مقاصد الشريعة الإسلامية (٢)

02/03/2016 - 10:33:17

د.سالم عبد الجليل د.سالم عبد الجليل

كتب - د. سالم عبد الجليل - وكيل وزارة الأوقاف سابقًا - أستاذ الثقافة الإسلامية بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا

سبق الحديث عن أن الشريعة الإسلامية جاءت لتحقق مصالح الناس بمراتبها الثلاث: الضروريات، والحاجيات والتحسينات... وذكرنا أن الضروريات هى الأمور التى لا يستغنى الناس عن وجودها بأى حال من الأحوال. وأنها خمس: الدين، النفس، العقل، العرض، المال .. وقد سبق الحديث عن ثلاث وهى: الدين والنفس، والعقل.. وفى هذا المقال نتناول ضرورة حفظ العرض (النسل): أحيانًا يعبر العلماء عن العرض بالنسل والعكس، وأحيانًا يفصلون فيذكرون العرض ويقصدون: حفظ الشرف والسمعة من التعرض لها بأذى أو اعتداء من قذف أوغيره. وقد ورد ذكر الأعراض فى السنة النبوية الشريفة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام... « وقال أيضًا: «كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه».. فالعرض موضع المدح والذم من الإنسان فى نفسه أو من يلزمه»


ويقصدون بالنسل: حفظ النوع الإنسانى على الأرض بواسطة التناسل، لتستمر الإنسانية على الأرض حتى أذن الله بفناء العالم ويرث الأرض ومن عليها.


ومن أجل تحقيق هذا المقصد شرع الإسلام ما يلى:


الترغيب فى النكاح والحث على التكاثر:


الزواج هو الطريق الفطرى النظيف الذى يلتقى فيه الرجل بالمرأة لإشباع دوافع غريزية إضافة إلى تحقيق هدف سام نبيل هوحفظ النوع الإنسانى وابتغاء الذرية الصالحة التى تعمر الأرض، قال صلى الله عليه وسلم: يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاء.. حديث صحيح «متفق عليه».


وجاء رجل إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال: إنى أصبت امرأة ذات حسب وجمال وإنها لا تلدأ فأتزوجها؟ قال: لا، ثم أتاه الثانية فنهاه، ثم أتاه الثالثة فقال: تزوجوا الودود الولود، فإنى مكاثر بكم الأمم». وهذا لا يعنى أن تترك المرأة التى لا تلد من غير زوج، بل لعل هذا السائل كان شابًا ولديه ميل فطرى إلى الإنجاب فخشى صلى الله عليه وسلم ألا يكون بينه، وبين تلك المرأة ود، فيقع الطلاق وهو أبغض الحلال إلى الله تعالى.


وعن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبى صلى الله عليه وسلم فلما أُخبروا كأنهم تقاّلوها، فقالوا: وأين نحن من النبى صلى الله عليه وسلم قد غفرله ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فأنا أصلى الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا فجاء رسول الله صلى


الله عليه وسلم فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أمَا والله إنى لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكنى أصوم وأفطر، وأصلى وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتى فليس مني.


تحريم قتل الأولاد:


قال تعالى: «وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ» سورة الأنعام، الآية: ١٥١.


تحريم التبنى والوعيد الشديد على نفى النسب أو إثباته على خلاف الواقع:


لقد حرم الإسلام عادة التبنى تحريما قاطعًا، وأوجب انتماء الأدعياء إلى نسبهم الحقيقي


لأن ذلك أقسط عند الله وأقوم فقال تعالى: وَمَاجَعلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِى السَّبِيلَ. ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَاللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِى الدِّينِ». سورة الأحزاب الآيتان: ٤، ٥.


وفى الحديث المتفق على صحته، قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْفِرَى أَنْ يَدَّعِى الرَّجُلُ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ».


تحريم الزنى:


لقد حرم الإسلام الزنى ووسائله من النظر المحرم والسماع المحرم والكلام المحرم لما فيه من انتشار الأمراض وانتهاك الأعراض واختلاط الأنساب من غير أقاربه، فيحصل بذلك مفاسد لا يعلمها إلا الله، ولخطورته نهى الله تعالى عن الاقتراب منه: فقال عز وجل: «وَلاَتَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلًا» سورة الإسراء، الآية: ٣٢.


ونؤكد أنه نهى عن الاقتراب، ولأجل هذا حرم كل مقدمات الزنى، وحث على اجتناب ما يؤدى إليه، من ذلك:


الحث على غض البصرعلى الرجال والنساء: قال تعالى: « قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلايُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْبَنِى إِخْوَانِهِنَّ أَوْبَنِى أَخَوَاتِهِنّ أَوْ نِسَائِهِنّ أَوْ مَا مَلَكَت أَيْمَانُهُنّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِى الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَال أَوِ الطِّفْل الَّذِين لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُو إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» (سورة النور، الآيتان: ٣٠، ٣١).


وضع الضوابط التى تنظم علاقة الرجل بالمرأة والشاب والفتاة فى حال اجتماعهم عند الحاجة.


النهى عن التبرج وإبراز المفاتن وعناصر الإثارة.


تحريم الخلوة بين الرجل والمرأة الأجنبية، لقطع الطريق على الشيطان ووساوسه.


حفظ حرمة البيوت، فلا يجوز دخولها دون استئذان أصحابها والسلام عليهم. قال تعالى» يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاتَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُواعَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌلَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيل لَكُم ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ».سورة النور، الآيتان: ٢٧، ٢٨.


النهى عن تشبه النساء بالرجال وتشبه الرجال بالنساء، ففى الحديث الصحيح: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم «الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ».


تحريم اللواط وغيره


من أشكال الشذوذ الجنسي:


اللواط والشذوذ الجنسى متفق على تحريمها بين جميع الفقهاء، وهو أمر تأباه الفطر السليمة، ولذا تجرمه العديد من التشريعات الوضعية لأنه من أشنع المعاصى وأعظم الجرائم، التى تخرج عن الفطرة السليمة، وعندما ابتلى به قوم عاقبهم الله بما لم يعاقب غيرهم من قبلهم. وتحرم اللواط جاء فى القرآن الكريم على لسان نبى الله لوط عليه السلام الذى قال الله حكاية عنه: «وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ.أَئِنَّكُم لَتَأْتُونَ الرِّجَال َ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُم قَوْم تَجْهَلُونَ. فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ. فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَ هُقَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ. وَأَمْطَرْنَاعَلَيْهِم مَّطَرًا فَسَاء مَطَرُ الْمُنذَرِينَ» (سورة النمل، الآيات: ٥٤: ٥٨).


وقال تعالى فى تفصيل العقوبة التى حلت بهم فى الدنيا: «فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ. فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيل»ٍ (سورة الحجر، الآيتان: ٧٣، ٧٤)


ويلحق باللواط فى التحريم كل أنواع الشذوذ الجنسى من السحاق وإتيان البهائم ونحوها لأنها خروج عن الفطرة السليمة.


تحريم السب والقذف:


القذف كبيرة من الكبائر المنصوص على تحريمها فى كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم الصحيحة. فقال تعالى: «وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ». سورة النور، الآية: ٤.


وقال صلى الله عليه وسلم فى الحديث المتفق على صحته: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَاهُنَّ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيم وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلاَتِ.


وذلك لأن السب والقذف فيه جناية على الرجل والمرأة، بل وعلى أسرتيهما وأقاربهما، وعلى المجتمع بأسره، وفيه طعن في نسب الولد الذي اتهمت أمه بالزنى، لذا جاء الشرع بتحريمه وإيجاب الحد فيه صيانةً لشرف الفرد والمجتمع.


وبالإضافة إلى تلك الأمور الأساسية التي شرعها الإسلام للحفاظ على النسل والنسب والعرض فقد فرض الشارع مكملات لتلك المقاصد الشرعية، فوضع تشريعًا دقيقًا ومتكاملًا لنظام الزواج تمثل فيما يلى:


تحديد طبيعة عقد الزواج وأركانه وشروطه.


تحديد شروط اختيار الزوجة والزوج: الدين وحسن الخلق.


تحديد حقوق الزوج على الزوجة.


تحديد حقوق الزوجة على الزوج.


اشتراط القدرة على التعدد وتقييده بالعدل بين الزوجات.


تحديد حقوق الأبناء على الآباء.


تشريع طريقة إنهاء الحياة الزوجية بالمعروف سواء بالطلاق أو الخلع وبدون ضررعلى أحد الزوجين.


تشريع النفقة للزوجة ومايلحق بها من أحكام بعد الطلاق.


تشريع العدة للتأكد من خلو الرحم من حمل سابق، ولحماية المرأة من الأمراض إذا تزوجت قبل ثلاث حيضات، وهو ما أكده العلم الحديث.


إقرار الميراث بسبب الزوجية والقرابة لتوثيق الروابط المادية والمعنوية.


وبهذا النظام المفصل الدقيق للزواج نضمن استمرار النسل والحفاظ عليه كما نضمن استقرار المجتمع، وبقاءه بشكل يضمن فيه كل فرد منهم حقوقه وواجباته.


وأخيرًا: فرضت الشريعة العديد من العقوبات للحفاظ على الأعراض، من ذلك:


تشريع حد الزنى:


قال تعالى: «الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلّ وَاحِد مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلاتَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ» (سورة النور، الآية: ٢)


تشريع حد القذف:


قال تعالى: «وَالَّذِين يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَم يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاتَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ. إِلاَّ الَّذِين تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ» (سورة النور، الآيتان: ٤، ٥)، وفي الآية الكريمة بيان عقوبة القاذف للمحصنة وهي العفيفة، ويلحق بذلك من يقذف الرجل العفيف.. فأوجب على القاذف إذا لم يأت بالبنية على صحة ماقال ثلاثة أحكام أحدها: أن يجلد ثمانين جلدة، والثاني: أن ترد شهادته أبدًا، والثالث: أن يكون فاسقًا ليس بعدل لا عند الله ولا عند الناس.


تشريع اللعان بين الزوجين:


واللعان شرع في حالة رؤية الرجل زوجته متلبسة بالزنى دون وجود شهود يدعمون قوله فجاء اللعان حلا للمشكلة، وإزالة للحرج ودرءًا لحد القذف عنه وحد الزنى عنها إذا أنكرت ولم تعترف بالجريمة، قال تعالى: « وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَم يَكُن لَّهُم شُهَدَاء إِلاَّأَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ. وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ. وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ. وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ» (سورة النور، الآيات: ٦: ٩).


تشريع عقوبات اللواط:


وعقوبته قاسية لأن ما يترتب عليه يمثل خطورة فى المجتمع إذ الفاعل والمفعول به يعتبران جرثومة ناقلة لأمراض فتاكة على رأسها مرض نقص المناعة والمعروف بالإيدز، والذى حصد وما يزال يحصد أرواح الملايين حول العالم، ولا يجوز لأحد أن يتعلل بإباحته لمن يشاء على أنهم مرضى.. بل الصحيح أن يعالج المريض، لا أن نتركه ينقل المرض إلى غيره ويشيع الفوضى فى المجتمع... لذا كانت العقوبة إذا أصرا على فعلتهما: أن يقتل الاثنان لما ورد فى سنن أبي داود وغيره بسند قال عنه المحقق الشيخ الألباني: صحيح، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: « مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ » ويرى البعض أن الحديث ضعيف، ولذا فنقول: تترك مسألة تحديد العقوبة لولى الأمر ( مجلس نيابى )، فإن كان أحدهما غير بالغ ولا مدرك لا يعاقب حسب ما يراه المشرع باجتهاده.


تشريع عقوبات تعزيرية لفساد الأخلاق:


فكما شرع الإسلام الأخلاق الحسنة وحث عليها، فقد حذر من فساد الأخلاق وسمح بوضع عقوبات تعزيرية لفساد الأخلاق يقدرها المشرع باجتهاده..


شروط قاسية لتطبيق العقوبة:


هذا، وينبغى أن نعلم أن الشرع الحنيف:


ندب إلى الستر حتى على الزانى، فقد ورد فى الحديث الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم، قال للرجل الذى أحضر ماعزًا ليعترف بالزنى أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لَوْ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ كَانَ خَيْرً الَكَ ». وقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ: «مَنْ سَتَر مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ».


وأمر بدرء الحدود بالشبهات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ادْفَعُوا الْحُدُودَ مَا وَجَدْتُمْ لَهُم دْفَعًا.


ووضع شروطًا عديدة لإيقاع أية عقوبة على متهم بأية جريمة خاصة تلك التى تتعلق بالعرض، فاشترط أن تكون الجريمة كاملة، ولذلك ثبت فى الحديث الصحيح أنه لَمَّا أَتَى رجل اسمه مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ إلى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ليعترف على نفسه بالزنى، قَال له صلى الله عليه وسلم: لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، أَوْغَمَزْتَ، أَوْ نَظَرْتَ.. إلخ.


وباعتراف الطرفين أو أحدهما، ولا يطلب من الطرف المعترف أن يعترف على الطرف الآخر، لأن ماعزًا لما اعترف لم يسأله النبى صلى الله عليه وسلم عن المرأة التى زنى بها، وكذلك الغامدية لما جاءته معترفة بأنها حبلى من الزنى لم يسألها عمن زنى بها...


كما اشترط للزنى بالذات شهودًا أربع كلهم يشهد بأنه رأى حالة جماع كاملة وليس مجرد صورة أو خلوة أو أى شيء آخر، ويقر بذلك أربعة كلهم رأى بعينيه.. ولا تصلح حتى أدق الكاميرات لإيقاع العقوبة المنصوص عليها شرعًا فى هذه الجريمة.


وكل ذلك حفاظًا على العرض والسمعة.


سترنا الله وإياكم فى الدنيا والآخرة