علماء الاجتماع: الشقق الضيقة بوابة الانهيار الأخلاقى

02/03/2016 - 11:51:46

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

تحقيق: صلاح البيلى

قد تعجب عندما تمد يدك من شرفة أحد الشقق لتسلم على جار لك يقف في شرفة العقار الذي يقابلك».. هذا هو حال العديد من المناطق العشوائية في مصر، التي انتشرت بها بشكل كبير عقارات ملاصقة لبعضها في شارع عرضه لا يسع مرور سيارة. علماء الاجتماع أكدوا أن «الشقق والحواري الضيقة هي بوابة الانهيار الإخلاقي في المجتمع». ولفت العلماء إلى أنه نظرا لإنعدام الخصوصية في هذه الأماكن يتحول الشخص لشخص أناني «ساخط» على المجتمع، لأنه ليس له مكان مخصص له فينتج عن ذلك فساد وجرائم وانحرافات سلوكية


من جانبها، قالت الدكتورة نسرين البغدادى، رئيس المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، إن سكان العشوائيات والشقق والشوارع الضيقة والحوارى هم أسرع من غيرهم للانهيار الأخلاقى، رغم أن انهيار الأخلاق أصاب المجتمع كله من صغيره لكبيره، ومن سكان العشوائيات لسكان الكمباوند والمنتجعات المغلقة؛ لكن عندما تنعدم الخصوصية فى المكان ويصبح الفرد مشاعاً على الملأ يتصرف وفقاً لمكانه، فتظهر الأنانية بشدة لأنه ليس له مكان مخصص له، فهو ليس له غرفة مستقلة ولا حمام صحى ولا مطبخ آدمى أو بلكونة كمتنفس لتهوية المنزل فيتحول البيت لسجن لا حرمة فيه لكبير أو صغير، لافتة إلى أن هذا ينتج أخلاق فاسدة، فلا مكان لأي واذع دينى أو ضمير، فيضطر الزوج لمعاشرة زوجته أمام أولاده، مما يؤثر عليهم بآثار نفسية واجتماعية خطيرة عندما يكبرون، فينتشر التحرش الجنسى والاغتصاب وزنا المحارم والشذوذ الجنسى.


«لا عيب ولا حرام»


«البغدادي» تابعت: بالضرورة ينتج عن ذلك البلطجة وإدمان المخدرات، وكل شىء يسقط فى بئر الحرمان والإدمان والإجرام، لأن القيم المتوازنة والمتفق عليها مثلما نقول «عيب وحرام وخطأ اختفت». 


ودافع «البغداي» عن أنه ليس كل المساكن الضيقة أو العشوائية تكون سبب في الإنحراف، بقولها: بيوت الفلاحين والصعايدة بالقرى كانت صغيرة وضيقة من الطين وكانت بلا مرافق أساسية، ومع ذلك نجح أجدادنا فى تنشئة الأبناء تنشئة اجتماعية سليمة وحافظوا على كيان الأسرة من الانهيار لعقود طويلة، فنوعية المسكن ليس له علاقة مباشرة، بديل أن هناك فقراء كثيرين ملتزمين ونشأوا فى ظروف بالغة السوء وأصبحوا قادة وزعماء سياسيين وأدباء.. فالتنشئة القاسية أحياناً تدفع الأبناء للتحدى.


«ظهور الانحرافات»


في غضون ذلك، قال الدكتور منصور مغاوري، مستشار قسم بحوث المجتمعات الريفية والصحراوية بالمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، إن انتشار ونمو المناطق العشوائية والفقيرة والشعبية كمناطق سكنية ضيقة وغير مخططة، أدي لزيادة معدلات الفقر والبطالة وانخفاض مستوى المعيشة، وزيادة التسرب من التعليم، كذلك انخفاض مستوى الخدمات الأساسية، وظهور الانحرافات السلوكية كالفساد والمخدرات، لافتا إلى أن هذه الظاهرة نشأت منذ الستينيات وبلغت الذروة في السبعينيات مع الانفتاح الاقتصادي وزيادة أعداد النازحين من الصعيد وقري بحري، سعيا وراء الحياة بالمدن وهو رواج زائف، مما نتج عنه الاقتصاد العشوائي والمجتمعات العشوائية علي أطراف المدن الكبري ويسكنها نحو ١٣ مليون فرد وهي نسبة كبيرة جداً من سكان الحضر وهي تمثل ٤٦٪ من سكان الحضر!.


«المساكن القزمية»


وأضاف «مغاوري» أن هناك خمسة تصنيفات للمجتمعات العشوائية هي أولاً، المساكن الجوازية مثل العشش والأكواخ وبيوت الصفيح، وهي ليست مساكن بالمعني الحقيقي ويلجأ إليها الفقراء باستخدام مخلفات المواد الصناعية ومواد البناء الرخيصة وتسمي بالمساكن القزمية، وثانياً الأحياء المتداعية أو الأحياء السكنية القديمة في المدن والتي تعاني من تدهور المرافق والخدمات وارتفاع الكثافة السكانية وعدم وجود وسائل للصيانة، وثالثاً المساكن المقامة على الأرض الزراعية في تقسيمات غير معتمدة وبدون ترخيص وبلا مرافق وهي ظاهرة غير عرضية حيث انتشرت مؤخراً لغياب دور الدولة في توفير المسكن الملائم، رابعاً إسكان الغرفة المستقلة والتي تتمثل في معيشة أسرة كاملة في غرفة واحدة كجزء من وحدة سكنية تشترك في منافعها مع أسر أخرى وتمارس كل أنشطتها الحياتية في نفس الغرفة، خامساً إسكان المقابر ويشتمل علي المناطق السكنية المتداخلة مع الجبانات وسكن أحواش المقابر، موضحا أن من أبرز خصائص هذه التجمعات رداءة مستوى البناء وضيق الشوارع وعدم وجود مواصلات داخلية محترمة وافتقارها للمرافق الأساسية من كهرباء ومياه وصرف صحي وانتشار الورش الحرفية والصناعات اليدوية والأسواق العشوائية، فضلا عن تصدير هذه المناطق لأطفال الشوارع.


وتبين من دراسة ميدانية على «عشش» منطقة الشرابية، والكلام للدكتور مغاوري، انتشار الحيوانات ولعب القمار وتعاطي المواد المخدرة والخمور وانتشار المشاجرات اليومية بالسنج والمطاوي والأسلحة، لافتا إلى أنه تكثر تجمعات اللصوص والمنحرفين وهو ما يمثل عرضاً يومياً مفتوحاً أمام الصبية والصغار لتعلم هذه السلوكيات وتقليدها بداية من سرقة الأمتعة الخفيفة من الحجرات المجاورة، مرورا بتكوين تشكيلات عصابية تمارس أنشطتها في مناطق أخرى ثم تعود بالحصيلة، كما تعتبر هذه المناطق السكنية إحدى بؤر تصدير الجريمة والانحراف إلى أنحاء العاصمة!.


وتابع بقوله: يتعرض سكان العشش وحجرات الإيواء والشقق الضيقة للعديد من ممارسات المنحرفين ومن أبرزها، التلصص على النساء من الفتحات ومهاجمتهن، فضيق المسكن والغرفة والشارع والحارة مع عدم وجود إضاءة كافية والتصاق الحجرات والعشش والوحدات يجعل المرور في غاية الصعوبة خاصة أثناء الليل الذي يعد مجالاً زمنياً مثالياً لارتكاب الجرائم من تعاطي مخدرات وسرقة وممارسات جنسية طبيعية وشاذة.


«آليات التكيف»


من جهته، أوضح الدكتور كامل عبد المالك، الخبير بقسم المجتمعات الريفية والصحراوية بالمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، إنه من واقع دراسته الميدانية لآليات التكيف مع الفقر في القرى الفقيرة في محافظة الشرقية، تبين له أن المساكن تفتقد التخطيط والخدمات والحواري والشوارع ضيقة جداً، وتم تقسيم المساكن لثلاثة أنماط، أولها المساكن الطينية أو العشش من الخشب والجريد لشديدي الفقر وهي مفروشة بالحصير البلاستيك ولا وجود لحمام مستقل أو مطبخ ويقضون حاجتهم بالخلاء، وثانياً مساكن متوسطي الفقر من الحجر الجيري الأبيض أو بالطوب الأحمر المسقوف بالخشب أو الأسمنت وغالباً ما يوجد غرفة نوم للأبوين بها سرير ودولاب وصالة بها كنبة للضيوف وبه دورة مياه وحظيرة للطيور والماشية، وثالثاً المساكن بالطوب الأحمر والخرسانة وتتكون من دور أو دورين، مضيفا: أنه حالة زواج أحد الأبناء يقوم الأب ببناء حجرة أو حجرتين فوق سطح المسكن للعريس الجديد وتصبح سكنه وأولاده ومضيفته لاستقبال الزائرين.