«صنع فى مصر».. مشروع قومى

02/03/2016 - 10:16:29

عبد اللطيف حامد عبد اللطيف حامد

كتب - عبد اللطيف حامد

أخيرا بدأ بعض شباب رجال الأعمال يضعون أيديهم على الوجع بإطلاقهم مبادرة «صنع فى مصر» من أجل تشجيع الصادرات المصرية إلى دول الاتحاد الأوروبى باعتبارها الشريك التجارى الأكبر مع مصر، بإقامة سلسلة من المعارض الخارجية بعدد من الدول الأوروبية كمرحلة أولى بهدف الترويج للمنتجات المحلية، وتمكين المصنعين والمصدرين المصريين من عرض منتجاتهم بشكل أفضل وفى الأسواق التى تحتاجها مباشرة، وتعد هذه المبادرة أول مشروع قومى للتصدير كما قال القائمون عليها للزميلة «اليوم السابع».


ولابد أن تسارع الحكومة بدعم تلك المبادرة بكل ما أوتيت من قوة، ولا تتركها طالما أنها جاءت من خارج الصندوق الرسمى من خلال المكاتب التجارية الخارجية، والبعثات الدبلوماسية المصرية فى الخارج، إلى جانب توفير الدعاية والتسويق الإعلامى لها عن طريق مكاتب هيئة الاستعلامات الحاضر الغائب فى العديد من القضايا الوطنية، رغم الحاجة الملحة إليها خلال السنوات الخمس الأخيرة.


يا سادة الحل السهل لخروج الاقتصاد المصرى من عنق الزجاجة – اللى محشور فيها من عشرات السنين حتى كاد يموت خنقا – يتمثل بشكل واضح كالشمس فى زيادة حركة التصنيع، والإنتاج، نريد أن ننتج ما نأكله حتى يتم وقف قطار الاستيراد المنطلق بسرعة الصاروخ من سنة لأخرى، فلا يجوز أن نستورد أكتر من ٦٠ فى المائة من غذائنا، وحتى ما ننتجه من محاصيل يخرج من المحروسة مادة خام بتراب الفلوس ليعود إلينا كامل التصنيع بملايين الدولارات، وطبعا فى المقدمة الذهب الأبيض الذى انطفأ بريقه، ويبدو أنه لن يعود قريبا لعرشه المفقود ، والسوق المصرى تحول منذ السبعينيات إلى مكان لتصريف منتجات من معظم الدول سواء السمين منها والغث.


والكارثة أن مافيا الاستيراد تخلت عن مبادئ التجارة الحلال، ولم تكتف بالملايين التى تحققها فى كل صفقاتها، وتحايلت لجلب أسوأ المنتجات من العديد من الدول وخصوصا الصين من كافة أنواع البضائع بحجة أن «معدة المصريين تبلع الزلط»، فامتلأت أسواقنا بالأغذية الفاسدة ومنتهية الصلاحية، وحتى القمح وصل إلى أمعاء المصريين مسرطنا رغم أن فاتورة دعم الخبز تصل وفقا لبعض التقديرات إلى أكثر من ٣٤ مليار جنيه سنويا، ونفس السيناريو ينطبق على الملابس، والأحذية، وحتى السيارات، فدائما المستوردون يختارون أضعف الماركات حتى يحققوا مكاسب أكبر على حساب صحة وجيوب المصريين خاصة فى ظل غياب الرقابة، وفساد ذمم بعض المسئولين الذين يسهلون لهم دخول نفايات الخارج إلى مصر وكله بثمنه، والغاية تبرر الوسيلة، وطبعا الرشاوى بالملايين ولازم تزغلل العين، وتعمى القلب، وتوقف وخزة الضمير.


كما أن مافيا الاستيراد التى لم تترك مجالا إلا واخترقته بدون رحمة، قضت على معظم الحرف والصناعات اليدوية، بل والمصانع الصغيرة والمتوسطة، وللأسف الحكومات المتعاقبة كانت واقفة تتفرج وكأن الأمر لا يعنيها من قريب أو بعيد، والأخطر أن معظم الصناع والمنتجين المصريين انساقوا وراء الموجة، وجروا وراء عقدة الخواجة التى تسيطر على مجتمعنا، فأغلقوا ورشهم ومصانعهم، وتعاقدوا مباشرة مع أصحاب المصانع الصينية والهندية وغيرها لتصنيع نفس الماركات التى كانوا محترفين فيها، ثم وضع «التيكيت» الخاص بهم عليها لتباع فى مصر على أنها مصنعة محليا, متجاهلين أن هذه الطريقة السريعة للكسب، والهروب من مواجهة المستورد ستقضى على الأخضر واليابس فى الصناعة المصرية، وسيحل الخراب على كل الصنايعية، ويضطرون إلى العمل سائقى توك توك بعدما كانوا أسطوات على سنجة عشرة.


القول الفصل أن مبادرة دعم المنتجات المصرية تحت شعار «صنع فى مصر» يمكن أن تكون خطوة حقيقية على طريق الصحوة، وعودة مصر دولة صناعية كما كانت فى الستينيات، وتقليل حجم الصادرات التى أرهقت الميزانية العامة للدولة، وجعلت الجنيه المصرى يتهاوى يوما وراء يوم بسبب ضعف الإنتاج، وهنا أجدنى مضطرا للإشارة إلى أنه عندما ارتبط الجنيه المصرى بالدولار فى الستينيات كان الجنيه الواحد يساوى ٢.٣ دولار، وفى ١٩٧٣ انخفضت قيمة الدولار إلى ٢.٥٥ دولار للجنيه الواحد، فما بالنا اليوم والدولار فى صعود جنونى بينما الجنيه فى انخفاض كارثى، حتى وصل الدولار فى السوق السواء إلى قرابة ١٠ جنيهات.


من الآخر وبلا مواربة زيادة الإنتاج المحلى فى كل المجالات هو الحل، وعلى الحكومة والدولة وضع إستراتيجية ليتحول «صنع فى مصر» إلى مشروع قومى بحق وحقيق وليس شعارات وشو إعلامى.. والله أعلم.