تجديد الفكر الدينى المسيحى (٣) .. قضايا متعددة

02/03/2016 - 10:25:47

جمال اسعد جمال اسعد

كتب - جمال أسعد

تحدثنا فى المقالات السابقة عن أهمية وضرورة تجديد الفكر الدينى المسيحى لماله من أهمية عظيمة فى تشكيل الوعى الدينى لدى الأقباط فى عديد من القضايا الحياتية والتى لها علاقة بالآخر الدينى وغير الدينى الشىء الذى يؤثر بطريقة مباشرة أو غير مباشرة على مجمل علاقات أبناء الوطن الواحد خاصة ونحن فى ظل ظروف استثنائية تحيط بالوطن فى الداخل وفى الخارج تهدف إلى تفتيت الوطن وتفكيك وحدته وتقسيم أرضه وحسب مخططات معلنة نهاراً جهاراً ولا تخفى على أحد وتعتمد فى المقام الأول على الإجهاز على توحد الشعب المصرى وتفكيك جيناته الواحدة والنيل من هويته المميزة التى حمته عبر آلاف السنين .


وسنتناول هنا إشكالية الطاعة وثقافة الموت والاستشهاد. الطاعة: كيف تكون؟ ولمن ؟ وما النتائج المترتبة على مفهوم الطاعة لو كان فى غير موضعه السليم؟ لقد ذكرت الطاعة فى الكتاب المقدس فى أكثر من موضع “ينبغى أن يطاع الله أكثر من الناس”. “أيها الأولاد أطيعوا والديكم فى الرب لأن هذا حق”. “طهروا نفوسكم فى طاعة الحق بالروح” “خاضعين بعضكم لبعض فى خوف الله”. وهنا وبالنظر لهذه النصوص المقدسة نجد أن فضيلة وقيمة الطاعة تتمثل فى طاعة الله وحده ولوصاياه فطاعة الوالدين لابد أن تكون فى الرب، التطهر فى طاعة الحق، ولن يكون هناك خضوع للوالدين أو للآخر غير الخضوع لله ولمخافته ، وهذا يعنى أنه لا طاعة لبشر غير الله وبشكل مطلق وهى تلك الطاعة العمياء تحت أى مسمى أو باسم أى تبرير روحى ، فكيف يعالج الخطاب الدينى مفهوم الطاعة.


هنا نرى مرة أخرى تأثير الحياة الرهبانية على الكنيسة بالإسقاط والإلزام بمفاهيم رهبانية تخص الرهبان وعلى عامة الشعب المسيحى الذى لا علاقة له بالرهبنة، فالحياة الرهبانية هى حياة خاصة وهى اختيار شخصي لمن يختار أن يسلك حياة الرهبنة. وبالمقابل هى عالم له نظامه الخاص وقيمه الخاصة التى تعتمد على ما يسمى بالطاعة. حيث إن الطاعة هذه هى أحد المبادئ الأساسية التى تحكم الحياة الرهبانية منذ ظهورها فى أوائل القرن الرابع الميلادى على يد الأنبا انطونيوس مؤسس الرهبنة مع بعض القيم الأخرى مثل التبتل والفقر الاختيارى. ولذلك ظهرت مقولة “على ابن الطاعة تحل البركة” وأيضاً مقولة «حال المخالف دايماً تالف» وهى مقولات ليست كتابية ولكن للأسف الشديد بعد تأثير الرهبنة فى الحياة الكنسية بشكل عام خاصة بعد ما أصبح التقليد هو رسالة الأساقفة والبطاركة من الرهبان غير المتزوجين ولذا قد أصبح المجمع المقدس والقرار الكنسى قراراً رهبانياً فى المقام الأول . وعلى ذلك قد نقلت هذه المفاهيم الرهبانية للعالم وبعيداً عن الأديرة وداخل الكنائس حتى إن هناك كثيرين يتصورون خطأ أن ربط هذه الطاعة بالبركة هو نص إنجيلى الشىء الذى ترسخ وتكرس فى المفهوم الجمعى فاستغل استغلالا بعيداً عن المفهوم المسيحى ولا يليق بفضيلة الطاعة لله وحده. وبالممارسة والتواتر وبتقديس غير المقدس وخلطه بالمقدس وجدنا مفهوم الطاعة قد تحول إلى طاعة عمياء بلا فكر ولا عقل ولا مناقشة ولا حوار غير الخضوع لرجال الدين خاصة أن هناك مكانة خاصة فى المفهوم الدينى فى الكنائس التقليدية غير البروتستانتية لرجال الدين ، فأصبح رجل الدين لكثير من المسيحيين هو الذى يقول فيطاع.


فهو الذى يحدد الكلية للطالب والعريس للفتاة وهو الذى يستشار فى كل مناحى الحياة فى القضايا التى يفهم فيها وغيرها التى لا علاقة له بها .


وبالطبع هناك رجال دين حكماء ومجربون ويملكون المشورة ويمتلكون الإرشاد الروحى ولكن بالطبع فهذا هو الاستثناء وهنا كانت هناك مواقف سياسية لا علاقة لها بالدين ولا بالكنسية ومازالت يمارس فيها رجال الدين والقيادة الكنيسة سطوتهم المستمدة من هذا المفهوم الخاطئ لهذه الطاعة العمياء مثل التدخل فى الأمور السياسية والمعارك الانتخابية خلطاً واستغلالاً لمفهوم الطاعة الخطأ الذى فرض على أبناء الكنيسة المخلصين الوارثين التقليديين حتى أننا نجد كثيراً من المتعلمين والفاهمين يخضعون لمقولة رجل دين خاطئة شكلاً وموضوعاً وكأنها هى الحق المطلق تطبيقاً لمفهوم ولمقولة “على ابن الطاعة تحل البركة”. ناهيك عن بعض الممارسات والمواقف الحياتية والمشاكل اليومية التى تقع بين البشر سواء مسيحيين ومسيحيين أو مسيحيين ومسلمين والتى يتدخل فيها رجل دين متعصب لا يقبل الآخر يرددالقيم المسيحية من حب الأعداء ومباركة اللاعنين قولاً لا فعلاً . هنا تكون الطامة الكبرى فسلوك رجل الدين هنا خاطئ ومشورته لا يجب السماع لها ولكن تحت مقولة الطاعة وتحت وإعمالاً لهذا خلط الفكر والرأى البشرى بعدم الخطأ تقع نتائج لن تكون فى صالح أحد . ناهيك عن بعض الممارسات التى تقدم لرجل الدين تأثراً بمفهوم هذه الطاعة والتى تتناقض مع القيم المسيحية التى تعلى من قيمة التواضع تحت اسم الاخترام وكأن احترام الآخر لا يحق وبعد رجال الدين فى الوقت الذى يجب على أى إنسان أياً كان دينه أن يحترم الآخر ويقبله .. وبالقطع فتكريس هذه الطاعة وبهذه الطريقة وتقديس رجل الدين تحت مسمى الاحترام كل ذلك وغيره كثير يخلق شخصية هلامية خاضعة مستسلمة ناقلة غير مفكرة فاعلة الفكر وجامدة العقل سهلة الانقياد فاقدة الإبداع غير قادرة على الحوار مع الآخر غير قابلة لأى آخر غير المصرح به تحت بند الطاعة.


ثقافة الموت والاستشهاد:


جاءت الأديان من أجل الإنسان لكي يعيش حياته على الأرض سعيداً راضياً ناعماً بالخيرات التى وهبها له الله.. فى الوقت الذى يستعد فيه الإنسان دائماً لمغادرة هذه الحياة الدنيا عندما يشاء الله له ذلك، أى أن الحياة على الأرض ليست عيباً أو خطيئة فى حد ذاتها أو أن الإنسان قد خلق للحياة الأخرى فيما بعد الموت ولا علاقة له بالحياة الدنيا، ولكن هناك فكر دينى مسيحى يُصدر رسالة لمستقبليه على نقيض ذلك. مصوراً أن الحياة لا تستحق أن تعاش وأنها هى طريق العبور إلى السماء الذى أعدها الله لأبنائه وهذا الخطاب وذلك الفكر كان نتاجاً لظروف خاصة وأخرى تاريخية، فالظروف الخاصة كانت فكرة انتشار الرهبنة فى الكنيسة الأرثوذكسية وهى فكرة ذاتية شخصية اختيارية لا علاقة لها بالمسيحية وإلا كان كل المسيحيين “الأب والأم والأسرة والأصدقاء» قد أصبح الجميع رهبانا حيث إن هذه الرهبنة ليست فرضاً دينياً مسيحياً، أما الظروف التاريخية فهى عصر الاضطهاد الروماني الذى عانى منه أقباط مصر أشد المعاناة والذى بدأ عام ٢٨٤ من التقويم القبطى الذى هو التقويم المصرى القديم وبذات الشهور القبطية وذلك على يد دقلديانوس الحاكم الرومانى الذى عذب وقتل آلاف الأقباط المتمسكين بدينهم ذلك قبل إعلان الدولة الرومانية إيمانها بالمسيحية، ولما كانت نشأة الرهبنة متواكبة مع عصر الاضطهاد والاستشهاد وفى الوقت الذى استولت فيه الرهبنة على السلطة الكنسية أساقفة وبطاركة ظهر وتعمق هذا الفكر الذى يعإلي من ثقافة الموت والاستشهاد مع العلم أن المسيحية تقول: “أتيت ليكون لكم حياة ولكى يكون أفضل” “أعط مالقيصر لقيصر وما لله لله” أى أنه لا تناقض بين أن يعيش الإنسان حياته وأن يستعد للحياة الأخرى.