطابات الناصرية..!


انطلق ناصر يحشد قوى الشعب المصرى والشعوب العربية والأفريقية وكل القوى المحبة للسلام والمنتمية للعالم الثالث فى معركة تاريخية ضد الاستعمار ، ومع خطاباته توجه المصريون زعيما لا ينازعه منازع فى مكانته فى القلوب ، ففى أكتوبر من العام ١٩٥٤ ، وبعد شهور قليلة من توليه السلطة ، حاول الإخوان الإرهابيون اغتيال ناصر فى ميدان المنشية وقال الزعيم قولته المشهورة التى ذهبت مثلا (فليبق كل فى مكانه..دمى فداء لكم)، من ذلك اليوم(٢٦ أكتوبر ١٩٥٤) أصبح ناصر أخطر صوت زعيم عربى وأفريقى فى القرن العشرين.فيعد أقل من عامين خطب ناصر أخطر خطاباته على الإطلاق ، خطاب تأميم قناة السويس(تؤمم الشركة عالمية لقناة السويس البحرية شركة مساهمة مصرية)، تلك العبارة التى خلدها التاريخ ، والتى تشكل على أساسها تحالف ثلاثى وضيع تآمرى بين بريطانيا وفرنسا وإسرائيل للعدوان على مصر ، والذى وقع بالفعل بعد نحو ٧٥ يوما من هذا الخطاب التاريخى الخطير ، الذى استعاد فيه ناصر لقناة السويس ملكيتها المصرية وحفظ للأجيال - إلى اليوم - حقوقها المالية والأدبية والمعنوية فى قناة السويس ، ومن أموال القناة بنى ناصر والمصريون السد العالى العظيم.


وفى خطاب مهم للغاية فى ناحية التحول الاجتماعى الاقتصادى أعلن الزعيم جمال عبد الناصر أخطر اجراءاته وتحولاته الاقتصادية الاجتماعية فى مصرفى يوم ٢٢ يوليو ١٩٦١ أو العيد التاسع لثورة يوليو المجيدة ، حين قال (من أجل حماية البناء السياسى للدولة، البناء السياسى الذى يؤمن تحقيق أهداف الثورة، البناء السياسى الذى يساعد على إقامة عدالة اجتماعية.. من أجل البناء الاجتماعى الجديد والبناء الاقتصادى الجديد تم القضاء على الإقطاع، والقضاء على الاحتكار، والقضاء على سيطرة رأس المال المستغل.. أعلن قانون تحديد الملكية الزراعية، ووزعت الأرض على الفلاحين، وأممت الشركات).


أما خطاب « اللاءات الثلاثة» فهو احد أخطر خطابين لناصر فيما بعد نكسة ١٩٦٧ ، وهو الخطاب الذى أعلن فيه فى قمة « الخرطوم» بالسودان ما عرف باللاءات الثلاثة (لا صلح ، لا تفاوض ، لا اعتراف)، يقصد لا صلح مع الكيان الصهيونى ولا تفاوض معه ولا اعتراف به.. وقد كتب هيكل معظم خطابات عبد الناصر.


أما الخطاب الثانى بالغ الأهمية بعد النكسة فهو خطاب الزعيم خالد الذكر عن اجراءات الدولة والاتحاد الاشتراكى فيما بعد النكسة لاعادة بناء الدولة فيما عرف ببيان ٣٠ مارس ١٩٦٨..لقد امتاز ناصر بكاريزما فائقة خطيرة تصل إلى القلوب بسرعة الصوت المتدفق إلى الميكروفون ، تلك الكاريزما التى دفعت ملايين المصريين غلى الهرولة نحو الشوارع بمجرد استماعهم لخطاب « التنحي» فى ٩ يونيو ١٩٦٧ ، لترد الزعيم إلى كرسى رئاسة مصر وتؤكد تمسكها به.


ورحل ناصر ، ومعه الكاريزما الضخمة التى تخصه والصوت المميز فى الحديث والارتجال الذى كان يحتل مساحات كبيرة من خطاباته ، تلك التى تمتزج فيها الفصحى بالعامية امتزاجا شديد الخصوصية.


السادات الذى خلف ناصر على كرسى الرئاسة كانت له كاريزما خاصة أيضا فى خطاباته ، وكان مغرما أيضا بالارتجال ..واكنت له قدرة خاصة على «التشخيص» فى خطاباته ، فالسادات فى فترة من حياته أوشك أن يشتغل بالتمثيل ،واكنت لديه قدرات صوتية وشكلية تؤهله للتمثيل حقا ، ولكن خطابات السادات لم تشعل خيال المصريين مثلما أشعلتها خطابات جمال عبد الناصر.. لكن بعض هذه الخطابات يحمل عبارات مهمة فى التاريخ ، مثل عبارة « الظاهر الغسيل ماكانش نضيف يعني..» فى حادث الزاوية الحمراء الطائفى ، أو انتقاداته اللاذعة للجماعة المحظورة حين تكلم عن خذلانها لثورة ٢٣ يوليو ، أو حواره الشهير مع المرشد الراحل « عمر التلمساني» حين قال له السادات « عيب يا عمر».. وكما اختلطت العامية بالفصحى فى خطابات جمال عبد الناصر اختلطت أيضا فى خطابات السادات.. التى كتب أكثرها أنيس منصور.


ورحل السادات وجاء المخلوع مبارك .. الذى اختلطت فى خطاباته أيضا العامية بالفصحى والارتجال بالنص المكتوب ، لكنه كان مقلا فى الارتجال بحكم طبيعته غير الاعلامية أصلا..وانخفضت كاريزما الرئيس إلى حدها الأدنى مع خطابات مبارك ، وانصرف المصريون عن متابعة خطابات مبارك ، كونهم انصرفوا أصلا بالتدريج عن الذى يلقى هذه الخطابات .. عن مبارك ، الذى بدا بلا كاريزما ولا أفكار خاصة ، ولا قدرة على الارتجال فضلا عن إصابته لمن يسمعونه بالنعاس فقد كان سيء الأداء فى الإلقاء.


ونمر على المعزول مرسى مرورا سريعا فهو لم يقض فى الحكم سوى سنة سوداء واحدة ، وهو صاحب الرقم القياسى فى السخرية من عباراته التى اتسمت بكوميديا مأساوية غير مقصودة فقد كان مرسى أبعد ما يكون عن الكوميديا .. ونذكرك أيها القارىء الكريم بأشهر «إفيهات» مرسى لعلكم تستعيدون الضحك : الحارة المزنوقة ، فودة وعاشور ، السبعة تمانية ستة خمسة اللى فى الحارة المزنوقة..و٢٠ جنيه بتاعة الواد اللى ماسك سكينة الكهربا.. فضلا عن خطابه الهزلى الشهير الذى امتد نحو ٤ ساعات ليلة ٢٦ يونيو ٢٠١٣.


أما الرئيس السيسى فله كاريزما قوية للغاية ، وقبول واضح لدى الجماهير.. تحرك ملايين المصريين بكلمة منه يوم طالبهم بالنزول (٢٦ يوليو ٢٠١٣) أو جمعة التفويض ، وحين طلب من المصريين التبرع لقناة السويس الجديدة فنزل الملايين من الناس وتبرعوا للقناة الجديدة بـ ٦٤ مليارا فى ٨ أيام فقط.. وتتعدد خطابات السيسى على أهميتها ، لترسم صورة رجل واسع الشعبية محبوب هادىء الصوت ، واسع القدرة على الارتجال ، يحسن الخروج على النص والرجوع إليه مجددا ، ويعد - مع جمال عبد الناصر - أقوى زعيمين سياسيين فى القدرة الخطابية سواء من ناحية الكاريزما أو القدرة على التأثير فى الجماهير أو الحضور أو القدرة على الارتجال.