دماء على جدار السلطة (١٣) .. خروجًا عن مبادئ الإسلام!

02/03/2016 - 10:29:52

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

كتب - رجائى عطية

لا شك فى نباهة عبد الملك بن مروان ولا فى كونه رجل دولة وفى أن أوضاع وثراء الشام مكنته من الاستمرار فى الصراع على السلطة منذ تولاها بالميراث سنة ٦٥ هـ وحتى استوت له بلا شريك ولا منافس بمصرع عبد الله بن الزبير سنة ٧٣ هـ ..


على أن هذا الصراع على السلطة بين قطبيها آنذاك عبد الله بن الزبير حاكم الحجاز والعراق واليمن والجزيرة وخراسان وعبد الملك بن مروان حاكم الشام التى أضيفت إليها مصر بعد أن نجح « مروان بن الحكم » فى انتزاعها من ابن الزبير هذا الصراع قد قاطع خطوطه أو اعترض فصوله ـ شخصية تُضاف إلى دهاة العرب فتجعلهم به خمسة وليس أربعة كما قيل عن معاوية وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وزياد بن أبيه .. ذلك هـو « المختار الثقفى » أو « المختار بن أبى عبيد بن مسعود الثقفى » .


ودخل المختار الثقفى خضم الصراع على السلطة من زوايا متعددة تقلب فيها فى


مواقف متباينة , وإن ظل حاضرًا مؤثرًا فى مجرى هذا الصراع ـ تأثيرًا كبيرا ـ حتى قتل سنة ٦٧ هـ . ولم يكن المختار الثقفى مطالبًا بخلافة أو ملك , فما كان فى وسعه ذلك , وإنما دخل من باب أنه شيعى متحمس ينصر البيت العلوى وبنى هاشم وهو الذى فتح داره بالكوفة أمام « مسلم بن عقيل » مبعوث الحسين إلى العراق , وإن كان بعض المؤرخين كالطبرى و البـلاذرى يرى أنه بدأ حياته السياسية فى العراق « عثمانيًا » لا « شيعيًا » بدلالة أنه لم يكن من مؤيدى خلافة الحسن بن على بعد اغتيال أبيه الإمام , ولكنه بدأ يبدى تعاطفه مع الشيعة فى أواخر عهد معاوية , وكان ممن تعاطف بقوة مع زعيمهم بالعراق حُجْر بن عدىّ الذى قُتِلَ وأصحابهٌ صبرًا .


والمختار ينتمى إلى قبيلة « ثقيف » التى قدمت اثنين من دهاة العرب : المغيرة بن شعبة , وزياد بن أبيه , زاد عليهم سفاح أكثر منه داهية . ذلك هو الحجاج بن يوسف الثقفى وسوف يمر بنا كثيرا فى تتبعنا للصراع الذى خاضه عبد الملك بن مروان حتى استوت له السلطة على ما يريد .


وقد نجح المختار الثقفى فى مراوغة زياد بن أبيه صاحب القبضة الحديدية لمعاوية بالعراق , ورفض أن يعطيه الشهادة التى سعى إليها زياد للإطاحة بحُجْر بن عدىّ وأصحابه , ولكنه ركن إلى الهدوء طوال خلافة معاوية , وانصرف إلى الزراعة فى ضيعته مع مواليه , متربصًا الفرصة المناسبة ـ إن سنحت ـ للظهور , وقد جاءته حين تولى يزيد بن معاوية بعد أبيه ببيعة باطلة فى حياة معاوية , حينذاك أعلن المختار الثقفى شيعيته , وترك ضيعته إلى الكوفة , وفتح داره لمسلم بن عقيل حتى انتقل من داره إلى دار « هانئ بن عروة » , طلبًا للمزيد من الأمان والنجدة , فقد كان هانئ من أبرز أشراف الكوفة وقرائها , ودفع حياته ثمنا لمناصرته للحسين , ونصيحته لعبيد الله بن زياد بأن يحمل أهل بيته وأمواله ويشخص إلى الشام .


أما المختار الثقفى , فلم يُؤْثر عنه أنه وقف إلى جوار الحسين حتى مأساة قتله وآل بيته فى كربلاء , وقد وجد البعض عذرًا للمختار بأنه فى ذلك الوقت لم يكن له حزب أو جماعة تؤيده ، وأن موقف الشيعة كان متخاذلاً ـ آنذاك ـ من الحسين , بل ساهموا فى وقوع المأساة بإنكار شيعة الكوفة ما كانوا قد بعثوا به إلى الحسين من كتب تدعوه للقدوم , وإيثار شيعة البصرة الاستكانة والتزامهم بها .


إلى ابن الزبير بالحجاز


وفى بعض الروايات أن المختار الثقفى تعرض حين مأساة الحسين ـ لبطش عبيد الله بن زياد , فحبسه وضربه بالقضيب حتى شتر عينه , حين علم أنه خرج فى جماعة بالسلاح لنصرة الحسين , وأن الذى أنقذه ـ وساطة صهره عبد الله بن عمر بن الخطاب لدى يزيد بن معاوية الذى استجاب وكتب إلى ابن زياد يخلى سبيله ويكتفى بنفيه ، فخرج المختار الثقفى إلى الحجاز حيث كانت حركة ابن الزبير تشتد بعد مصرع الحسين .


وزير عبد الله بن الزبير


كانت حركة ابن الزبير هى بوابة عودة المختار الثقفى إلى حلبة الصراع ، وقد زكاه بالحجاز صهره إلى عبد الله بن عمر ، فقد كانت أخته زوجة لابن عمر ، وما لبث المختار أن طالب ابن الزبير بأن يبايع لنفسه ، وابتدره بمنحه بيعته ، ويعتقد المؤرخون أنه لم يكن له عن ذلك بد ، فهو لا يمتلك ما يطرح به نفسه للأمر ، وعداؤه مع البيت الأموى لا مجال لتجاوزه ، ومن ثم فلم يكن أمامه خيار سوى الانضمام إلى عبد الله بن الزبير ، وقد فعل ، إلاَّ أن ابن الزبير كان مترددًا فى التلقب بأمير المؤمنين ، فشد المختار الثقفى رحاله إلى بلده الطائف القريبة من مكة ، وبقى يراقب الأحداث من هناك ، فلما شن يزيد بن معاوية هجومه على المدينة واستباحها ثلاثًا بعد وقعة الحرة ، وزحف جيشه إلى مكة بعد الفظائع والمذابح التى ارتكبها بمدينة الرسول ، بادر المختار الثقفى بشد الرحال إلى مكة التى استهدف جيش يزيد حصارها ، هنالك رحب ابن الزبير بالمختار ، ودعاه هذه المرة لمبايعته أميرًا للمؤمنين بعد أن زال تردده ، ولكن المختار طلب شروطًا تتفق مع طموحه ، فقال له : « أبايعك على أن لا تقضى الأمور دونى ، وعلى أن أكون أول داخل ، وإذا ظهرت استعنت بى على أفضل عملك » .


بيد أن ابن الزبير كان متحفظًا حريصًا كالعهد به ، فسأله أن يبايع على كتاب الله وسنة رسوله ، ولكن المختار أبى إلاَّ ما اشترطه ، ولم يلبث ابن الزبير أن أجابه إلى طلبه ، فصار المختار بذلك بمثابة وزير لابن الزبير ، بعد أن اشترط عليه ألاَّ يقضى أمرًا دونه ، ووصفه ابن كثير فى البداية والنهاية بأنه صار من أكبر الأمراء عنده ، وتحدث المسعودى فى مروج الذهب بأنه قاتل إلى جوار ابن الزبير « داخلاً فى جملته منضافًا إلى بيعته ، منقادًا إلى إمامته على شرائط شرطها عليه ألا يخالف له رأيًا ولا يعصى له أمرًا » .


وأغلب الظن أنه ربما كان آخر ما فى الشرط فيه مبالغة ، فغير معقول أن يقبل عبد الله بن الزبير من أحدٍ أن يشترط عليه « ألا يعصى له أمرًا » ، وإن كان خبر الشرط بعامة محل اتفاق وغير مكذوب . وفحواه أن تكون للمختار مكانة مقدمة ورأى مسموع لدى ابن الزبير ، ويتفق المؤرخون على أن المختار الثقفى صدق وعده وقاتل بشجاعة أشد القتال إلى جوار ابن الزبير فى مدافعة جيش يزيد بقيادة الحصين بن نمير عن الكعبة .


على أن المختار الثقفى لم يكن الوحيد الذى قاتل إلى جوار ابن الزبير للدفاع عن الكعبة ، فقد هزّ حصار الكعبة ورميها بالأحجار وبالمجانيق مشاعر المسلمين ، وعم السخط على هذه الجريمة كثيرين ، منهم من جاوز السخط إلى المساهمة فى حماية مكة والكعبة .


فساد الأمر بين الحليفين


وقد عرفنا مما مَرَّ أن وفاة يزيد بن معاوية ، أدت إلى انفراط الجيش المحاصر لمكة ، وإلى وقوع بعض فلوله فى الأسر ، وإلى ضرب أعناق نحو أربعمائة منهم !!


وبهذا الانتصار بصد الجيش الغازى , أعلن عبد الله بن الزبير نفسه خليفة بالحجاز يسيطر إلى جواره على العراق واليمن والجزيرة وخراسان , ومصر إلى أن غلبه عليها


« مروان بن الحكم » على ما مَرّ بنا .


هنالك تطلع المختار الثقفى إلى الثمرة التى كان يرجوها , ولكن ابن الزبير لم يف بعهوده أو بما كان ينتظره المختار منه , ويقال إن المختار كان يطمع فى أن يوليه حكم العراق بالذات , لصلاته التى توطدت فيها , ولأنها مركز الشيعة التى يبدو أنه طفق يتطلع إلى التساند إليها فضلا عن مناصرته للموالى التى أعطته نفوذًا مضافًا .


ويبدو أن ذات هذه الأسباب التى دعت المختار إلى التطلع لولاية حكم العراق , هى هى الأسباب التى دعت ابن الزبير للتحفظ على منحها إياه , مخافة تعاظم نفوذه هناك حيث الشيعة وحيث موطن المال والرجال , فألهب ذلك حفيظة المختار وإن تصابر لنحو خمسة أشهر بعد وفاة يزيد بن معاوية , ثم غلبه هواه فى العراق حيث يأمل أن يقود الشيعة والموالى , وأن يجمع هذا الوطن الخصيب تحت لوائه .


تدابير المختار الثقفى


لم يكن فى وسع المختار الثقفى أن يدعو لنفسه , ولم يكن له غناء عن عقد تحالفات تهيئ له الظهير السياسى الذى يحتاجه , فاتجه بنظره إلى محمد بن أبى طالب , المعروف بابن الحنفية نسبة إلى أمه التى كانت من بنى حنيفة , وظنى أن المختار ركز على استقطابه لسببين : أولهما أن يعطيه السند وسط الشيعة وفيما يستهدفه ويريد أن يتزعمه بالقصاص من قتلة الحسين وآل البيت فى كربلاء . والسبب الثانى أن الود كان مفقودًا ـ بسبب الامتناع عن البيعة ـ بين محمد بن على بن أبى طالب وبين عبد الله بن الزبير الذى انقلب المختار عليه.


وفى الوقت الذى احتال فيه المختار الثقفى على ابن الزبير ليدعه يغادر إلى العراق بزعم أنه سيحشد له هناك شيعة بنى هاشم بالكوفة ، سعى للقاء محمد بن على المعروف


( بابن الحنفية ) زعيم بنى هاشم والشيعة والعلويين آنذاك ، ليعرض عليه خطة حركته فى العراق ، وينال تأييده ومساندته الروحية . 


على أن محمد بن على وإن أظهر محبته أن ينصرهم الله ، ويهلك من سفكوا دماءهم ، إلاَّ أنه أوضح للمختار الثقفى أنه لا يأمر بحرب ولا بإراقة دماء ، وأنه كفى بالله لهم ناصرًا ، ولحقهم منصفًا وآخذًا ـ بيد أن المختار حجب ما يريد حجبه ، وأظهر ما يحب التظاهر به ، فأظهر لشيعة العراق أن محمد بن الحنفية اختاره « أمينًا ووزيرًا وأميرًا » ، وأمره بالأخذ بثأر قتلة الحسين وآل البيت فى كربلاء .


ويقول المؤرخون إن المختار وثب بالكوفة بربيع الأول سنة ٦٦ هـ فى خبر طويل حافل بتقلب المواقف وبإراقة الدماء ، فأخرج عن الكوفة « عبد الله بن مطيع » عامل ابن الزبير ، ويقال إن ابن مطيع خرج بتوافق مع المختار الذى كانت بينهما صداقة ، وإن المختار أرسل إليه ليلاً بمائة ألف درهم ليتجهز بها مبديًا له أنه يعلم مكانه وأنه لم يمنعه من الخروج إلاَّ عدم النفقة .


ولم يكن ابن مطيع وحده الذى تخلى عن عمله لابن الزبير ، فقد زاد عليه محمد بن الأشعث بن قيس العامل على الموصل ، فسار إلى المختار وبايعه .


وجعل المختار يعقد الرايات لأعوانه ، على « أرمينية » ، وعلى « أذربيجان » ، وعلى « المدائن » و« أرض جوخى » ، وعلى « الموصل ».


الثارات !!!


لم يكن من الإسلام التكريس لفتح أبوب الثارات ، فمع فرضه القصاص فى القتلى ، فتح أبواب العفو وتطبيب الجراح ، ونهى عن الانتقام والثأر ، ورسخ أن « الاستيفاء » موكول إلى القاضى أو الوالى ، وأن القتل ثأرًا كالقتل ابتداءً ، من أكبر الكبائر التى يأباها الله ويأباها الإسلام ، وأن زوال الدنيا وما فيها أهون عند الله من قتل النفس التى حرم سبحانه قتلها ، وأنه عز وجل أعد للقاتل عذابًا عظيمًا . وفى نهيه عن الثأر فتح الإسلام باب العفو والصلح والمغفرة ، وحبب فى العفو فقال سبحانه : « فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ » ( البقرة ١٧٨ ) ، وحض عز وجل على العفو فقال :« فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ » ( الشورى ٤٠ ) , وقال « وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى »


( البقرة ٢٣٧ ) , وقال : « وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ » (التغابن ١٤) , وقال « وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ » ( النور ٢٢ ) . 


بيد أن الدماء التى أهدرت بغير حق , فتحت أبوابا لثارات لم تنغلق , وانتهزها المختار الثقفى فرصة لإقامة حركته , واتخذ من « الثأر » شعارًا وركازًا لحركته فى العراق , وإمعانًا لا يتفق مع مبادئ وقيم الإسلام , ووطد المختار الأمر لنفسه فى العراق , وكرس ذلك كله للانتقام من كل من يشتبه فى أنه كان شريكًا أو مساهمًا أو محرضًا أو مؤيدًا لإراقة دم الحسين وأهل بيته , ورفع شعارًا بين جنده « يالثارات الحسين » , وحفلت المعارك التى شبت بالتنادى بالثارات ، فمن يتنادى « بثارات على » ، ومن يتنادى « بثارات عثمان » ، ومن يتنادى « بثارات الحسين » ، فصارت هذه الثارات دافعًا وشعارًا ، وتفرق الناس من حولها أشتاتًا متعادين ، يستبيح كل منهم دماء الآخرين ، ويستبيح القتل واجتزاز الرءوس الذى صار عرفًا يمثل به القاتل بالمقتول ! وأخرج المختار فى أعقاب جولة له على عسكر ابن زياد ـ نحو خمسمائة أسير , استعرضهم المختار فأخرج منهم من شهد قتل الحسين , ويقال إنهم بلغوا مائتين وثمانية وأربعين رجلاً أعمل فيهم القتل , وأطلق سراح الباقين بعد أخذ العهود والمواثيق ألاَّ يساعدوا عليه .


وجعل المختار يبث رجاله للبحث فى كل مكان عن قتلة الحسين , وأمعن رجاله فى التعقب حتى صارت النسوة يخبرن عن أزواجهن , ومن هؤلاء زوجة من يُدْعى « خولى بن يزيد الأصبحى » , وهو الذى اجتز رأس الحسين يوم كربلاء , وأرشدت إليه زوجته التى يقال إنها ناصبته العداء من يوم أن جاء برأس الحسين .


ويقال إن رجال المختار ذهبوا إليه بالأسير المذكور « خولى بن يزيد الأصبحى » فأبى أن يقتله حيث جاءوه به , وصمم على أن يردوه إلى أهله حتى يقتله أمامهم إشفاءً للغليل منه ، ناسيًا أن الإسلام يحض على إخفاء السكين عن الذبيحة الحلال من بهائم الأنعام !


أما « شمر بن ذى الجوشن » ، صاحب أقبح الأدوار نُكْرًا فى قتل الحسين ، فقد ناور حتى نال من بعض مطارديه ، وقتل « زربى » غلام المختار الذى أرسـله فى طلبه ، ثم كـاتب « مصعب بن الزبير » ليؤازره ، ومضت السفارات بين الأطراف بالعلوج (جمع علج وهو الجاف الشديد بين الرجال) ، ومضى معها تقلب المواقف ، حتى اهتدى المطاردون إلى موضع « شمر » ، فطاعنهم بالرمح وقاتلهم وقاتلوه ، حتى تفرق أصحابه عنه ، ونال منه « أبو الكنود » أحد مطارديه ، فتعالت الصيحات فرحًا : « قتل الخبيث » .. ثم إن جثته ألقيت للكلاب .


وأخبر الرواة أن المختار الثقفى نجح فى قتل « عمرو » وقيل بل « عمر » وهو الأصح ـ ابن سعد بن أبى وقاص قائد جيش الأمويين فى كربلاء ، ولكن المختار لم يكتف بقتله ، وأحضر ابنه « حفص » وأطلعه على رأس أبيه وسأله عما إذا كان يعرف لمن هذا الرأس ؟ فأجابه الابن : نعم ، ولا خير فى العيش بعده . فقال له المختار : صـدقت فإنـك لا تعيش بعده . ثم أمر بقتل « حفص » ، ووضع رأسه إلى جوار رأس أبيه وهو يقول : هذا بحسين وهذا بعلى بن الحسين !


ومن أبلغ القصص على غلبة الأغراض والمآرب ، وتبدل المواقف لغير مبدأ ولا عقيدة ، أن « سراقة بن مرداس البارقى » أحد المشاركين فى قتل الحسين وآل البيت ، جعل حين وقع أسيرًا ـ جعل ينادى شعرًا على المختار أن يمن عليه ، متقربًا إليه بالمدائح ، فأرسله المختار إلى السجن ثم أحضره فى الغد ، فأقبل عليه « سراقة » متشفعًا بأشعاره ، فلما انتهى إلى المختار قال متملقًا : « أصلح الله الأمير ، أحلف بالله الذى لا إله إلاَّ هو لقد رأيت الملائكة تقاتل معك على الخيول البلق بين السماء والأرض » ، فأراد المختار أن يسمع الناس ما يقول ، فدعاه إلى صعود المنبر وترديد ما يقوله ، ففعل . ولما نزل ، أعلمه المختار أن حيلته لم تنطل عليه ، وأنه يعلم أنه لم ير شيئًا مما يقول ، وأنه إنما أراد بما ردده أن يتجنب قتله . ثم أطلقه قائلاً : « فاذهب عنى حيث شئت لا تفسد علىّ أصحابى على أن الرجل تابع نفاقه ومداهنته ، فلحق بالبصرة حيث نزل على « مصعب بن الزبير » ، فحور أبيات الشعر التى تملق بها المختار ـ ليداهن بها مصعبًا ، دون أن يبالى المادح والممدوح بما فى الأشعار من نفاق وأكاذيب !


ووسط هذه التقلبات تبعًا للأغراض ، وطلبًا للزلفى ـ أن «حكيم بن طفيل الطائى » ، وكان ممن رمى الحسين بسهم ، وسلب العباس بن على يوم كربلاء ، طمع حين أتاه رجال المختار وأخذوه ، فى أن يتشفع له ابن عمومته « عدىّ بن حاتم الطائى » ، فلما أجابه حاتم وذهب إلى المختار متشفعًا له ، خشى أصحاب المختار أن يقبل شفاعته وفاءً لموقفه منه يوم « جبانة السَّبيع » حين شفعه المختار فى نفر من قومه . هنالك خشى الشيعة أن يقبل المختار شفاعة حاتم الطائى ، فسارعوا إلى قتل « حكيم بن طفيل الطائى » رميًا بالسهام كما رمى الإمام الحسين ، وظلوا يرشقونه حتى صار جسده كالقنفذ فيما نقله الـرواة .


واللافت أن المختار قبل شفاعة حاتم ووعده بترك « حكيم له » وهو يجهل أن أصحابه قد سبقوا إلى قتله ، فلما علم قال لهم مؤاخذًا أو معاتبًا أو متظاهرًا : ما أعجلكم إلى ذلك ؟ ألا أحضرتموه عندى ؟ . فقال أحدهم له : غلبتنى عليه الشيعة . 


أما « مرة بن منقذ » قاتل على بن الحسين ، فقد استطاع أن يفر بفرسه بعد أن طاعن مطارديه ، ولحق بمصعب بن الزبير فى البصرة ، وكذلك فعل « سنان بن أنس » الذى كان يتفاخر بالمساهمة فى قتل الحسين ، فهرب إلى البصرة ، فأمر المختار بهدم داره.


أما « زيد بن رقاد الجنبى » ، الذى كان يتباهى بقتله عبد الله بن مسلم بن عقيل ، ويقول متفاخرًا إنه أصابه بسهمٍ ثبَّت كفه فى جبهته ، وجاءه وهو ميت فنزع السهم الذى قتله به ، وجعل يلويه حتى أخذه وبقى النصل فى موضعه . فإن من ظفروا به حرصوا على أن يناله منهم مثلما فعل بابن مسلم بن عقيل ، فأبوا أن يعجلوا بقتله ، وتجنبوا أن يطعنوه أو يضربوه بالسيف ، وظلوا يرمونه بالنبل والحجارة حتى سقط ، فأحرقوه حيًّا !


وهكذا مضت الثارات ، تعكس صورًا دموية واجتزازًا للرءوس وحرقًا للأحياء ..


لا تتفق مع الإسلام ولا يرتضيها الإسلام ، فأورثت العنف العنيف الذى ظل يمتد فى أجيال !


ولم يكن هذا من الإسلام ، ولا يرتضيه الإسلام ، وإن القارئ ليقشعر وهو يتابع أخبار القتل واجتزاز الرءوس ، والتمثيل بالقتلى ، ولا يرى الإسلام فيما شجر بين هؤلاء وأولاء من صراع دامٍ على السلطة ، استبيحت فيه الأرواح وسفكت الدماء ، دون ما عناية بالإسلام ولا بهداية وغايات الإسلام .


احتدام الصراع مع الزبيريين


ومصرع المختار الثقفى


دون ما عناية بالعهود التى كانت ، ولا بما يقتضيه الصالح العام ، انقلب المختار الثقفى انقلابًا تاما على ابن الزبير والحركة الزبيرية ، وصار الصـراع بين الفريقيـن مكشـوفًا ، لا يبالى أحدٌ فيه من أخطأ ومن يؤخذ بالظن ، واستباحت الحركة الزبيرية أن تمكر ببنى هاشم وتكيد لمحمد بن على وتضطهده وتضيق عليه ، ولا يبالى الفريقان : الزبيريون والمختار الثقفى ، بصالح وحدة الأمة الإسلامية ، فيشقونها فى هذا الصراع الضرير على السلطة إلى عرب وموال ، وكان لذلك توابع مثلما كانت توابع الانشقاق بين السنة والشيعة!


وفى معركة هائلة ، دارت بقرب شاطئ الخازر ـ بين جند المختار بقيادة إبراهيم بن الأشتر، وبين عبيد الله بن زياد الذى قدم غازيًا فى عسكر عظيم لحساب مروان بن الحكم ثم لعبد الملك ، دارت الدائرة على جيش « ابن زياد » الذى كان قد غلب على الموصل وأوغل، وقُتل من الفريقين أعداد كثيرة ، وكان من غرق أكثر ممن قتل وقتل عبيد الله بن زياد ، قتله شريك بن جدير فيما نقل الرواة ، وأرسلت رأسه وفق المتبع ـ والأيام دول ! ـ مع رؤوس قواده إلى المختار، فألقيت فى القصر ، وتزيَّدَ بعض الرواة فقالوا إن « حية » دخلت من منخره وخرجت من فمه، وفعلت ذلك مرارًا ، ونسب البعض إلى أمه « مرجانة » أنها قالت له بعد قتل الحسين: « يا خبيث قتلت ابن رسول الله . لا ترى الجنة أبدًا ! »


وهكذا قاد هذا الصراع العنيف على السلطة , إلى تبادل المواقف والمراكز والمعسكرات ، وانقلب الحلفاء إلى أعداء , والأصدقاء إلى خصوم ألداء , وظل عبد الله بن الزبير ينظر فترة من الزمن بعين الرضا إلى الحرب الضروس بين عبيد الله بن زياد والمختار الثقفى , فهى تضعفهما كليهما فى مواجهة الزبيريين , وقرت عيون الزبيريين ومعسكر المختار بمقتل عبيد الله بن زياد , ثم انتقل الصدام ليكون مواجهة ضارية بين المختار الثقفى وبين مصعب بن الزبير .


وذاق المختار من الكأس التى سقاها لآخرين ، فانقلب عليه بعض رجاله وأعوانه ، وذهبوا يستنفرون عليه « مصعب بن الزبير » أمير أخيه على البصرة ، فسار إليه


« مصعب » فى جموع كثيرة ، وخرج المختار للقائهم ، ولكنه شهد المقدمات حين جعلت الهزائم تتوالى بين أصحابه حتى قال : « ما من الموت بد ! » . فلما حوصر فى قصره واشتد الحصار عليهم ، استنفر أصحابه للخروج للقتال فالحصار سيزيدهم ضعفًا ، ثم إنه تطيب وتحنط وخرج من القصر فى تسعة عشر رجلاً ، وقاتل حتى قتل ، واختصر قبل أن يموت الموقف كله فى كلمات قالها للسائب أحد رجاله : « إنما أنا رجل من العرب رأيت ابن الزبير قد وثب بالحجاز ، ورأيت ابن نجدة قد وثب باليمامة ، ومروان بالشام ، وكنت فيهم كأحدهم، إلاَّ أننى طلبت بثأر أهل البيت إذ نامت العرب عنه » . ثم تقدم فقاتل ببسالة وشجاعة حتى قتل .


وكان مصرع المختار فى ١٤ رمضان ٦٧ هـ (٣ أبريل ٦٨٧ م) ، وأخذ القاتل رأسه كما اجتز هو رءوسًا كثيرة ، فأرسلها مصعب إلى أخيه عبد الله ، وفعل مصعب بمن سلموا ما جرت به العادة فى تلك الحروب الضروس الكفيفة : أعطاهم الأمان ، ثم قتل منهم ثمانية آلاف صبرًا ، وأمر مصعب بقطع كف المختار ، فقطعت وسمرت بمسمار إلى جانب المسجد ، وظلت هناك حتى قدم الحجاج بن يوسف الثقفى واليًا لعبد الملك بن مروان على الكوفة ، فأمر بنزعها .. لا احترامًا لمبدأ ، فقد أوغل هو فى ذلك إيغالاً كثيرًا ، وإنما لقرابة الدم التى بينهما بانتسابهما معًا إلى قبيلة ثقيف ! وليمضى مسيل الدماء على جدار السلطة !.. وللحديث بقية