الكونجرس الأمريكى والإخوان .. ودليل الاتهام

02/03/2016 - 11:05:39

مطاريد «المحظورة» فى ضيافة «واشنطن».. الكونجرس ضحك على «الجماعة» مطاريد «المحظورة» فى ضيافة «واشنطن».. الكونجرس ضحك على «الجماعة»

كتب - السفير د. رضا شحاتة

حتى لو كان مشروع القانون الذى صدقت عليه «اللجنة القضائية» فى مجلس النواب الأمريكى قد جاء متأخرًا وفى سياق معركة انتخابات رئاسية يحتل فيها الخطر، الذى يمثله المتطرفون المتأسلمون» جانبًا هامًا فى تقرير مصير الرئيس الجديد فى الفوز أو الانعكاس، فان الكونجرس الأمريكى» قد بدأ الخطوة الأولى الجادة فى طريق لم يزل طويلًا وشاقًا فى المستقبل المنطور.


ـ مشروع القانون اجتياز العقبة الأولى فحسب على مستوى إحدى اللجان فى مجلس النواب حركة فى الأساس النواب الجمهورين لوصف جماعة الإخوان المسلمين بالجماعة الإرهابية، وكان التصويت كما أعلن أعلبية ١٧ عضوا مقابل عشرة أعضاء لمطالبة وزارة الخارجية الأمريكية بأن تصف الجماعة بالإرهابية أو أن تشرح بشكل رسمى أسباب رفضها لذلك أن كانت سوف تمتنع عن ذلك الوصف.


وقد كان استهلال رئيس اللجنة القضائية النائب الجمهورى «بوب جودلات» ذكيا وشديد التأثير، حيث استشهد بوثيقة دامغة (حول الهدف الاستراتيجى العام للجماعة فى أمريكا الشمالية)، وقد عثرت على الوثيقة الأجهزة الأمنية فى إحدى غاراتها وكان الإخوانى «محمد أكرم عدلونى» هو الذى وضع الوثيقة ووصف عمل الجماعة فى أمريكا بأنه (نوع من «الجهاد الأكبر» من أجل إزالة ومحو وتدمير الحضارة الغربية من الداخل وتخريب بلادهم بأيديهم وأيدى المؤمنين (كما ورد بنص الورثيقة).


ـ وأشار رئيس اللجنة فى دفاعه عن مشروع القانون بأن جماعة الإخوان تحرص على التخريب وأكد أن وصف الجماعة بالإرهابية سوف يرغم الإدارة على حرمان أعضائها من دخول الولايات المتحدة، وكانت قد دارت معارك سابقة بين الإدارة والكونجرس بسبب السماح لأعضاء من الإخوان المسلمين من قبل بدخول الأراضى الأمريكية (القيادى الإخوانى جمال بدوى، والقيادى الإخوانى طارق رمضان، الذى كان له تأثير واضح فى توفير التمويل للمنظمات المرتبطة بتنظيم حماس.


وكان من المثير حقًا أن يكشف الجدل الذى دار فى اللجنة كيف أن بعض كبار الباحثين والمفكرين الأمريكيين المتخصصين فى الشأن الإسلامى لهم صلات قوية وعلاقات عمل ومصالح مع تنظيم الإخوان المسلمين ويعملون لصالحهم والترويج لدعايتها والتأثير فى قرارات الادارة والبيت الأبيض، ومنهم البروفيسور (جون إسبو سيتو) الاستاذ بجامعة «جورج تاون» ومنهم مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية المعروف اختصارًا باسم»كير» CAIR»


وكان البروفيسور إسبوسيتو مستشارًا لتنظيم «حماس» من خلال مركز الدراسات والبحوث الإسلامية، الذى يتولى تمويله نائب رئيس تنظيم حماس موسى أبو مرزوق، وكان أستاذ جامعة «جورج تاون»، كذلك مرتبطًا بالمعهد الدولى للفكر الإسلامى والمرتبط بتنظيم القاعدة وحماس وتنظيم الجهاد الإسلامى، وكرس هذا الأستاذ دراساته وأبحاثه للدفاع عن الإخوان والرد على أى اتهام لهمبالاهاب، بل والرد على ماجداء فى تقرير رئيس الوزراء البريطانى ديفيد كاميرون عن تنظيم الإرهاب الإخوان فى بريطانيا منذ شهور قليلة، والمثير أيضًا أن مؤسسة بحثية أو علمية مثل «مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية» لا تكتفى فقط بدعم الإخوان المسلمين ـ كما اوردت المذكرة التفسيرية لمشروع القانون الأميريكى، بل انها امتداد لتنظيم الإخوان المسلمين فى الولايات المتحدة.


كانت الوثيقة الدامغة التى أتاحتها المباحث الفيدرالية (إف بى آى) قد وصفت هذه المؤسسة بأنها تنظيم سرى اسسته جماعة الإخوان (أكتوبر ١٩٩٣ فى أعقاب اجتماع فى قيلادفيا طبقًا لتقرير وزارة العدل الأمريكية).


وكشف التقرير أن النائب الذى عارض مشروع القرار (ووصفه بأنه إنما يعكس شهور العداء ضد الإسلام)، هذا النائب له تاريخ طويل من العلاقات مع المؤسسة الأمريكية البحثية (كير) ذات الارتباط الوثيق بجماعة الإخوان، وأنه تلقى (طبقًا لتقرير برنامج منتدى الشرق الأوسط) (النائب هو جون كونيرز) الآلاف من الدولارات من أفراد منتمين لجماعة الإخوان المسلمين ويؤكد النواب الجمهوريون فى مجلس النواب أن دافعهم المتبقى لاتهام الإخوان المسلمين بأنهم يمثلون جماعة إرهابية هو حرصهم على الدفاع عن أمن الولايات المتحدة حتى وإن كان نقاد لحزبه الجمهورى يرددون بأن دافع الحزب مثل هذا التحرك يتمثل فى المثلث العربى مصر، والإمارات والسعودية، وكذلك المرشح الرئاسى (دونالد ترامب).


وحتى لو كانت فرص تمرير هذا المشروع محدودة أو حتى ضئيلة، فلا شك أن هذا الاتجاه يلقى الترهيب والدعم من (أصدقاء الولايات المتحدة)، ومن بينهم الرئيس السيسى، كما تصفه بعض وسائل الإعلام الموالية للجمهوريين، والمعروف بمواقفه المتشددة والرافضة لجماعة الإخوان المسلمين، وذلك هو ما يحاول أن يروج له دعائيًا أحد رؤساء مراكز البحث الإخوانيةـ. الذى يدعة «منجى الداوودى» مركز دراسة الإسلام والديمقراطية ـ أحد مراكز الأبحاث فى واشنطن، الذى يسعى للترويج بأن «الإخوان جماعة سلمية» بعيدة عن العنف، ويزعم أن الرئيس السيسى ودولة الإمارات العربية يقفان وراء الدفع بمثل هذا المشروع داخل مجلس النواب الأمريكى.


على أنه من المنطقى والمعقول فى مثل هذا السياق القول بأن المناخ السياسى، الذى يحيط بالحمة الانتخابية الرئاسية قد لعب دورًا مؤثرًا خاصة أن المرشح الجمهورى (تيد كروز) عن ولاية تكساس قد تقدم بمشروع قانون مماثل فى مجلس الشيوخ الأميريكى، بل إن النجاحات الانتخابية، التى حققها المرشح الرئاسى الجمهورى (دونالد ترامب) فى حملته فى مراحلها الابتدائية (لاختيار مرشح واحد للحزب الجمهورى) (المطالبة بحظر دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة حتى تتحقق السلطات من انتماءاتهم» هذه النجاحات الكاسحة قد كشفت عن هواجس وشواغل الناخب الأمريكى من حيث إن السلطات تجهل الكثير عن أنشطة وهوية الإرهابيين المحتملين، والواضح أن التصويت بتأييد مشروع القانون الأخير فى اللجنة القضائية لمجلس النواب تدل على أن هذا الموقف يعكس اتجاهات التيار العام للحزب الجمهورى.


ولنقرأ بكل دقة ما قاله رئيس اللجنة الداعمة لهذا المشروع «بوب جودلات» إذ يقول بالحرف «إن تبنى الماعة للإرهاب يمثل خطرًا داهمًا وحقيقيًا على حياة الأمريكيين وعلى الأمن القومى للولايات المتحدة وأن توجيه الاتهام للجماعة بالإرهاب كان يجب أن يتم منذ زمن طويل»، الأمر الذى يفرض قيودًا تحظر دخول عناصر الجماعة إلى الولايات المتحدة».


كذلك يؤكد النائب الجمهورى (ماريو دياز بالارتى) الذى تبنى المشروع بأن سجل الجماعة منذ نشأتها عام ١٩٢٨ فى مصر معروف للإدارة الأمريكية وأن (إدارة الرئيس أوباما) رغم ذلك مازالت ترسم (صورة وردية) للجماعة، «وكان يكفى أن تقرأ تاريخها وسجل نشاطها» ويشير نفس النائب أن المشروع لاعلاقة له بأى تأثير أو ضغوط من مصر أو الامارات، وان كانت ثمة تقارير تشير الى مكتب ذلك النائب ظلت على اتصال (بجاماعات الضغط التى تعمل لصالح مصر وحكومة السيسى فى واشنطن.


ولعل الأخطر والأبعد تأثيرًا ـ ولو على المدى البعيد ـ تلك القائمة المطولة المستفيضة التى أرفعتها اللجنة لمشروع القرار حول دور الإخوان المسلمين فى ارتكاب الجرائم الإرهابية فى دول العالم بما فيها مصر حيث وجه الإخوان إرهابهم ضد الحكومة، وداخل الولايات المتحدة، حيث عملت على توفير التمويل للإرهاب ولتجنيد الإرهابيين.


ومع أن هذا المشروع يمثل خطوة هامة فى طريق طويل معقد لم تزل ثمة عقبات كثيرة لابد من اجتيازها بما فى ذلك «لجنة الشئون الخارجية» فى المجلس وغيرها من اللجان ذات الصلة، خاصة أن النائب الجمهورى «ماريو دياز»، هو الذى تبنى المشروع وقدمه ودافع عنه مؤيدًا من ثمانية وعشرين آخرين، أما فى مجلس الشيوخ فان المشروع قد تبناه النائب الجمهورى (المرشح الرئاسى) (تيد كروز)، فالمعركة تظل مفتوحة داخل الكونجرس والإدارة الخارجية والبيت الأبيض والإعلام الأمريكى واللوبى المتشعب لجماعة الإخوان فى الدوائر الأمريكية المختلفة، خاصة قبيل تقديم المشروع. وكان مشروع القرار الأصلى قد سرد نشاط الإخوان الإرهابى فى سوريا وروسيا ومصر والسعودية والإمارات والبحرين، وذلك لدفع الإدارة الأمريكية بأن تحذو حذو تلك الدول فى توجه الاتهام للجماعة بالإرهاب أو بوصفها بأنها جماعة إرهابية)، وان كانت اللجنة فى الصياغة النهائية للمشروع قد حذفت مثل هذه الإشارات».


على أن مثل هذا التحليل لمواقف واتجاهات الأعضاء الجمهوريين المؤيدين أو الديمقراطيين المعارضين للمشروع فى اللجنة لن يلغة ما جاء من إدانة دامغة قاطعة للجماعة من خلال وثائقها التى قدمها «مكتب المباحث الفيدرالية» بأن جماعة الإخوان المسلمين أيدت الإرهاب الإسلامى تأييدًا مباشرًا من خلال الدعم المالى والابتزاز.


هذا المشروع من الناحية التنفيذية والقانونية سوف يترتب عليه ـ حين يصدق عليه المجلس كله ثم مجلس الشيوخ أن تخظر الإدارة دخول العناصر المنتمية للتنظيم والأشخاص، الذين يقدمون لها الدعم المادى وإلا تعرضوا للعقوبات الجنائية، وكذلك تقوم وزارة الخزانة باستقصاء وتحقيق فى أصول المؤسسات المالية الأمريكية التى تحتفظ بودائعهم بغرض تجميد هذه الأصول وكافة المعاملات فيها.


وقد قام النائب الجمهورى بمسار لم يكن متوقعًا من أحد النواب الأمريكيين القيام به، وهو التأكيد بأن الجماعة لم تزل تشكل خطرًا عالميًا وأن الحركة الجهادية تدعم وتمول الشبكات الإرهابية فى العالم بأسره بما فى ذلك تنظيم القاعدة وتنظيم حماس وأنه بات يتعين على الولايات المتحدة أن تقطع بأن الجماعة تنظيم إرهابى، وذلك فى إطار الحفاظ على استراتيجية الأمن القومى.


أما عن موقف الإدارة ـ البيت الأبيض ـ والرئيس أوباما ـ فظلال كثيرة من التساؤلات ومن الإشارات الخفية ـ ربما تكون مستوحاة من مناخ الحملة الانتخابية الرئاسيةـ فتدل ولو بطريق غير مباشر أنه خلال مدته الرئاسية اختار (مسجد بالتيمور) أول مسجد بنى فى الولايات المتحدة ليقوم بزيارته ـ حتى وإن كان قد زار من قبل مساجد عدة فى الخارج، لكن هذا المسجد معروف بارتباطاته بجماعة الإخوان المسلمين حيث تسيطر عليه مؤسسة (الأرض المقدسة) المعروفة بميولها الإخوانية الإرهابية والتى توفر التمويل لحماس ويتولى الإمامة فيه عضو ينتمى إلى جماعة الإخوان (محمد آدم الشيخ)، الذى ظل فى منصب الإمامة بهذا المسجد ١٥ عاما متتالية (من عام ١٩٨٣ ـ ١٩٨٩ ثم من عام ١٩٩٤ إلى عام ٢٠٠٣ وكان عضوًا فى جماعة الإخوان فى السودان خلال عقد السبعينيات وأسس (الجمعية الإسلامية الأمريكية)، التى تسيطر عليها جماعة الإخوان المسلمين أما المسجد فى (بالتيمور) الذى زاره (أوباما) فيحتفظ فى سجلاته بأسماء معروفة للإرهابيين والمنظمات الإرهابية (كان إمام المسجد فى التسعينيات يدعى (محمد الحانوتى) وقد وجهت له تهمة التآمر فى حادث تفجير «للمركز التجارى العالمى» الذى راح ضحيته ٦ أشخاص.


أولئك الأئمة الذين ينتمون لجماعة الإخوان المسلمين من خلال إمامة المساجد الأمريكية دافعوا وبرروا عمليات التفجير الانتحارية وقدموا لها الفتاوى (على نحو ما اوردته صحيفة الواشنطن بوست عام ٢٠٠٤).


وبالنسبة لوزارة الخارجية الأمريكية عليها أن تقدم تقريرها حول الأنشطة الإخوانية فى الولايات المتحدة وتاريخها داخل أمريكا وخارجها خلال ٦٠ يومًا (وللخارجية الأمريكية وصف وتعريف قانونى محدد للإرهاب) ينطبق حرفيًا على جماعة الإخوان المسلمين.


هذا التحرك فى سياق الحملة الرئاسية الأمريكية جعل من سياسة الولايات المتحدة الخارجية وعلاقاتها بالإرهاب الدولى ـ تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» ـ وفروعها وروافدها وتوابعها من التنظيم الأم الإخوان المسلمين، وأيديولوجية المستمدة من الفكر وممارسات القاعدة، وأنصار بيت المقدس وغيرها من «جبهة النصرة» وغيرها موضوعًا للجدل المحموم فى الانتخابات لاتصالها اليوم بالأمن القومى الأمريكى والمخاطر، التى يتعرض لها ولاتصال ذلك كله بأخطار الإهاب والتطرف الدموى الذى بات يدق أبواب الدول الحليفة فى أوربا فرنسا وبلجيكا وبريطانيا وأسبانيا وإيطاليا ثم الصديقة فى المشرق العربى فى مصر والعراق والأردن والسعودية والإمارات والدول المهمشة مثل ليبيا وتونس، بل وماوراء جنوب الصحراء فى إفريقيا نيجيريا والقرن الإفريقى فى الصومال وكينيا وغيرها.


أما فى السياق الأمريكى الداخلى وعلاقات هذا لجماعة تاريخيًا بالإدارة الأمريكية منذ الخمسينيات فى القرن الماضى حتى اليوم فيكفى أن نقرأ الوثائق الأمريكية الرسمية، التى تصدر سنويًا عن وزارة الخارجية عن (علاقات أمريكا الخارجية)، والتى اطلع عليها كاتب هذه السطور بنفسه أثناء إعداده رسالة الدكتوراه فى الولايات المتحدة حين قدم له الأرشيف القومى الأمريكى فى واشنطن ملفات الإخوان المسلمين وعلاقاتهم بالسفارة الأمريكية والخارجية الأمريكية وتقاريرهم ونشاطاتهم، التى كانوا يطلعون السفارة الأمريكية فى مصر عليها أولًا بأول، كما اطلع عليها كاتب هذه السطور بنفسه فى دار المحفوظات البريطانية العامة فى رتشموند فى لندن فى بداية الثمانينيات وهى أوراق بخط اليد فى الملفات الخاصة بتقارير السفارة البريطانية وفى مصر عن أنشطة الإخوان وقياداتهم المتآمرة ضد أمن الوطن.


ليس فيما ناقشه مجلس النواب الأمريكى وفى مشروع قراره جديد يفاجئ من درس تاريخ الإخوان المسلمين فى وثائق واشنطن ولندن وقرأ شهادات سفراء الدولتين ووصفهم الحقيقى للجماعة التى للأسف كانت عاصمة الدولتين فى بعض الأوقات أدوات وذرائع لتنفيذ بعض أهدافها السياسية الاقليمية أو الداخلية أحيانًا.


وفى العصر الحاضر خرج علينا الكاتب الأمريكى (إيريان جونسون) منذ سنوات بدراسته بالغة الأهمية عن التاريخ السرى للإخوان المسلمين فى الولايات المتحدة، وهى إدانات كافية دافعة تكفى لتمرير هذا المشروع، ذلك إن كانت الإجارة والرئيس سوف يتخلون حقًا عن جماعة تربت وازدهرت فى ظل الرعاية الأمريكية عقودًا طويلة.


المعركة كادت تبدأ بتلك الخطوة الأولى ولم تنته بعد