هوليوود تحارب داعش!

02/03/2016 - 9:21:11

حمدى رزق حمدى رزق

كتب - حمدى رزق

كتب وزير الخارجية الأمريكى جون كيرى على حسابه الشخصى عبر موقع «تويتر» أنه التقى مديرى استوديوهات «إن بى سى يونيفرسال» و«وارنر» و«سونى بيكتشرز» و»والت ديزني»، واستمع «كيرى» خلال اللقاء، إلى وجهات نظر كبار رجال صناعة السينما والترفيه الأمريكية بشأن كيفية مساهمة الولايات المتحدة فى مواجهة خطاب تنظيم «داعش» وحملاته الدعائية.


هكذا يفكرون غربياً، مواجهة الخطاب الداعشى بخطاب هوليوودى، وما أدراك ما هوليوود وقدراتها إذا احتشدت، وسلطت مدفعيتها السينمائية الثقيلة على مواقع داعش، التنظيم المجرم «داعش» صنع الحالة المتوحشة بالأساس فى الاستديوهات المجهزة، مجموعة أفلام داعش التى تسجل مذابحها الدموية يقوم عليها محترفون يجيدون لغة الصورة، مواجهة الخيال بخيال، والصورة بالصورة، والفكرة بالفكرة، بالفيلم، بالمسلسل، بالحكاية، باستخدام كل الوسائل لبلوغ الهدف.


«كيرى»  فى شغل، لا يملك رفاهية الوقت؛ ليجلس إلى أباطرة هوليوود، لكنه يعلم جيداً أهمية السينما فى كسب حرب داعش، يضع هوليوود فى أتون المعركة، يسمع منهم ويتحدث إليهم، يطلب منهم تهيئة ساحة المعركة المقبلة، كيف نواجه خطاباً معادياً للبشرية والإنسانية بالصورة السينمائية، هكذا تورد الإبل.


تذكروا جيدا  فيلم. Black Hawk Down بلاك هوك داون  فى الصومال، وفيلم “منطقة خضراء” Green Zone فى العراق، واشنطن تحارب سينمائيا، السينما سلاح أمريكى لا يصد ولا يرد، سلاح لاختراق المناطق المحظورة إعلاميا؛ لتكسب المعارك على الأرض، تحتاج قبل الجيوش إلى رسم الذهنيات، وتصويب المعتقدات، وتهيئة ساحات المعارك، واشنطن لن تطأ أرض داعش قبل رحيل الرئيس أوباما، لكنهم يعملون على مدار الساعة، لتهيئة مسرح المعركة للرئيس القادم.


هل فكر رئيس الوزراء المهندس شريف إسماعيل  أو وزير من وزرائه الـ»مفتحين» أن يجلس إلى صناع السينما فى مصر، للتفاكر معهم فى كيفية مواجهة الخطاب الدينى المتطرف الذى استولى على العقول فى غفلة من الدولة المصرية، وأكل العشب من تحت العقول فصارت صحراء جرداء من الفكر، هل استلهم أحدهم درس كيرى، وسأل كيف  تسهم السينما صانعة الخيال فى مواجهة هذا الخطاب المهووس بلغة سينمائية خالية من مقبلات الخطاب الدينى المتطرف؟


السينما المصرية فى العقد الأخير إلا قليلاً، تصب فى نهر هذا الخطاب العنيف بعنف بالغ، لغة وفكراً وصورة، الناس ولّفت على الدم المراق على الشاشة الفضية، البطل صار إبراهيم الأبيض، محمد رمضان صار أيقونة البلطجية، سلسلة أفلام البلطجة والخروج على القانون رفد نهر العنف بالخيال، السينما تصور أقبح ما فينا وتعمد إلى تسييد لغة العنف والخروج على القانون، السبكية لن يجددوا الخطاب السينمائي، مولفون على الدم من أيام الجزارة.


قصر مهمة تجديد الخطاب على المؤسسات الدينية وحديث المؤسسات الثقافية، ومؤتمرات المرجعيات الدينية، وخطب الجمعة الموحدة،  قصور فى الخيال، لن تنهض بالمهمة المؤسسات الدينية، أصلاً هى حاضنة هذا الخطاب، وتوطئ للخطاب بمناهج تنحاز للقتل جهاداً، والتفسيق تكفيراً، والقمع بسلطان الفقهاء، التجديد مهمة أخرى يضطلع بها آخرون يحلقون فى الخيال، براء، لم يمسسهم هذا الخبل فى الخطاب، ولم يتورطوا فى ترويجه ردحاً من الزمن، أتطلبون من سميكى الجلود  خلع جلودهم؟..


اختلف ما شئت مع طرح مسلسل «الجماعة» لمؤلفه السيناريست الكبير وحيد حامد، لكنها أول محاولة اقتراب درامية حقيقية من قلب الجماعة، فى بحث عن جذور الجماعة التى تقتل وتفخخ وترهب المصريين، نحّ جانباً الرافضين للمسلسل من الإخوان والتابعين والكائدين، العاديون هم من استقبلوا المسلسل بترحاب، وتعرفوا لأول مرة على الجماعة التى حكمت مصر عاماً بالحديد والنار، قبل هذا المسلسل بحّ صوتنا فى شرح الإخوان، وتوثيق إجرامهم، ولكن مسلسلاً واحداً دخل كل البيوت بفكرة، والفكرة صارت حالة، والحالة استوت رأياً، إخوان كاذبون.


الجزء الثانى من الجماعة سيكشف عن جذور التكفير الذى استولى على عقل الجماعة، حالة سيد قطب، كيف خرجت الجماعة من السجن على المجتمع تكفيراً وتقتيلاً، فى تفسير درامى للحالة التى بات عليها الإخوان، عنف الإخوان ليس وليد رابعة، لكنه ولد فى زمن آخر ليس بعيدا.. زمن سيد قطب إمام التكفيريين، مؤسس الاتجاه القطبى فى الجماعة. 


لو أخلص المخلصون لإنقاذ هذا البلد لذهبوا مذهباً غير الذى يذهبون، تجديد الخطاب الدينى لن يكون بتغيير الخطاب على المنابر بل فى العقول، العقول سكنها التكفير والتفسيق، تغيير العقول عملية معقدة وطويلة المدى، تغيير الخطاب ليس بخطبة موحدة أو خطبتين، تغيير المذاق الذى يستطعمون، مذاق الدم هو ما يلعقه الشباب على مواقع التواصل الاجتماعى، الدم المراق يغرق الشاشات الفضية، البلطجى أبو سنجة بطل الشاشة.


«كيرى» الحاذق يعرف جيداً المطلوب من هوليوود، أشك أن أحداً فى مصر يعرف ما هو المطلوب، حتى عندما أتاهم المطلوب فى مسلسل «الأستاذ « ثروت الخرباوى » المسمى « التنظيم السرى» فى اقتراب حثيث من حشى التنظيم قبروه إذاعيا، ولم يجد من ينتجه تليفزيونيا، وكم من سيناريوهات لا تجد سبيلا إلى النور، مسلسل « ابن جماعة» للأستاذ عبد الجليل الشرنوبى على سبيل المثال، محفوظ فى مدينة الإنتاج إلى حين.


كيرى يا سادة لجأ إلى صناع  الخيال، ونحن نتنكب الطريق، الحل لن يكون أمنيا، هذه معركة شرحها يطول، المعركة فكرية عقلية، للأسف نلجأ لنفس الوجوه التى سارت طويلاً فى تيار العنف، وسقتنا بول الإبل، وكسرت أقدام التماثيل، وسجنت المفكرين، وكفّرت المجتهدين، هذه بضاعتهم ردت إليهم عنفا وتقتيلا وتكفيرا.


 لا تحاربوا السيف بالسيف فقط، لا تذهبوا إليهم على أرضيتهم الزلقة حتماً سنغرز فى وحلهم، ساحة المعركة ليست فى سلاح المتطرفين الذى كدسوه فى عام النكسة الإخوانية، المعركة ساكنة فى كتب الأقدمين، هم الغالبون لأنهم حافظون متمترسون عند حدود الحرف، مخلصون لمدرسة النقل، أين هى مدرسة العقل، الخيال يا سادة هو ما ينقصنا، التحليق فوق الرؤوس، أن تسبح تحت الماء لن ترى شيئا، ستضل الشاطئ حتماً، السباحة فوق الماء تمنحك فرصة لرؤية الشاطئ البعيد.. يرونه بعيدا، وأراه قريبا قريبا قريبا.. شوية خيال، طيب اتعلموا من كيرى!!.