الأسير

02/03/2016 - 9:33:08

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

أحمد سعدة

فى «نص الليل».. تتهيأ القلوب للشكوى والبوح بما فيها، وترسل أوجاعها إلى السماء، بعد أن يئست من رحمة أهل الأرض.. «المصور» تحاول أن تشارك قراءها هذه الآلام وتلك الاعترافات وتقدم لها الحلول ...


حينما تقرأ رسالتى ربما تتخيل أننى رجل يُعانى من أزمة منتصف العُمر .. لكنى أُنبهك أن العمر ليس سبباً في ذلك الشقاء الذى أحياه.


إن الشقاء نُدبة فى روحى لازمتنى منذ الطفولة ولدت فقيرا ويتيما بلا أب وأنت تعرف معنى أن يعيش طفل بلا ضمة أب ،وصرت بحكم أقدارى مسئولا في مقتبل عمري عن أختي وأمى المريضة وكنت في الحقيقة باراً جداً بهما، وعطوفا عليهما.


استطعت أن أدرس وأعمل، وأعولهما وانتسبت لكلية التجارة.


لقد بدأت حياتي منذ عرفتها، وأحببتها، وأحببت معها نفسى وكل شيء ، لقد كانت أول حب في حياتي وأعترف أنها كانت على أتم الاستعداد لأن تنتظرني سنوات، حتى إنها واجهت أسرتها بذلك ،لكني كنت محبطا وبائسا.


وفكرت في الارتباط بلغة الأرقام والحسابات وتجاهلت لغة المشاعر والأحلام.                                                                                


وانتهت قصتنا ككل القصص الجميلة التي لا تكتمل .. !


اتهمتني بالجبن، ولها كل الحق، ولا عذر لي في ذلك،فأنا الذي تركت حبي يضيع أمام عينى، وأنا أتفرج، وتبددت أحلام السعادة في الهواء.


وجئت هنا للعمل في تلك المدينة الأوربية الباردة وعاد يطاردني ذلك الطفل الضعيف، البائس، الخائف، المتلهف إلى صدر يضمه ويحتوى ضعفه، ويد حانية تبدد رجفته وكانت يد صاحبة المطعم الذي عملت فيه. 


وهى امرأة كريمة، تكبُرني بخمسة عشر عاما وقفت بجانبي، وصرت لها زوجاً وسيداً على عرش قلبها، وكل ما تملك.


عشر سنوات مرت لياليها باردة ومتكررة، كليالي الشتاء الحزينة مرت وأنا أشعر ببرودة أطرافي وأصابعي، مرت وكأنني لم أعشها، ولم أستطع أن أحبها. !


وعاد الحب الأول يراودني ،وعرفت من صديق أن حبيبتي  السابقة ترملت منذ عام ومعها طفلان، بعد أن فقدت زوجها في حادثة، وعرفت أيضا أنها تسأل عن أخباري، وبدأت الذكريات تهاجمني وتداعب قلبي.


واليوم أكتب لك، ولم أعد أحتمل طوفان الحنين الجارف للوطن، وللحبيبة، وخصوصا بعدما راسلتها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وشعرت أن لي في قلبها نقوشا من الماضي لم ينل منها الزمن.


إن ما يعذبني الآن يا سيدي هو ضميري، ذلك الجلاد الذي لا يرحمني أمام توسلات ودموع زوجتي بألا أتركها، وألا أرحل بدونها ؟


أنا رجل غريب وشارد في بلاد غريبة، أنا رجل ضائع ووحيد، بلا بنت أو ولد بحثت عن كل شيء في الحياة، إلا سعادتي. !


إن زوجتي لها جميل يطوق عنقي، وهى الآن على مشارف الستين، وأنا في حيرة تماما من أمري وجبان كعادتي أمام القرارات الكبيرة.


أنا أتعذب.


الــــــرد


 إن عذابك لا علاقة له بحبك الأول ،ومشاعر الحنين التي تراودك ليست سوى أوهام تدفعك أنت وحبيبتك السابقة لإحياء هذا الحب واستعادته من تحت رماد اليأس والوحدة والملل. 


إن حبيبتك لم تعد كما كانت في السابق حينما كنت تحبها، لكنها الآن وبعد عشر سنوات صارت امرأة أخرى بخبرات حياتية أخرى، غير الفتاة التي عرفتها ورحلت عنها وخذلتها، والأمر هنا يحتاج منك أن تمنح نفسك وقتا للحكم على مشاعرك.


والمشكلة الحقيقية الآن في زوجتك الأجنبية.


وهى في الواقع ليست مشكلة أنها تكبرك بخمسة عشر عاما إنما في أنك لم تذكر كلمة واحدة عن إعجابك بها أو بروحها أو بشخصيتها، أو بأي شيء فيها، واكتفيت بأن يكون وقوفها بجانبك سببا وحيدا لزواجك منها.


إن زوجتك كانت حصان طروادة الذي اقتحمت به بلاد الشمال، مجرد تأشيرة مرور، وسبب للإقامة والبقاء.


ولولا ظروف سفرك واحتياجك المادي لها، لما كنت تزوجتها بدليل اختزال نظرتك لها على أنها عجوز تقترب من الستين، وعلاقة بهذا الشكل هى التي تؤلمك.


إن ما تحمله لها بداخلك مجرد شعور بالجميل، لكنك لم تخترها ولم تحبها يوما.


والزواج والحب ليس فيهما مجاملات، وأنت للآن لست سوى أسير لهذه العلاقة غير المتكافئة ،ولهذه الحسابات التي تتعلق بالأملاك والمطعم والعمل.


أنت تعيش قصة مفلسة بقلب عاطل تمثل فيها دورا هامشيا، دون أن تحقق بطولتك ،قصة في بلاد الغربة خالية من الحب والطموح والأمل وكأنه إصرار على الاستسلام والضعف والفشل.


والآن تتحدث عن الضمير الذي يعذبك ويقف حائلا بين بقائك وعودتك وأين كان ضميرك حينما رحلت عن حبيبتك وخذلتها، وتركتها للمجهول ؟


والحكاية هنا أساسا لا علاقة لها بالضمير لقد كنت صيدا وصيادا في نفس الوقت، منحتك الاستقرار والدعم، ومنحتها نفسك وجسدك، ومشاعر مصنوعة وكاذبة.


مجرد مصالح وحسابات وأرقام نفس الحسابات التي أبعدتك عن حبيبتك.


إن العلاقة بينكما مفقودة، ولا تحتاج لتفكير، وأنت سيد نفسك وسيد قرارك، وعليك أن تختار أمام هذه اللحظة الفارقة، والقرارات المصيرية دائما ما تحتاج للتضحية بشيء من أجلها.


إننا نعيش حياة واحدة ولا نملك غيرها، والذي مضى من عمرك لن يمكنك استعادته ،لكن الجريمة الحقيقية أن تبدد القادم من حياتك، وتهدر حقك في أن تعيش حياتك بالطريقة التي تحبها، وكأنك ارتضيت أن تكون تابعا معدوم الشخصية والإرادة.


واجه مشكلتك بصراحة واحسم قرارك بالانفصال مهما كلفك من خسارة لأنك وقتها ستكسب حياتك ، وفي النهاية من يحسن المعاشرة يحسن الفراق، واترك لها كل شيء، وارحل عنها برقي وسلام.


وإن لم تواتيك الشجاعة في الانفصال تحت ضغط الحسابات والأرقام فليس أمامك حلول ولن يبقى لك إلا الاستسلام للنهاية، ودفع ثمن ترددك.