النصب التذكارى للكنّاس

02/03/2016 - 9:40:59

عادل سعد عادل سعد

كتب - عادل سعد

رجعت محزونا على بلدي مصر بعد زيارة خاطفة لألمانيا وتركيا.. في ألمانيا وبالتحديد في مدينة المتاحف الشهيرة درسدن اعتصرني الألم من شدة النظام، تقف على محطة الأتوبيس، وتخبرك اللوحة الضوئية أن الأتوبيس سيصل بعد ثلاث دقائق و١٧ ثانية، وبالتالي يمكنك التجوال وتعود قبلها بثوان، وفوق البنايات العتيقة تماثيل من الذهب الخالص لفرسان وآلهة، بحيث يمكنك معرفة الميدان المقصود من النظر للسماء وتتبع التمثال، وأحزنني أكثر أن أعرف أن تلك نفسها درسدن التي كتب عنها جان بول سارتر المتعاطف مع الألمان الذين احتلوا بلاده، بعد أن قصفت قوات الحلفاء درسدن بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية؛ لتقتل ما يقرب من ٢٠٠ ألف إنسان؛ ليقول إن كل من شاركوا في تلك الحرب البغيضة مجرمون بلا استثناء .


لم أجد في درسدن آثارا للحرب والدمار، وأحزنني أكثر وأكثر أن ألاحظ أن المدينة الواقعة في شمال ألمانيا والغارقة في غيوم وثلج الشتاء تتدفأ بالكامل بنظام الطاقة الشمسية، ولا شمس هناك في يناير.


البنوك الوطنية في ألمانيا اقتحمت مجالات الطاقة، الخلايا الشمسية باهظة الثمن، وتطوعت البنوك بحل المعادلة، وتوفير الأموال لبرمجة البيوت والمصانع بالطاقة الشمسية، على أن يتم سداد ثمن الخلايا الشمسية بالتقسيط المريح، السكان يسددون أقساط تركيب الخلايا الشمسية بأسعار تقارب سداد فاتورة الاستهلاك، هذا في أوقات الذروة في فصل الشتاء، والأغرب ما يحدث في فصل الصيف عندما يفيض منتج السكان عن الحاجة، فيعاد ضخه في الشبكة الرئيسية وتبيعه ألمانيا لأوربا عبر الشبكة الموحدة، ويربح السكان فوق سعر سداد القسط وفاتورة الكهرباء، هذا النظام يحقق المعادلة الصعبة، فلا أحد يشكو من غلو أسعار الكهرباء، لأن المستهلك يشتريها بالسعر نفسه الذي يبيعه للحكومة، يحدث هذا في درسدن المغطاة بالجليد والسحب معظم العام، ولا يحدث في مصر، التي أعتقد أن شمسا واحدة من واحاتها الساطعة يكفي لإنارة أوربا بالكامل، لكننا للأسف لا يوجد لدينا بنوك وطنية، بل نظام مصرفي شديد الكسل يعتمد على الفارق في الفوائد ما بين الإيداع والإقراض، وهكذا تضيع مواردنا في بناء محطات بخارية عملاقة بلا معنى تستنزف مواردنا الضئيلة من زيت البترول.


في أنطاليا التركية كانت أمامي مفاجأة أخرى صادمة، عرفت تلك المدينة الساحلية العجوز في مطلع التسعينيات، آثار الفقر في كل مكان، والدنيا تتخبط في أزمات متلاحقة من النظافة للطاقة للمواصلات لسلوك السكان .


واليوم شاهدت أنطاليا مختلفة تماما، يكفي أن بالمدينة الآن ١٤٠٠ فندق سياحي فوق خمس نجوم منها ٨٠٠ فندق فوق سبع نجوم، وبعضها ينسج الخيال على الأرض، في منتجعات أصبحت الأفخم في أوربا.


لم يكن ما حدث في أنطاليا ضربا من السحر، لكن كانت هناك دولة استدعت قدرات مواطنيها المسافرين بالخارج، ووفرت لهم الأرض والمرافق وذللت العقبات، وحاسبتهم على مواعيد تسليم المشروعات بجداول زمنية محددة، بينما كانت مصر تعذب أولادها المقيمين بالخارج بالبيروقراطية العجفاء وتنهب مدخراتهم، بينما تهب أراضيها لرجال أعمال من أصدقاء مبارك وولديه بلا مقابل تخصصوا في سمسرة الأراضي وتسقيعها وبناء مشروعات وهمية وخدمية لا تضيف جنيها واحدا لعجلة الإنتاج أو السياحة .


في «بلدج” إحدى ضواحي أنطاليا ، أطل فوق رأسي حصان طروادة الخشبي العملاق بارتفاع ٣٠ مترا؛ لاكتشف أن التمثال القائم على عجلات جزء من مدينة ملاهٍ كلها تتحدث عن أسطورة هوميروس الخالدة «الإلياذة» وشقيقتها «الأوديسة»، وتابعت حلقات التاريخ العثماني والبيزنطي، وقد تحولت لمزارات سياحية ساحرة، وما أصابني بالدهشة أكثر أن الشعب الذي كنا نتضرر كثيرا من تصرفاته صار ملتزما ومدربا على التعامل مع السياح بأقصى الانضباط، لدرجة تصيبك بالخجل من شدة الهدوء والأدب والنظام.


عن مستوى الخدمات والأسعار حدث ولا حرج، تطلب عسلا في الصباح فتجد أمامك قرص شمع من خلية نحل، وتشتاق للسمك فيجيء حيا في أحواض؛ لتختار ما تشاء طازجا للشواء، بينما الخباز يعجن من أجلك أي نوع من الفطائر والبيتزا كما تطلب .


وفي الضاحية الأخرى” كيمر” تقف الزوارق الفاخرة ، على رصيف الميناء، ويرتشف البحر من ألسنة الصخور وشعر غابات الصنوبر، وعلى امتداد الطريق مئات الأفدنة من ملاعب الجولف، والأوكسجين الزائد ينعش الأكباد والعقول .


في مدينة أنطاليا لم أعد أتذكر المكان، من النظافة والنظام، وحيوية الباعة وجودة المطاعم والكافيتريت، وهزني بشدة أن أتابع وجوها أعرفها جيدا منذ زيارتي القديمة لتركيا، لمجرمين عتاة، يستوقفهم في الشارع شباب ولا أروع، بملابس مدنية زاهية، يخضعونهم للتفتيش والنظام بلاضجيج ولا زحام، هؤلاء هم ضباط الشرطة، دخلت عفوا لإحدى محطات الترام بلا تذكرة، فلاحقني أحدهم على الفور، ولما عرف أنني أجنبي اعتذر بشدة واصطحبني، وأصر أن يقطع تذكرتي بنفسه ويرشدني.


تلك مدينة أخرى غير التي عرفتها منذ عشرين عاما، ياللهول، بنات بالميني جوب بجوار محجبات، ولا أحد يعترض على أحد، وشوارع قمة في النظافة والأناقة والنظام .


أخيرا كان أكثر ما هزني في ألمانيا وتركيا، تمثالا عملاقا لمحته على أرصفة أنطاليا الحانية من ظهره، ورحت لمواجهته لأتعرف على ملامحه، واعتقدت أنه أحد الزعماء، فإذا به تمثال لكناس عجوز يعتمر طاقية من الخوص ويدور بمقشته ليكنس الأرض، والأطفال يكتبون تحت أقدامه : «نحن نحبك «.


أخبرني رفيق الرحلة أن تمثال الزبال ليس بدعة تركية لأن معظم بلدان العالم تحترم الكناس إلا في بلادنا، فهناك من يذكره دائما بأنه يعيش مع القمامة، وأن أولاده لهذا السبب لا يستحقون الالتحاق بالمناصب السامية .