أبو الغيط المرشح الأوفر حظا لرئاسة الجامعة العربية: نبيل العربى يغادر الموقع الأقل تميزاً فى تاريخه

02/03/2016 - 1:19:51

ابوالغيط ابوالغيط

تحليل إخبارى تكتبه: نجوان عبد اللطيف

إعلان د. نبيل العربى الأمين العام لجامعة الدول العربية عدم رغبته فى الترشح لدورة ثانية لمنصب الأمين العام، وأنه سيغادر موقعه فى الجامعة فى يوليو القادم عند انتهاء فترة ولايته (٥ سنوات)، أثارت جدلاً فى الأوساط الدبلوماسية المصرية والعربية، حول لماذا رفض العربى ترشحه للولاية الثانية، وهل صحيح أنه تعلل بالمرض والسن ( ٨١ عاما)، ومن هو المرشح القادم من قبل مصر؟


وهل ستسعى دول عربية مثل السعودية لاختطاف المنصب، وعودة قضية تدوير منصب الأمين العام للجامعة العربية التى أثيرت من قبل؟


يبدو أن المسئولين المصريين استقروا على اسم وزير الخارجية الأسبق أحمد أبو الغيط كمرشح لمنصب الأمين العام للجامعة العربية خلفاً للدكتور نبيل العربى حيث أكد أحمد أبو زيد المتحدث الرسمى باسم الخارجية المصرية أن مصر سترشح اسماً ذا ثقل سياسى كبير وكانت الأسماء المطروحة أو التى تتردد لشغل المنصب هى سامح شكرى وزير الخارجية الحالى، ونبيل فهمى وزير الخارجية السابق، ولكن رؤى أن اختيار سامح شكرى سيترك فراغاً فى الخارجية، فى ظل ظرف مصرى صعب ومن ثم الأفضل بقاؤه فى الخارجية، نبيل فهمى الذى رفض قانون التظاهر إبان وجوده فى الوزارة، فهو ليس الأنسب من وجهة نظر الذين يختارون أحمد أبو الغيط ويبدو أن الأمر استقر على ابن المدرسة الدبلوماسية المصرية والذى عمل مع بطرس غالى أيام كان وزيراً للدولة للشئون الخارجية، وشغل منصب الممثل الدائم لمصر فى الأمم المتحدة، ويتميز بدماثة الخلق والرقى فى التعامل وقدرة على التواصل مع البشر.


يقول د .أحمد يوسف أحمد أستاذ العلوم السياسية ومدير معهد الدراسات العربية سابقاً: الوزير أبو الغيط يمتلك خبرة دبلوماسية عريضة، ولكنها فى المجال الدولى، أما خبرته فى المجال العربى فهى محدودة، وكنت أرى طالما قررنا ترشيح أشخاص كانوا مسئولين فى عهد حسنى مبارك أن نستعين بشخص مثل د. مفيد شهاب لديه خبرة سياسية، قانونية وعربية عميقة، وهو عروبى قومى، هذا جزء أصيل فى تكوينه الفكرى، ولديه من الصفات الشخصية ما يؤهله للتعامل مع التحديات الموجودة حيث لديه فهم للإطار الإقليمى والعالمى فى ذات الوقت.


المهم أن تحتفظ مصر بآخر قشة لها فى الجامعة العربية، منصب الأمين العام، هذا من وجهة نظر المصلحة المصرية، وإن كنت أعلم أن أى أمين عام للجامعة لن يستطيع أن يفعل شيئاً مهماً، وسط التحديات الكبيرة الحالية.. صراعات عربية عديدة مشتعلة بالغة التعقيد، والاستقطاب السياسى داخل الجامعة العربية بين دولها والذى وصل إلى حالة غير مسبوقة ويكفى ما يحدث الآن من السعودية ومن خلفها دول الخليج تجاه لبنان، والتى يمكن أن تمثل جبهة مع الجزائر ودول أخرى ..ليزداد الاستقطاب.


ولكن اسم سفير السعودية فى القاهرة ومندوبها الدائم فى الجامعة العربية أحمد القطان تردد لشغل المنصب، وهو ما يثير قضية تدوير منصب الأمين العام من جديد؟


د. أحمد يوسف يرى أن التدوير ليس مخالفاً لميثاق الجامعة، ولكن جرى العرف على أن يكون أمين عام الجامعة من دولة المقر التى هى بحكم الميثاق مصر، وعندما نقلت إلى تونس فى ظرف استثنائى كان الأمين تونسيا، بالحفاظ على هذه القاعدة كعرف وليس كقانون.


ويرى كثيرون أن السعودية لن تفعل هذا لأنها لا ترغب فى إغضاب النظام فى مصر، ولأنها تستطيع أن تفرض سيطرتها كما فعلت من قبل حتى والأمين العام مصرياً بسبب سطوة المال الخليجى على المنطقة فى السنوات السابقة على الجامعة ذاتها.


إذا اختير أحمد أبو الغيط سيكون الأمين العام السابع مصرياً والثامن عربياً؟


د .نبيل العربى هو الأمين السادس للجامعة العربية من المصريين بدأت قيادتهم مع نشأتها بعبد الرحمن باشا عزام ثم عبدالخالق حسونة فالوزير محمود رياض، ثم الوزير عصمت عبدالمجيد، وبينهما كان التونسى الوحيد الشاذلى القليبى والذى ترأس الجامعة فى فترة غياب مصر عن الجامعة وتجميد عضويتها بسبب توقيعها اتفاقية السلام مع إسرائيل فى ١٩٧٩، بعد أن تم نقل مقر الجامعة إلى تونس إلى أن عادت إلى القاهرة عام ١٩٩١ مع اختيار عصمت عبدالمجيد أميناً عاماً لها والذى خلفه فى قيادة الجامعة عمرو موسى ثم د. نبيل العربى آخر الأمناء السبعة عربياً الذى تولى المنصب فى سبتمبر ٢٠١١


جاء تولى د. نبيل العربى لأمانة الجامعة بعد خلو المنصب بقرار عمرو موسى عدم الترشح لفترة ثالثة بعد ١٠ سنوات قضاها فى أروقة الجامعة العربية، وكان موسى قد قرر عدم الترشح لفترة ثالثة قبل اندلاع ثورة ٢٥ يناير حيث قرر خوض الانتخابات الرئاسية واختار د. عصام شرف رئيس وزراء مصر د .نبيل العربى للخارجية فى وزارته ثانى وزارة شكلت عقب الثورة وإزاحة حسنى مبارك عن كرسى الحكم، حيث قضى حوالى شهرين فقط حقق خلالهما شعبية فى الشارع المصرى بتصريحاته عن ضرورة أن تقوم إسرائيل بتسديد المبالغ المستحقة لمصر فرقاً لأسعار الغاز الذى حصلت عليه بثمن بخس، كما استخدم لغة تحذير قوية لإسرائيل إذا ما أقدمت مرة ثانية على العدوان على غزة، كما أشار إلى احتمالات إعادة النظر فى قطع علاقاتها الدبلوماسية مع إيراين.


وهذه التصريحات ذاتها هى التى جعلت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل معاً غير راغبين فى استمرار العربى فى منصب وزير الخارجية.


وكان الحل هو إبعاده عن طريق توليه أمانة الجامعة العربية المعروف سلفاً أن الأمين العام فيها مكبل بالميثاق وبإطارها التنظيمى الذى لا يتيح له إلا فى إطار إرادات الدول العربية الفاعلة فى منظومة العمل العربى.


ويرجح البعض أن الدور الذى لعبته قطر فى تولى العربى الأمانة كان كبيراً، بداية من رفضها البات والمطلق لترشيح مصر للدكتور مصطفى الفقى للمنصب مما اضطر مصر لسحب الترشيح لاحقاً، خاصة بعد أن قررت قطر ترشيح عبدالرحمن بن حمد العطية أمين عام مجلس التعاون الخليجى وأصبح من المحتمل أن تفقد مصر منصب الأمين العام، وبغض النظر عن أن هذا الفقدان يعتبر فشلاً دبلوماسياً إلا أنه بالإضافة لذلك سيكون له دلالة سيئة على وضع مصر عربياً ودولياً بعد الثورة.


وقام رئيس الوزراء القطرى السابق حمد بن جاسم فى ذاك الوقت بلقاء مطول مع د .نبيل العربى فى مقر وزارة الخارجية المصرية، بإقناعه بتولى المنصب لمصلحة مصر ولإنهاء الأزمة بين قطر وبين السعودية التى كانت تدعم ترشيح مصطفى الفقى. 


هذا بالإضافة لمعلومات ترددت عن قيام الأمير حمد بن خليفة أمير قطر السابق بالاتصال بالكاتب الراحل محمد حسنين هيكل وكانت بينهما صداقة خاصة لتدخل هيكل لإقناع العربى بقبول المنصب، والمعروف أن نبيل العربى هو عديل الأستاذ هيكل وحمى ابنه أحمد.


د. نبيل العربى دخل عامه الواحد والثمانين وهو رجل ذو تاريخ دبلوماسى كبير حاصل على الدكتوراه فى القانون من جامعة أمريكية فى نيويورك وعمل سفيراً لمصر فى الهند، وممثلاً دائماً لمصر فى الأمم المتحدة فى نيويورك وفى جنيف من ١٩٨٧ إلى ١٩٩٩ وشغل عدة مناصب فى الأمم المتحد بعد ذلك، حتى انتخب فى ٢٠٠١ ضمن قضاة محكمة العدل الدولية وظل بها حتى عام٢٠٠٦، وأثناء هذه الفترة شارك من ضمن القضاة الذين أصدروا قراراً تاريخياً بإدانة الجدار العازل الذى أقامته إسرائيل لتفصل ما بين القدس والضفة الغربية، وتحولها إلى كانتونات منفصلة.


يقول د. أحمد يوسف أستاذ العلوم السياسية وعميد معهد البحوث والدراسات العربية سابقاً:


د .نبيل العربى كفاءة دبلوماسية وقانونية هائلة وأداؤه فى أى موقع شغله كان لافتاً، بداية من مفاوضات كامب دافيد، واتفاقية السلام التى عقدتها مصر مع إسرائيل، حيث حاول جاهداً أن يوقف اندفاع السادات للتسوية وفق شروط مجحفة، وهو ما جعل السادات يحمل له قدراً من الغضاضة على قدر ما أشيع، كما كان رئيس الوفد المصرى فى التفاوض فى قضية طابا، وهو الوفد الذى كان يضم قمما فى القانون الدولى أمثال د .وحيد رأفت ود. حامد سلطان ود. مفيد شهاب وهو العمل الذى يمثل علامة مهمة فى تاريخ مصر الحديث، يقدم نموذجاً للعمل الجاد الذى يحترم العلم ورجاله ويأتى بهم أياً كان الخلاف السياسى معهم .. إلا أن فى قضايا الأوطان الكل واحد.


وكان له دور مهم كقاض بين قضاة محكمة العدل الدولية فى إدانة بناء إسرائيل للجدار العازل ومطالبتها بهدمه وتعويض الفلسطينيين المضارين.


ولكن أداءه كأمين عام للجامعة كان الأقل تميزاً ولهذا أسباب كثر أن الجامعة العربية بداخلها ميكانيزم لوأد التطوير، حيث تجرى الاجتماعات وتستغرق المناقشات حول الاقتراحات وقتاً طويلاً، وبعد أن يتم التوافق عليها لاينفذ منها شىء .. هناك عيوب بنيوية فى نظام العمل.


وأداء الجامعة ليست له علاقة بكفاءة الأمين العام إلا فى حدود ضيقة، ولكنه مرتبط بإرادة الدول الأعضاء خاصة الفاعلة.. وأعرف أن الأمين العام تقدم بمبادرات من شأنها إيجاد نقلة نوعية للعمل العربى المشترك، ولكنه وجد ممانعة من الدول. 


ربما هذا كان وراء إحباط د. نبيل العربى، أشار إليه بعض المقربين أنه ناتج من إحساسه بالعجز تجاه تطوير منظومة العمل العربى المشترك خاصة وقد ألمح لذلك د .نبيل العربى فى تصريحه الأخير الذى أعلن فيه انتهاء ولايته وطلبه من المسئولين المصريين عدم التجديد له، حيث قال إنه طالب وزراء الخارجية العرب فى أول اجتماع يحضره سبتمبر ٢٠١١، بضرورة تطوير وتحديث ميثاق الجامعة الذى كتب عام ١٩٤٤ وتمت إضافة ملامحه فيما بعد، وأنه كرر هذا الطلب عشرات المرات، حتى تكون الجامعة العربية منظمة معاصرة تستطيع مواجهة التحديات الجسام التى نراها حولنا وأنه أنشأ لجنة برئاسة الوزير الجزائرى الأخضر الإبراهيمى ووضعت تقريراً مهماً أقرته القمة العربية، وأن الأمر فى يد الدول العربية ويتوقف على إرادتها .


يقول د. أحمد يوسف أحمد: بالفعل هذه اللجنة برئاسة الأخضر الإبراهيمى عملت جهدا هائلاً وكنت مشاركاً فى عملها فى الجزء الخاص بالمنظمات العربية المتخصصة ورغم اعتماد القمة للتعديلات التى أقرتها، إلا أنها ظلت حبراً على ورق، لايوجد إرادة حقيقية لدى الأنظمة لتطوير عمل الجامعة، والعمل العربى المشترك.


لم يكن تعديل المياثق هو الإحباط الوحيد لدى د. نبيل العربى، بل كان اقتراح مصر بإنشاء قوة عربية مشتركة استناداً لاتفاقية الدفاع العربى المشترك والتى اقترحتها فى قمة شرم الشيخ حيث قال د .العربى: إنه تم عقد اجتماعين تاريخيين لرؤساء الأركان فى الدول العربية والموضوع مطروح لاتخاذ الدول القرار بشأن انشاء هذه القوة .


يعلق د .أحمد يوسف :كان من الواضح أن السعودية رافضة لهذا الإطار، بل إنها شككت فيه باستدعائها لقوة إسلامية فكانت القوة العربية المشتركة هى آخر ضحايا العمل العربى مثلما كان مشروع محكمة العدل العربية، الذى طرح منذ الخمسينيات وظل يتدحرج من خلال مقترحات ومشروعات متعددة وفى النهاية لاشىء .


ويكمل د .أحمد يوسف :عندما تولى د .العربى وزارة الخارجية لشهرين فقط كان أداؤه يتناسب مع ثورة ٢٥ يناير لكن الجامعة العربية اختطفته، فكان أداؤه فيها هو الأقل تميزاً بالنسبة للمواقع التى تولاها من قبل، ليس فقط بسبب طبيعة الجامعة التى سردتها من قبل، ولكن أيضاً لأنه تولاها فى فترة اضطراب عظيم وتطورات غير مسبوقة فى العالم العربى، فى سوريا وليبيا ومن قبلهما العراق ومن بعدهما اليمن، وظهرت حالة استقطاب حاد داخل العالم العربى والدول صاحبة النفوذ السياسى على رأسها السعودية كان لها موقف محدد بشأن الصراعات العربية، مثل موقفها فى سوريا المعادى للنظام (نظام بشار) مما أدى إلى اتخاذ قرار غير موفق بابعاد النظام السورى عن تمثيل سوريا أو أن يكون موجودا فى اجتماعات الجامعة، ومن ثم فقدت الجامعة أى قدرة للتأثير عليه، مع الأخذ فى الاعتبار أنه مازال يمثل سوريا فى المحافل الدولية ومنها الأمم المتحدة.


وأيضا فيما يتعلق بالأزمة اليمنية و»عاصفة الحزم «التى قررتها السعودية بعيداً عن الجامعة العربية، وأخذت الأزمة اليمنية برمتها منذ اندلاع الثورة حتى سيطرة الحوثيين بعيدا عن الجامعة، وجعلت اليد العليا فيها لمجلس التعاون الخليجى .


الأمين الجديد يأتى وآلية القمة العربية السنوية يعصف بها رفض المغرب لعقدها فى موعدها مارس القادم، وشبح التقسيم أصبح قاب قوسين أو أدنى من العراق وسوريا.


نبيل العربى وجد نفسه أضعف من التصدى لهذه التحديات الضخمة وقرر أن يقضى مابقى من عمره بعيدا على أن يشهد التقسيم وانهيار الوطن العربى الذى حلمنا بوحدته.. وحدة مايغلبها غلاب.