سيوة.. يا محلى طلعة شمسك بتفتح النوَّار!

02/03/2016 - 11:56:08

شيرين صبحى محررة المصور فى سيوة شيرين صبحى محررة المصور فى سيوة

تقرير: شيرين صبحى

“يا أجمل مدينة سيوة يا سيوة.. نخلك بينادينا سيوة يا سيوة، فيكى معبد آمون.. مشهورة بالزيتون، وبندعى رب الكون الخير علينا يدوم”.. أكثر من ١. ساعات تقضيها للوصول إلى سيوة، عن طريق مرسى مطروح الذى يبلغ طوله ٣.٢ كيلو متر، وهو الطريق الذى يسلكه كل من يريد زيارة الواحة الجميلة القديمة.


كان علينا أن نودع القاهرة ليلا، لنصل الواحة قبل الظهيرة، ساعات تقضيها فى الحافلة، تغفو وتستيقظ، لتجد كل ما يحيطك صحراء ممتدة صامتة، ترفض أن تبوح بأسرارها، تنعكس أشعة الشمس على رمالها الذهبية فتزيدها وهجا يبعث على الرهبة.


كان الطريق بعيدا، لكنه يمنينا بالهدوء والسكينة المنتظرة، فى تلك الواحة التى تمثل أحد المنخفضات فى الصحراء الغربية، والتى سميت فى العصر القديم “بنتا”، وفى العصر الرومانى كانت تدعى “واحة آمون”، بينما أطلق عليها العرب اسم “واحة الأقصى”. هنا تلال ذهبية تطل عليك فى صمت، تحرس النخيل الذى يتعانق مع أشجار الزيتون.


لن يثنيك السفر الطويل عن اللهو والمرح فور وصولك إلى تلك الواحة التى وصفها لنا يوما المقريزى قائلا “نصل الآن إلى بلد صغير يسكنه نحو ستمائة رجل من البربر يعرفون سيوة ولغتهم بالسيوية وتقرب من لغة زنانة وبها حدائق نخيل وأشجار زيتون وتين وبها الآن نحو عشرين عينا تسبح بماء عذب ومسافتها من الإسكندرية أحد عشر يوما ومن جيزة مصر أربعة عشر يوما وهى قرية يصيب أهلها الحمى كثيرا وتمرها غاية فى الجودة.


بيضة مسلوقة وطبق فول بالصلصة وجبنة وكوب زبادي، هو الفطار الرسمى فى الواحة، وسط الطبيعة الهادئة، تداعبك شمس الصباح بخيوطها الذهبية الناعمة، يحيطك النخيل من كل اتجاه، يغريك بتسلقه والوصول إلى ثماره، فهو ليس شديد الارتفاع، ما عليك سوى أن تضع ساقك وتبدأ فى التسلق، ليساعدك النخل على الصعود، فتفتح ذراعيك فى أمان وحرية.


هنا.. مرت كليوباترا!


قف احتراما للجمال! هنا سبحت الملكة كليوباترا أثناء زيارتها سيوة، لهذا أطلق اسمها على هذا الحمام الذى يعتبر أكثر المزارات شهرة فى الواحة. الحمام الذى يتكون من الحجر يتم ملؤه من مياه الينابيع الساخنة الطبيعية، ويقال أن العرائس يتحممن فيه قبل الزفاف. كذلك يطلق عليه أيضا اسم “عين جوبا” نسبة إلى الإله “جوبيتر”، أو اسم “عين الشمس” حيث تعتمد حركة المياه بها على حركة الشمس، فإذا اشتدت الشمس تميلا لمياه إلى البرودة، وإذا غابت الشمس تميز الماء بالدفء! تدخل المياه إلى العين من جميع النواحي، وتعتبر المصدر الرئيسى للمياه لأكثر من ٨٤. كيلو مربع من الحدائق والبساتين فى الواحة.


يقول هيرودوت “إذا كانت مصر هبة النيل، فإن السيويين هبة عيون الماء”، حيث تضم الواحة نحو ٢٢. عينا، إضافة إلى نحو ١٢.. بئر، وهو ما كان سببا فى إقامة عدد من مصانع تعبئة المياه التى تخرج من باطن الأرض. ومن أشهر العيون؛ أبو شروف، التى تتميز ببرودة مياهها طوال العام، وعين قريشت.


لوحة الغروب


كنا قبل موعد الغروب بساعتين، فى الطريق إلى بحيرة فطناس، تقابلك أشجار النخيل على الجانبين، سألت صديقي: بماذا يفكرك هذا المشهد؟ أجاب بكلمة واحدة: الغروب!


إنه الغروب ما كنا نبتغيه بالفعل من الذهاب إلى تلك البحيرة، لمشاهدة الشمس وهى ترحل عنا، فى وداعها ترسم السماء أجمل لوحة، وكأنها صلاة تؤديها وقت رحيل المحبوبة، على وعد قريب باللقاء!


سحر لا يقاوم، وهدوء لا يماثله مكان فى القاهرة المزدحمة التى لا تنام. البحيرة التى تبعد حوالى ٦ كيلومتر غرب سيوه؛ تعرف أيضا باسم “جزيرة الخيال”، وهى من مواقع السباحة المفضلة لدى سكان الواحة والسياح على حد سواء، وتقع على بحيرة بركة سيوة المالحة.


وسط “جزيرة الخيال” تشاهد عين للمياه من أجمل العيون الموجودة بالواحة، تحيط بها الكثير من أشجار النخيل، عمقها حوالى سبعة أمتار، إضافة إلى حوالى عشرة منابع تخرج منها الماء.


أجمل مشهد للغروب، لن تفوتك لقطات عدساتك الذكية من تخليد المشهد الرائق، “سيلفي” مع الشمس الغاربة، أو صورة وأنت تمدد ساقيك فوق الجسر الخشبي، قبل أن ترحل تاركا روحك تهفو هناك..!


حان موعد الطعام، لن نتناول طعاما قاهريا، هنا لكل شيء مذاقه المختلف حتى الطعام، ليس مطهوا فى الآوانى فوق بوتجازات الغاز، بل مردوما تحت الرمال على مسافة أمتار! إنها فراخ أو لحوم أبو مردم.


يغادرنا النهار، وأمام راكية النار، فى الليالى الباردة يلتف الزوار وأهالى الواحة، ينشدون الأغانى السيوية. بملابسهم البيضاء يجلسون أرضا ينشدون أغنياتهم الجميلة، على تصفيق الأيادى الملتفة، يرقص الرجال بدلا من النساء، فهنا لن ترى امرأة سيوية إلا فى خمار أو نقاب، تتوارى عن أعين أهل الواحة قبل أعين الغرباء.


هنا.. جاء الإسكندر


“بلدى بلد الاثار، مشهورة بالزوار، فيكى رحلة سفارى مشهورة بالأمان، شتا ولا صيف فى إكرام للضيف يا محلا طلعة شمسك بتفتح النوار”.. فوق هضبة أغورمى يقع معبد الوحى الذى بنى عام ٦٦٢ قبل الميلاد فى عهد الملك أمازيز أحد ملوك الأسرة ٢٦ ليكون مركزا لعبادة الإله آمون.


أراد قمبيز ملك الفرس الذى غزا مصر عام ٥٢٥ قبل الميلاد أن يقضى على كهنة آمون ومعبدهم، فأرسل جيشا من طيبة إلى منطقة الخارجة، وسُئل كهنة سيوة عن الجيش فكان ردهم أن “نبوءة الإله آمون انتقمت ممن أرادوا تحطيم معبده، فأرسل إليهم ريحا عايتة ردمتهم تحت رمالها”.


صدقت النبوءة ودفن جيش قمبيز المكون من ٥. ألف جندى فى الرمال وهم فى طريقهم لغزو المعبد للقضاء على عبادة الإله آمون، ولم يعثر أحد على أثره حتى اليوم. وازدادت من بعدها شهرة المعبد الذى كان يضم أكثر من ألف كاهن.


إنها بقايا معبد آمون أو معبد “التنبؤات”، الذى تم هدمه وأخذ حجارته لبناء المسجد الكبير فى الواحة، ويقال أن العرّاف اليونانى الشهير آمون كان يعيش فيه، فتوجّه إليه الإسكندر الأكبر مباشرة بعد وصوله إلى مصر للمرة الأولى عام ٣٣١ قبل الميلاد، ليحصل على مباركته. ويعتقد الكثيرون أن القائد المقدونى قد سأل عرّاف المعبد عما إذا كان “سيحكم العالم”، وكانت إجابة الكاهن “نعم، لكن ليس لفترة طويلة”.


على بعد أمتار، نصعد إلى قدس الأقداس، المكان المخصص للكاهن الأكبر، نسير على خطى القائد المقدونى الإسكندر الأكبر، نقتفى آثار أقدامه، عندما وصل إلى المعبد فوجد الكهنة يلوحون للشمس بأذرعهم. هنا دخل الإسكندر مشغولا ثم خرج مبتسما رافضا أن يبوح بما سمعه، لكنه بعدها نودى بالإسكندر ابنا للإله آمون وفرعونا على مصر.


لا توقظ الموتى!


توقف قليلا واتعظ من جلال الموت ورهبته، فأنت على جبل الموتى، تصعد بقدميك فوق رفات الراحلين السابقين، هنا رفات من مروا قبلنا، عبر آلاف السنين، تتخيل يوم توارى الثرى جوارهم.


مجرد صدفة حدثت عام ١٩٤٤ أثناء الحرب العالمية الثانية، كانت سببا فى اكتشاف تلك “الجبانة” الآثرية، عندما لجأ أهالى سيوة للاحتماء بالجبل فاكتشفوا تلك المقابر المتجاورة. جبل مخروطى الشكل ارتفاعه ٥. مترا، يتكون من تربة جيرية كانت المرفأ الأخير لأجساد من رحلوا.


الجبل بأكمله عبارة عن مقابر للموتى منحوتة على شكل خلية نحل من الحجر، على هيئة صفوف منتظمة ومتتالية بشكل هندسى يشبه شكل الواحة القديمة،و يرجع تاريخه إلى الأسرة ال-٢٦ ويمتد إلى العصر البطلمى والروماني. بين الفن المصرى القديم والفن اليوناني، جاء تصميم هذه المقابر، التى يوجد بعضها على عمق كبير، وكل مقبرة عبارة عن دهليز بشكل مستطيل ينتهى إلى فناء واسع مربع، يتفرع منه مجموعة فتحات مخصصة لوضع الموتي.


على أعلى الجبل يمكنك مشاهدة لوحة رائعة الجمال للواحة القديمة، تسكن فى هدوء ودعة. أما أجمل المقابر الموجودة حتى الآن فهى مقبرة سى أمون، وهو أحد الأثرياء الاغريق الذى كان يتبع الديانة المصرية القديمة، وعاش ودفن فى سيوة طبقا لتلك الديانة. وتتمتع هذه المقبرة بمجموعة من النقوش البارزة وتضم رسما يمثل الآلهة نات وهى واقفة تحت شجرة الجميز.


مقبرة أخرى أطلق عليها اسم مقبرة التمساح، نسبة للرسوم المنقوشة عليها التى تمثل شكل تمساح أصفر اللون يمثل الأله سوبيك، وتمثل هيكلا أشبه بكهف مكون من ثلاث حجرات ولم يتم التعرف على صاحب هذه المقبرة حتى الآن ومقبرة أخرى تسمى ثيبر باثوت وهى مزينة برسومات ونقوش ساحرة مصبوغة باللون الأحمر الذى يغلب على الأوانى الفخارية المستخدمة فى سيوة حتى الآن ويرقد فى تلك المقبرة تابوت حجرى موضوع على أرضية غرفة الدفن.


من جبل الموتى إلى بحر الرمال كانت وجهتنا، فى السفارى يتسع أمامك الأفق، فإن ضاقت نفسك فعليك بالخروج إلى الصحراء الشاسعة. هنا بداية البحر العظيم، حيث الرمال البيضاء الناعمة، برودة لذيذة تحت أشعة الشمس الحارقة، تشعر بها عندما تمسك الرمال بيديك. داخل عربات الدفع الرباعية المجهزة للسير فى الصحراء، تسير السيارات فى سرب واحد، لا يتخلفون عن بعضهم، حتى إن غياب أحدهم تستدعى أن ينتظره الآخرون. هذا السرب يختار له قائدا مسئولا عنهم، غالبا هو أقدمهم فى المهنة.


تتوقف السيارات بعد رحلة مثيرة تعلو وتهبط فوق المرتفعات الرملية التى يتغير شكلها دائما بفعل الرياح، لهذا لا يعتمد السائقون على شكلها ليهتدون إلى طريقهم. نبدأ فى التزلج على الرمال، حتما يسقط أغلبنا دون النجاح فى التحكم على “البوورد”.


من الرمال العالقة فى ملابسنا، نغتسل فى إحدى العيون الكبريتية الساخنة التى تصل درجة حرارتها إلى ٥. درجة مئوية، تسترخى عضلاتك وسط المياة المندفعة من باطن الأرض، لتطيب بشرة جسدك المنهكة.


المدينة القديمة


أنشئت سيوة فى أوائل القرن الثالث عشر الميلادي، وكان مكانها الأول على الأرجح هو أغورمى قرب معبد آمون، كما جاء فى المخطوطات السيوية، وكان على السكان أن يدافعوا عن أنفسهم ضد الغارات، حيث تضاءل عدد سكان الواحة حتى أصبحوا أربعين رجلا نتيجة لاعتداءات البدو من البربر والعرب، فقرروا ترك قريتهم المعرضة لخطر الغزو، وشيدوا قرية جديدة محصنة فوق جبل، لتحميهم من أعدائهم، وأطلقوا عليها اسم “شالي” وتعنى باللغة السيوية “البلدة”، ويرجع تأسيسها كما ورد فى المخطوط إلى عام٦.. هـ


١٢.٣م.


كان لشالى مدخلا واحدا فقط للاطمئنان على حسن الدفاع عن المدينة إذا هاجمها عدو من الخارج ومازال الباب قائما حتى الآن ويسمى الباب “أنشال” بمعنى باب المدينة، ثم فتح باب ثان فى الجهة الجنوبية وسمى الباب “أترات” أى الباب الجديد، وكان يستخدم لرؤساء العائلات الذين يفضلون تحاشى المرور أمام الأجواد، وكانوا يقصدون مجلسهم اليومى على مقربة من المدخل الرئيسى للمدينة.


لم يكن الباب الجديد معروفا سوى لأهل سيوة، وهو ما أعطاهم فائدة كبيرة كلما تعرضت مدينتهم لهجوم أو لحصار، فكانوا يستخدمون هذا الباب سرا للخروج أو الدخول. وكانت عادة أهل سيوة هو عدم السماح للنساء بالخروج من أسوار المدينة ولكن مع مرور الزمن كانوا يسمحون لبعضهن بالخروج للمساعدة فى العمل أو لنقل ما يلزم من الوقود.وكان يتحتم على هؤلاء النساء ألا يمررن من أمام الأجواد.ولذلك استقر الرأى على فتح باب ثالث للنساء بعد مرور قرن من الزمان سمى باب “قدوحة” نسبة إلى صاحب الدار التى تواجهه. كان أهل سيوة يشيدون منازلهم بالكرشيف وهو طين مأخوذ من الأرض المشبعة بالملح، وإذا جف يصبح شبيها بالأسمنت فى صلابته ولهذا ارتفعت بعض منازل سيوة القديمة إلى سبعة أو ثمانية طوابق، كما يذكر د. زاهى حواس، وزير الآثار الأسبق.


هنا نشاهد المسجد العتيق، أهم العناصر المتبقية فى شالي، وهو أقدم مسجد أنشيء مع المدينة، على شكل مستطيل وبه مئذنة ضخمة من طراز الصوامع، متشابهة مع مآذن المساجد فى المغرب والأندلس.. هنا كانت تنطلق الصيحات بالآذان، وفى أحيان أخرى بالتحذير من عدو خارجي.


لكن تأتى السيول بما لا يشتهى أهل سيوة، لتنهار أجزاء كبيرة من القرية عام ١٩٢٦، فاضطر الأهالى إلى تركها، لكن أطلالها لا تزال باقية تحمل بين جنباتها حنين السيويين إلى مدينتهم القديمة.


ثلاثة أيام فى الجنة، تودع المكان من خلال جولة بالدراجة تطوف بها الواحة، يخرج الأطفال من بيوتهم يلوحون لك بأيديهم ويرددون “هالو” يلحقونها بالسؤال “How are you”، لم يلتحقوا بالمدارس بعد، لكنهم اعتادوا رؤية “الغرباء”، فألفوهم وألفناهم..!