مرة أخرى: أغنياء مصر خذلوا مصر!

02/03/2016 - 1:45:41

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

كتب - عبدالقادر شهيب

نعم أغنياء مصر.. باستثناء عدد قليل منهم.. خذلوا مصر حتى الآن.. لم يمدوا يد العون والمساعدة لها لتخرج من أزمتها الاقتصادية.. بل على العكس تمامًا ارتفعت أصواتهم بالنحيب والبكاء والصراخ لأن أرباحهم وعائداتهم الضخمة تراجعت بعض الشىء فى ظل هذه الأزمة، رغم أنها ما زالت هى الأكبر فى العالم كله، ويمارسون الضغوط ليحصلوا على مزيد من الدعم الحكومى، رغم أنهم يستنكرون استمرار الدعم الحكومى للفقراء، ويستنكرون عدم تخفيض البنك المركزى لسعر الجنيه حماية لأصحاب الدخول المحدودة من التضخم.


لقد كشف الرئيس السيسى فى خطابه الأخير قبل أيام بمناسبة تدشين استراتيجية ورؤية مصر ٢٠٣٠ أن كل ما تم جمعه من تبرعات لصندوق تحيا مصر فى غضون عام ونصف لا يتجاوز ٤.٧ مليار جنيه من بينها مليار جنيه تبرعت بها القوات المسلحة، بما يعنى أن ما تم جمعه من تبرعات للصندوق خلال هذه الفترة، هو ٣.٧ مليار جنيه، لكن الذى لم يقله الرئيس أن هناك مليار جنيه أخرى، كان قد تم جمعها فى صندوق آخر قبل إنشاء صندوق تحيا مصر كان يسمى صندوق دعم مصر تمت إضافتها للصندوق الأول بعد دمج الصندوقين معًا.. وهذا يعنى أن ما تم جمعه خلال السنة ونصف السنة لحساب صندوق دعم مصر لا يتجاوز ٢.٧ مليار جنيه.. وهذا رقم شديد التواضع.. شديد التواضع بالقياس لما كان يأمله الرئيس السيسى شخصيًا من إنشاء وتأسيس هذا المشروع وهو جمع نحو مائة مليار جنيه.. وشديد التواضع أيضًا بالقياس لما أعلنه بعض رجال الأعمال فور تأسيس صندوق تحيا مصر ودعوة الرئيس السيسى لهم بالتبرع فيه حول نياتهم وعزمهم التبرع بأرقام كبيرة من الأموال، لو تم حصرها لكان ما تم جمعه أضعاف هذا المبلغ الصغير، والذى يقل عن ثلاثة مليارات جنيه، وهذا يشى أن رجال الأعمال الذين سارعوا بالإعلان عن عزمهم التبرع بأموال ليست قليلة لم يفوا بوعودهم، وأن من تبرع منهم فعلًا لصندوق تحيا مصر كانت تبرعاتهم أقل مما أعلنوه، بل وهناك من أعلنوا عزمهم التبرع ولم يتقدموا بأية تبرعات، خاصة هؤلاء الذين تحدثوا عن تبرعات عينية أو عن تنازل لمستحقات لهم لدى الحكومة أو بعض هيئاتها.


وحدث ذلك فى وقت يحقق فيه بعض هؤلاء أرباحًا فى أعمالهم ونشاط شركاتهم تصل إلى ٨٠ فى المائة، كما كشف طارق عامر محافظ البنك المركزى، ذلك مؤخرًا.. كما حدث فى وقت حصل فيه أكبر ٥٠ عميلًا للبنوك من رجال الأعمال على قروض تبلغ ٢٥٠ مليار جنيه فى العام الماضى، ووجهت فيه البنوك نحو ٨٠٠ مليار جنيه قروضًا للقطاع الخاص فى العام الماضى.. أى أن هؤلاء لديهم ملاءة مالية مناسبة تسمح لهم المساهمة بقدر من أموالهم لدعم صندوق تحيا مصر، فى إطار مسئوليتهم الاجتماعية، التى بدونها لن يظفروا بمناخ شجع لهم لمزيد من الأعمال والاستثمارات التى تجلب لهم فى نهاية المطاف مزيدًا من الأرباح، التى هى فى حد ذاتها مرتفعة بالقياس للمعدلات العالمية.


ولكن إذا تذكرنا أن أغنياء مصر ليسوا هم فقط رجال أعمال وإنما تتسع عضوية نادى الأغنياء فى بلادنا - مثل بقية البلاد الأخرى - لأعضاء آخرين سوف نجد أن الرقم الذى تم جمعه فى صندوق تحيا مصر خلال عام ونصف العام، والذى لا يتجاوز ٢.٧ مليار جنيه هو شديد التواضع أيضًا لحجم ثروات كل أغنيائنا وحجم إنفاقهم أيضًا سنويًا.


وفى آخر بحث للجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء حول الدخل والإنفاق والاستهلاك تبين أن أصحاب الشريعة العليا أو الأعلى ١٠٪ من السكان فى الإنفاق خلال العام تصل إلى أكثر من ربع جملة الاستهلاك السنوى وتحديدًا ٢٥.٧٪، بينما الشريحة الدنيا أو الأقل ١٠٪ يصل نصيبها من جملة الإنفاق والاستهلاك ٤.١٪ فقط.. وبالإضافة إلى أن هذا يشير إلى ظلم اجتماعى واضح يعانى منه الأكثر فقرًا فى بلادنا، فإنه يؤكد أن الأغنياء فى بلادنا، والذين ليسوا فقط هم الأعلى إنفاقا، وإنما ينفقون نسبة كبيرة من جملة الإنفاق العام، أى أن نصيبهم من الناتج القومى لا يقل عن نحو ٤٠٠ مليار جنيه، ولو خصصوا نسبة واحد فى المائة فقط من هذا الرقم ولا نقول أكثر لصندوق تحيا مصر لكان الصندوق قد جمع منهم وحدهم ٤٠ مليار جنيه، أما لو خصصوا ٢.٥٪ من هذا الرقم الذى يستحوذون عليه من الناتج القومى لحقق الصندوق ما كان يبغيه الرئيس السيسى، وهو جمع مائة مليار جنيه.


لكن هذا لم يحدث.. هناك كثير من الأغنياء أعطوا ظهورهم للصندوق وأغلقوا آذانهم عن الدعوات الموجهة لهم للإسهام فى توفير الأموال لصندوق تحيا مصر الذى يحظى بمجلس إدارة ومجلس أمناء ومراقب محاسبات.. بينما سارع الآلاف من البسطاء بالمساهمة بجنيهات قليلة من دخولهم القليلة والمحدودة فى دعم الصندوق استجابة للدعوة الموجهة لهم.. وهؤلاء هم الذين أسهموا فى جمع ٣.٤ مليون جنيه من خلال رسائل المحمول خلال خمسة أيام بعد أن طالبهم الرئيس بأن يصبحوا على مصر بجنيه فى اليوم.


ولذلك يتعين على من يديرون صندوق تحيا مصر أن يعلنوا على الرأى العام كشف حساب دقيقًا وواضح، للصندوق.. الأموال التى جمعها وأكبر المساهمين فى هذه الأموال وقدر مساهماتهم وأيضًا أقل المساهمين ومساهماتهم.. وإذا حدث ذلك فسوف يصدمنا أن كبار المحامين، الذين يتقاضون ملايين الجنيهات فى القضية الواحدة لم يتبرعوا بمليم واحد، وأن كبار الأطباء الذين يتقاضون آلاف الجنيهات فى الجراحة الواحدة لم يتبرعوا بشىء، وأن كبار المهندسين والمحاسبين وبقية المهنيين لم يسهموا بشىء، وإن كان أحد منهم أسهم بشىء فإن عددهم قليل وإسهامهم محدود ولا يتناسب مع حجم الأرباح التى يحققونها.


وذات الشىء ينطبق على هؤلاء الإعلاميين، الذين يتقاضون ملايين الجنيهات وأعلن بعضهم مرارًا أنهم سيدعمون صندوق تحيا مصر.. ولاعبو كرة القدم أيضًا لا يستثنون من ذلك رغم أن خطأ الواحد منهم يكلفهم خصومات تصل إلى عشرات الآلاف من الجنيهات فى المرة الواحدة وللخطأ الواحد!


وهكذا.. الأغنياء لدينا خذلوا بلادهم، رغم أنهم لم يجمعوا ثرواتهم هذه إلا من خلال هذا البلد وبإمكانياته وقدراته.. والأهم رغم أن احتفاظهم بثرائهم يقتضى أن يخرج هذا البلد من أزمته الاقتصادية، ويتمكن من تحقيق الاستقرار السياسى والاجتماعى، وأن يحظى الفقراء فيه على الأقل بالحد الأدنى الضرورى من احتياجاتهم الأساسية من الغذاء أولًا، ومن الطعام مع الكساء والمسكن وخدمات التعليم والصحة، وهؤلاء نسبتهم.. طبقًا لآخر بحث لجهاز التعبئة والإحصاء تصل إلى ٢٦.٣٪ يعيشون تحت خطر الفقر، وهم يحتاجون منا كل دعم ومساندة ومعهم من يعيشون بالكاد فوق خط الفقر ومهددون بالسقوط تحته ونسبتهم لا تقل عن ١٤٪ لتصل نسبة من يحتاجون للمساندة والدعم لنحو ٤٠٪ من عدد السكان الذين تجاوزوا ٩٠ مليون نسمة مؤخرًا ومساهمة المجتمع المدنى أو الجمعيات الأهلية والخيرية يدور فى مساندة وحماية الفقراء، ومن يعانون العوز ليس بدعة أو أمرا يدعو للاستنكار على غرار ما فعله البعض بعد دعوة الرئيس السيسى “صبح على مصر بجنيه”.. ففى كل بلاد العالم الأغنياء - ومن بينهم رجال الأعمال - يتبرعون وبأموال كبيرة فى إطار مسئوليتهم الاجتماعية.. وفى مصر المجتمع المدنى أو الجمعيات الأهلية له دور وإسهام كبير، وإنجازاته مازالت ماثلة سواء فى شكل مستشفيات أو جامعات أو أعمال تنموية أو تمكين للفقراء.


إذن الأمر ليس بدعه ولا يستاهل التندر أو التعجب.. لكن يظل دائمًا دور المجتمع المدنى لتحقيق العدالة الاجتماعية دورًا مساعدًا للإدارة التى تقود البلاد.. صحيح الرئيس السيسى لن يحقق العدالة الاجتماعية وحده أو بمفرده كما قال، لكنه معه بقية المساعدين فى مقدوره رسم واختيار السياسات الاقتصادية والمالية والاجتماعية، التى تحقق هذه العدالة.. وأيضًا مجتمع بلا عدالة اجتماعية هو مجتمع لا يأمن فيه الأغنياء ولا يطمئنون.. لذلك ما يقدمونه من مساعدات لبنى وطنهم المحتاجين ليس تكرمًا منهم، إنما هو ثمن ضئيل للحفاظ على أمنهم وأمانهم واستمرارهم فى تحقيق مزيد من الثراء.