كيف تهدم وطناً بالفيس بوك؟

02/03/2016 - 1:25:21

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

كتب - مؤنس زهيرى

مصـــــــــر فى حالة حرب إعلامية، أشد وأقسى وأفظع من حالة الحرب العسكرية، الحرب أصبحت حرب إعلام أكثر مما هى حرب سلاح، وأشرس أنواع الأسلحة المستخدمة اليوم لهدم الوطن هو برامج التواصل الاجتماعى ومنه نستكشف طلقاته الجهنمية التى تعبأ بعبارات السخرية والتهكم من أى إنجاز يحدث على أرض الوطن، هوسلاح نطلق عليه «سلاح المسخرة».


سلاح «المسخرة» أصبح أقوى أسلحة الفتك بالوطن... وطن مثخن جسده بالجراح، كلما أراد أن ينهض ليقف على قدميه، زادوه «مسخـــرة» وما سمعنا من كل أصحاب ذلك السلاح كلمة أو فكرة أو عبارة أو مشروع أو حتى كلمة طيبة لصالح الوطن كله « تريقة وتقطيم وبستفه وتشفى «.


فلا أسهل من التهريج ولا أسرع من الهدم، أطلب من المهرج أو الهدام فكرة -اقتراح - مشروع - جملة مفيدة، هو لن يعطى... لن يقول... لن يتكلم... مهمته فى الحياة الآن يسخر من الجادين ويهدم بناء المجدين، لا تلتفت إليه، انبذه... اهمله... لا تعره انتباهك، فهو لا يستحق.... فسلاح المسخرة هو سلاح العاجزين، ولكن كيف نواجه ذلك السلاح الذى يوجه طلقاته نحو الوطن من خلال برنامج التواصل الاجتماعى الأشهر «فيس بوك»، علينا أن نعرف ونعترف أن ذلك البرنامج قد أصبح هو الاستعمار الإلكترونى الذى يسيطر على دماغ كل مستخدميه ويوجههم ويقودهم إلى حيث يريد أن يصل بهم، إن ذلك البرنامج قد أصبح «دولة» بمعنى الكلمة.


ــ دولة أقوى من أى كيان رسمى دولى غيرها.


ــ دولة حدودها الجغرافية تمتد بامتداد مساحة الكرة الأرضية براً وبحراً وجواً.


ــ دولة مواطنوها يقطنون فى كل متر على مسطح الكرة الأرضية طولاً وعرضاً.


ــ دولة ليس لها نظام حكم جمهورى أو ملكى أو أميرى وليس لها قائد حاكم رئيس أو ملك أو أمير وإنما قائدها حاكمها هو»مدير» البرنامج.


ــ دولة لا جنسية لها أو بطاقة هوية شخصية أو جواز سفر إلا بطاقة التعارف التى تسجلها لحظة إنشاء صفحتك.


ــ دولة تسجل كل همسة وكل حرف وكل كلمة وكل عبارة وكل صورة لأى مواطن من مواطنيها أياً ما كان مكان وجوده فى أى نقطة على مسطح الكرة الأرضية فى أى وقت من أوقات الليل والنهار، وذلك عن طريق أدواتها الخاصة ( like.. comment.. share )


ــ دولة لا تستيقظ أجهزتها إلا بمجرد أن يبدأ مواطنها فى كتابة أول حرف له على صفحته لتسجلها له وعليه، ولا تنام إلا عندما يرفع يديه عن لوحة المفاتيح لجهازه الخاص.


ــ دولة تستخدم كل مواطنيها للتجسس على بعضهم البعض عن طريق الـ Report


ــ دولة لها كل الحقوق فى معرفة أدق أمورك الشخصية والعامة ولا أى حق لك عليها كأحد مواطنيها.


والحقيقة أن برنامج الفيس بوك هو الذى يستخدمك وليس أنت الذى تستخدمه لكن كيف يكون ذلك.


إن ذلك البرنامج الأشهر هو الأسلوب العصرى الحديث والمنهج المضمون نحو تدمير الأمم الذى ينتهجه «الاستعمار الإلكتروني» ــ أحدث أشكال الاستعمار ــ بزرع الخلاف والشقاق بين عناصر الأمة المصرية مسلمين ومسيحيين، وحتى المسلمين والمسلمين أبناء الديانة الواحدة بنشر الاختلافات المذهبية، ولا يقتصر الأمر على الأمة المصرية وحدها وإنما سائر أمم الأرض كلها بلا استثناء وذلك حتى يمكن لـ»الاستعمار الإلكتروني» الأعظم أن يسيطر على مقاليد الأمور والسياسات والتوجهات الفكرية وحتى المزاجية لأبناء تلك الأمم.


لكن اهتمام «الاستعمار الإلكتروني» الأعظم الآن هو بالأمة المصرية أعرق الأمم العربية والإسلامية وصاحبة البلد الأكبر فى منطقة الشرق الأوسط، وذلك لضمان كامل السيطرة على أبناء شعبها بكل الطرق الممكنة حتى لا تنهض وتقاوم وتنتصر كما تريد.


ففى الماضى القريب كانت أدوات السيطرة على الشعوب هى المعارك الحربية من خلال شن الحروب فى شكلها التقليدى باستخدام العتاد الحربى براً وبحراً وجواً، وأعتقد أن آخر ظهور للمعارك الحربية فى ذلك الشكل كانت فى حرب العراق قبل إحدى عشرة سنة مضت عام ٢٠٠٣.


لكن التكلفة البشرية للحروب والتى يتكبدها صاحب قرار الحرب كانت هى الأكثر إيلاماً له، فالكلفة المادية غالباً ما يتم تعويضها من موارد الشعوب أصحاب الأرض التى تم شن الحرب عليها فلا قلق من تلك الجهة، أما الكلفة البشرية من القتلى والجرحى المصابين المعاقين فكانت هى الأهم بالنسبة له، فهم إدارة «تقدس» مواطنها وتعتبره هو كنزها الأكبر.


وتفتق ذهن «الاستعمار الإلكتروني» عن ضرورة تغيير نهج الحرب التى تكلف بعض مواطنيه من جنود الجيش أرواحهم وابتكار أسلوب جديد فى الحروب المدمرة للأمم ليتم تدميرها «ذاتياً»، أى «منهم فيهم» كما يقول التعبير المصرى العامي، ولن يتحقق ذلك الأسلوب إلا بضرورة السيطرة على العقول التى يحظى أصحابها بقسط من التعليم؛ ليكون ذلك القسط هو باب «التواصل» معهم واختراقهم للسيطرة عليهم وتوجيههم نحو طريق «التدمير الذاتي» ولن تتم تلك السيطرة إلا إذا توفرت قاعدة بيانات شخصية عن مستويات فكر واتجاهات آراء كل المتعلمين المثقفين فى تلكم الأمم.


وقد وجد «الاستعمار الإلكتروني» ضالته لتحقيق هدفه بعدما جلس الطالب الأميركى - صاحب العشرين عاماً من العمر وقتها - مارك زوكربيرج أمام شاشة الكمبيوتر فى حجرته بمساكن الطلبة فى جامعة هارفارد الامريكية العريقة، وبدأ يصمم موقعاً جديداً على شبكة الإنترنت حيث كان لديه هدف واحد فقط وهو تصميم موقع يجمع كل زملائه فى الجامعة؛ ليمكنهم من تبادل أخبارهم وصورهم وآرائهم مع بعضهم البعض، وكانت هى البداية فى انتشار أشهر برامج التواصل الاجتماعى عبر العالم كله والتى أطلق عليها اسم الفيس بوك.


هذا البرنامج لا يقدم معلومات وافيه عن كل إنسان يستخدمه فحسب من حيث الاسم والسن والجنس ومستوى التعليم إلى آخر تلك البيانات الشخصية المألوفة، بل إنه يقدم تقريراً وافياً شاملاً كاملاً عن اتجاهات فكر ورأى ذلك المستخدم من خلال أى همسة أو لمسة منه على لوحة مفاتيح جهاز الكمبيوتر الذى يعمل عليه، لتعبر بها عن إشارات الإعجاب والتعليق والمشاركة يتم تسجيلها فى صفحتك فورا.


وماذا يريد «الاستعمار الإلكتروني» ليجمع المعلومات التى تساعده لمعرفة اتجاهات الرأى العام و»مزاجه» ليسيطر عليه ويوجهه لما يحب ويرضى نحو خدمة أغراضه وتحقيق أهدافه فى زرع الخلافات والشقاقات بين أبناء الشعب الواحد أكثر من تلك المعلومات القيمة التى يتم تقديمها له على طبق من الذهب الخالص اسمه «الفيس بوك».


إن أى شخص يمكنه خلال دقائق معدودة أن ينشئ حساباً له على الفيس بوك ويطلب صداقتك ويدخل فى حوارات معك ومع أصدقائك وقد يزكى نار الخلاف بينكما ليحتدم النقاش؛ ليصل الأمر إلى ما لا يُحمد عقباه كما ينص التعبير الدارج


وكل ذلك على صفحات البرامج التى تفتق عنها عقل العلم الحديث فيس بوك، تويتر، سكاى بى وغيرها من أدوات عديدة وأهمها موضوع البحث وهو برنامج الفيس بوك، متأكد أن من اخترعها أحسن استخدامها أفضل استخدام لتحقيق مصلحته فى «السيطرة» و»التوجيه» و»إدارة» مقاليد الأمور فى العالم كله وخاصة المناطق «الساخنة» مثل منطقة الشرق الأوسط الأكثر سخونة على ظهر الكرة الأرضية.


وما كانت لتتحقق تلك السيطرة إلا عن طريق معرفة مجموعة «المستخدمين» من أبناء الشعوب ومعرفة نوعيات أحاديثهم وقضاياهم ومشاكلهم وآرائهم وتوجهاتهم السياسية أو العقائدية ثم التسلل بالرأى الذى يزكى نار الفتنة بينهم ليتم خلق الشحناء والبغضاء تمهيداً لتوجيههم إلى الوجهة المرادة.


فما أسهل أن ينشئ مجهول حساباً على الفيس بوك أو التويتر باسم مستعار وصورة مستعارة ليفعل ما يحلو له بـ «مجموعة الأصدقاء» الذين طلب صداقتهم فوافقوا بالمئات بل والآلاف أيضاً، إن خبراً بسيطاً عن قرار إغلاق إحدى صفحات الفيس بوك اتخذته إدارة الفيس بوك يوضح لك أن الجميع «مراقبون» والكل «تحت السيطرة «، فقد تحول استخدام برامج «التواصل الاجتماعي» فى منطقتنا إلى برامج «التنافر الاجتماعي».


إن ذلك «الاستعمار الإلكتروني» الجديد شكلاً ومضموناً... هو أحدث وأقوى أشكال «الجيل الرابع من الحروب»، ففى محاضرة ألقاها البروفيسير ماكس مانوارينج أستاذ وباحث الإستراتيجية العسكرية فى معهد الدراسات الإستراتيجية والعسكرية التابع للجيش الأميركي، وكان مكان المحاضرة معهد دراسات الأمن القومى بإسرائيل بمناسبة المؤتمر السنوى لأمن نصف الأرض الغربى بتاريخ ١٣ أغسطس ٢٠١٢.


كانت الأفكار الأساسية التى دارت حولها المحاضرة كما رواها البروفيسير تتلخص فى النقاط الآتية:


ــ نحن نتحدث عن شيء لا يمكن تسميته، نحن نتحدث عن الجيل الرابع من الحروب غير المتماثلة أولا. لكن دعونا نعرّف الحرب.


ــ الحرب هى «الإكراه» على قبول إرادة العدو.


ــ فى الماضى كانت الحرب بين الدول تعنى حروبا بين الجيوش، أى طيرانا وأسلحة وقوات نظامية من الجنود تعبر حدود دولة مستقلة للاستيلاء عليها.


ــ اكتشفنا خلال الأعوام الماضية أن ذلك الأسلوب من الحروب أصبح قديماً مستهلكاً والجديد اليوم هو حروب الجيل الرابع، فما هو الهدف منها بالتحديد.


ــ ليس الهدف تحطيم مؤسسة عسكرية لإحدى الأمم وتدمير قدرتها على مواجهة عسكرية خارج حدودها.


ــ الهدف هو الإنهاك والتآكل ببطء ولكن بثبات إرادة الدولة المستهدفة من أجل اكتساب النفوذ، وبعد الحصول على ذلك النفوذ يتضح الهدف الحقيقى وهو إرغام العدو على تنفيذ إرادتك.


ــ هدفنا هو الوصول إلى «نقطة التأثير» فى عدوك حتى ينفذ رغبتك.


ــ القاسم المشترك فى كل هذا هو ما نطلق عليه «زعزعة الاستقرار».


ــ علينا أن نستخدم «القدرات العقلية» فهى السلاح الرئيسى لتحقيق هدف «زعزعة الاستقرار».


ــ زعزعة الاستقرار من الممكن أن تكون «حميدة» أى ينفذها مواطنون من الدولة العدو نحو خلق «الدولة الفاشلة».


ــ فى بعض الدول هناك جزء لا يستهان به لا يخضع لسلطتها، مما يهدد فكرة «السيادة»، فمعنى السيادة هى التحكم فى الإقليم والناس فى كيان سياسى معترف به.


ــ إذا لم تتحكم الدولة فى كامل إقليمها، فنحن نطلق على الجزء الذى لا تتحكم فيه الدولة مصطلح «إقليم غير محكوم».


ــ الجزء الذى لا تتحكم فيه الدولة فيه مجموعات غير خاضعة للدولة، محاربة وعنيفة بل وشريرة.


ــ ومن ذلك الجزء الذى لا تتحكم فيه الدولة تخلق «الدولة الفاشلة» وهنا تستطيع أن تتدخل أنت وتتحكم فى هذه الدولة.


ــ لاحظ أن الدولة لم تتلاشَ، فهى موجودة ولكن فى حاجة إلى أن يرعاها طرف ما قبل أن يتدخل من يختطفها ويتحكم فيها.


ــ كلمتان مهمتان جديدتان فى قاموسنا خلال الفترة القادمة هما «الحرب هى الإكراه» و»الدولة الفاشلة»


ــ هما ليس «حدثا» لكنهما عبارة عن «عملية» بخطوات تنفذ ببطء وبهدوء كافٍ.


ــ النتيجة إذا فعلت ذلك بطريقة جيدة ولمدة كافية وببطء كافٍ وباستخدام طرف حميد (أى من مواطنى دولة العدو) فسوف يستيقظ عدوك ميتاً.


وهذه هى حقيقة «الاستعمار الإلكتروني» وأساليب السيطرة على «دماغك» ومحاولات هدم وطنك باستخدام سلاح المسخرة سلاح العاجزين.