معايير الضياع..

02/03/2016 - 10:12:54

سناء السعيد سناء السعيد

كتبت - سناء السعيد

ماذا حدث للمجتمع المصرى؟ شباب يعيش فراغا قاتلا، مستوى التسطيح بلغ ذروته، التفاهة باتت هى العملة المهيمنة على الساحة. ولا غرابة فكل مايحيط بالمجتمع من فضائيات الردح والشتائم وأفلام العهر والرذيلة ومسرحيات تخاطب الجنس ومسلسلات زاخرة بالألفاظ البذيئة فضلا عما تعكسه للمشاهد من رخص ورقاعة وفجور.


كل هذا ينعكس بالسلب على المجتمع. وكأنما كتب على مصر وأبنائها العيش فى هذا الجو المسموم الذى يقدم للشباب الدعوة لكى يستنفد طاقته عبر أجواء من عدم الاكتراث واللامبالاة والتى قد تسوقه إلى مالا تحمد عقباه ليدخل دائرة الإدمان على المخدرات أو الانجراف نحو علاقات غير شرعية أو معاملات مشبوهة ومتطرفة. 


تراجعت الثقافة وغابت الجدية وامتطى الهزل الواقع المصرى الذى وصل فى بعض درجاته إلى الحضيض، فهل هذه هى مصر التى يتحدثون عنها كدولة رائدة وواحة للديمقراطية؟ أنا لا أرى ديمقراطية وإنما الفوضى هى التى تعشش فى أرجاء المجتمع بعد أن تحول الإعلام الفضائى إلى عبث قاتل مذموم وغدا ما يقدم عبر برامج الفضائيات منفصما عن الإعلام والتنوير بعد أن تحولت برامج التوك شو إلى قذف وذم وسباب واتهامات متبادلة على الهواء وصراخ وضجيج، فما يقدم هو أبعد ما يكون عن الحوار الحضارى الراقى الخالى من التشنجات.باتت التفاهة هى القاسم المشترك للعديد من البرامج، فلا معلومة ولافائدة ولا رأى صائب.وغدا ما يتم تقديمه أشبه مايكون بالكوميديا السوداء.لقطات مخزية تعكس التفرد بالرأى ومحاولة تكميم الأفواه من خلال تهمة العمالة والتخوين لتصبح السلطة هنا معادلا موضوعيا للتسلط واستغلال حرية التعبير لتمرير مواقف وعبارات مسيئة للكرامة الإنسانية. وكل هذا يجرى بذريعة الحرية.فهل غاب عن هؤلاء أن حرية المرء تتوقف عند حرية الآخرين؟ وهل غاب عن هؤلاء أن السعى إلى تحقيق الإثارة بهذا الغث لاستقطاب أكبر عدد ممكن من المشاهدين لن يجلب على المجتمع سوى التورط فيما لاتحمد عقباه؟.


أما الفن فلقد بات ساحة لمخاطبة الغرائز حيث تحشد فيه كل إيماءات الرذيلة والمتعة الرخيصة والانحراف وتعاطى الهيروين. ولا أدرى إلى متى تصبر الدولة والأجهزة المعنية فيها على هذا الرخص وهذه النماذج الهابطة؟ فهل يغيب عنها أن عدم تحركها سيعطى الانطباع بشرعية المعروض ومن ثم إجازته كى يسود وينتشر ويتمدد ليجرى بعد ذلك تقليده واتخاذه نموذجا للروشنة؟!.أما يكفى شباب اليوم الصدمة التى اغتالت أحلامه بعد أن أمضى كل سنوات تعليمه وتخرج فى الجامعة على أمل أن يلتحق بعمل كى يستقل بذاته ويشرع فى بناء أسرته. ولكنه بدلا من ذلك لم يجد العمل وبالتالى لم يجد الإمكانية التى تؤهله لما كان يطمح إليه، فعلى النقيض وجد نفسه يرتع فى فراغ معتم. فماذا يمكن أن يحدث له وسط هذا العبث والمجون الذى تزخر به أفلام الشباك ومسلسلات التليفزيون وأغانى الفيديو الهابطة ومسرحيات السخف؟ لقد سقطت القيم واختلطت الأوراق وعمت الفوضى ولم يعد هناك متنفس للجدية والجودة والحصانة. وبالتالى فإن الشباب يعيش أزمة طاحنة، فماذا عساه أن يفعل إزاء موجة الاستهتار والتسيب التى تحيط به من كل جانب ولا يملك فى النهاية إلا مجاراتها لإضاعة الوقت ودفن مشاكله وهمومه.


المفارقة المرة تأتى ممن تم توصيفهم بالفنانين وهم أبعد مايكونون عن لغة الفن الراقى المحترم. الغريب أن هؤلاء لم يكتفوا بالأفلام والمسلسلات التى تدر عليهم الملايين، فبادروا ودخلوا على خط الإعلام ليصبح لبعضهم برامج على القنوات الفضائية. أحد هؤلاء يقال عنه أنه ممثل كوميدى رغم أن ما يقدمه لا يمت إلى الكوميديا بصلة، فهو لا يقدم إلا الغث والعفن من خلال حركاته وكلماته. ويظهر فى الأفلام كإنسان رقيع يهز خلفيته ويقوم بحركات ممهورة بالانحطاط والتدنى. الغريب أنه انضم مؤخرا إلى إحدى الفضائيات ليقدم برنامجا جاءت حلقته الأولى صادمة عندما تحرش بضيفته الفنانة اللبنانية ومضى يخاطبها بحركات سفيهة وكلمات ذات إيحاءات جنسية.


آن الأوان لوضع حد لهذا العفن الذى يسيىء لمصر فى الداخل والخارج معا ويشوه صورتها ويظهر مجتمع المحروسة وقد تحول إلى ماخور للابتذال والتدنى. مايقدمه هؤلاء ممن يطلق عليهم رموز الإعلام والفن هو الضياع بعينه. ولهذا لابد من استدعاء ميثاق الأخلاقيات لإدراك أن العمل الإعلامى والفنى حرية ومسئولية فى الوقت نفسه. وعليه أناشد الدولة أن تتخذ الإجراءات الرادعة التى تكون كفيلة بمنع طاعون العهر والابتذال والخروج عن القيم كى تعصم المجتمع من هذا الزلل والرخص حتى يكون بمنأى عن معايير الضياع.