قطر تتراجع فى المنطقة بعد سقوط الإخوان .. وعلاقاتها بأشقائها فى الخليج فسدت

26/08/2014 - 10:39:37

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

تحرير الندوة: إيمان رجب

السياسة الخارجية القطرية فى الشرق الأوسط، كانت محور الندوة التى عقدتها وحدة العلاقات الإقليمية بالمركز الإقليمى للدراسات الإستراتيجية بالقاهرة، فى أغسطس الجاري، بمقر المركز الإقليمى فى القاهرة. الندوة عُقدت بهدف مناقشة التحولات التى يشهدها إقليم الشرق الأوسط، وتحديد مسارات تأثيرها على مستقبل التفاعلات السياسية فيه.


فى البدء، مثلت السياسات الخارجية لقطر، فى الفترة التالية على الثورات العربية، "حالة" يستعصى تفكيك أجزائها، سواء فيما يتعلق بنزوعها للعب دور "الدولة الداعمة للتغيير"، من خلال دعم جماعات الأخوان المسلمين فى الوصول لرأس السلطة كما حدث فى مصر وتونس بعد الثورة فيهما، أو فى الحصول على نصيب مهم من السلطة كما حدث فى ليبيا، أو غيرها من القوى الداعية للتغيير السياسى فى دولها، مثل جماعات المعارضة فى البحرين والسعودية، أو فيما يتعلق بالطموح القطرى الخاص بلعب دور سياسى "مؤثر" فى تفاعلات الشرق الأوسط، يفوق حجمها كدولة صغيرة بحكم حجم مقدرات القوة التى تمتلكها.


رغم وصول الأمير تميم للسلطة، وما صاحبه من موجة تفاؤل خاصة بقدرة الأمير الشاب على تغيير مسار السياسات الخارجية لدولته، وتحسين علاقاتها مع غيرها من دول الخليج، لم يحدث تغيير كبير في سياسات قطر الخارجية، وهو ما يفيد بعدم حدوث تغير كبير في هيكل صنع القرار في داخل قطر


وفى ضوء التحولات التى يمر بها إقليم الشرق الأوسط فى الفترة الأخيرة، لم يعد "المزاج العام" فى الإقليم يقبل استمرار السياسات القطرية، على النحو الذى نشطت به خلال الفترة التالية على الثورات العربية، سواء بالنسبة لدول الخليج المجاورة جغرافيا لها، أو بالنسبة للقوى الرئيسية فى الإقليم مثل مصر، لاسيما وأن شبكة التحالفات التى كونتها قطر خلال الفترة الماضية، أخذت تتفكك بعد سقوط حكم الأخوان المسلمين فى مصر فى 30 يونيو 2013، حيث يبدو أن رهان قطر على أخوان مصر، كان يمثل حجز الزاوية فى دورها الإقليمى فى الشرق الأوسط.


وإذا كان النظام الجديد فى مصر، يتجنب التصعيد المعلن فى مواجهة قطر، رغم السياسات التى لاتزال تتبعها دعما لجماعة الإخوان المسلمين، وتحركاتها فى الخارج، فإن دول الخليج لم تعد تتردد فى الإفصاح عن عدم رضاها عن السياسة القطرية، التى لم تعد تهدف فقط لممارسة نفوذ ما فى منطقة الشرق الأوسط، ينافس النفوذ السعودي، أو الإماراتي، وإنما أصبحت سياساتها تهدد الأمن الوطنى لهذه الدول، وإن بدرجات متفاوتة، لاسيما وأن هذه السياسات لا تمارس من خلال الأدوات الرسمية فقط ممثلة فى وزارة الخارجية، وإنما أيضا من خلال فاعلين من غير الدول، مثل منظمة التغيير، وجماعة الإخوان المسلمين، وقناة الجزيرة، والجماعات المسلحة فى مناطق الصراع المشتعلة، وهى أدوات لايمكن التحكم فى تأثيرها أو تتبعه.


وهذا ما يكشف عنه سحب كل من الإمارات والسعودية والبحرين سفرائها من قطر فى 5 مارس 2014، وما تبعه من إجراءات تحاول من خلالها الضغط على قطر من أجل تغيير سياساتها تجاه عدد من القضايا الخليجية والإقليمية، ومن ذلك اجتماع الرياض الذى تمخضت عنه وثيقة الرياض والآلية التنفيذية الخاصة بها، والتى تلزم قطر بترحيل القيادات الأخوانية، وبوقف دعمها لأخوان مصر، وبتغيير السياسة الإعلامية لقناة الجزيرة.


ورغم ذلك، تظل قطر تحتفظ بشبكة تحالفات إقليمية تسمح لها بالاستمرار فى لعب أدوار محددة فى قضايا إقليمية معينة، سواء فى غزة أو ليبيا أو اليمن أو سوريا، فعلى سبيل المثال، تكشف ردود الفعل الإقليمية والدولية على المبادرة التى طرحتها قطر من أجل وقف الحرب فى غزة، عن استمرار العلاقة الخاصة بين قطر وتركيا والولايات المتحدة، والتى تدعم ممارستها دور ما فى قضايا المنطقة، طالما يتقاطع ذلك الدور مع مصالحها الاستراتيجية.


يقوم التصور الرئيسى للندوة، على أن تحديد مسارات مستقبل سياسات قطر فى الشرق الأوسط خلال الفترة المقبلة، تحكمه متغيرات داخلية، خاصة بتوجهات الأسرة الحاكمة فى قطر، وأخرى خارجية، تتعلق بمدى قبول الدول فى الإقليم لاستمرار السياسات القطرية على النحو الذى كانت عليه فى الفترة السابقة، فضلا عن موقف الولايات المتحدة من هذا الدور.


وفى هذا الإطار، ناقشت الدائرة المستديرة، أربعة محاور رئيسية، وهى التوجهات السياسية للنخبة الحاكمة فى قطر، وأبعاد السياسة الخارجية لقطر فى المنطقة، والسياسات الإقليمية تجاه قطر، ومستقبل السياسة القطرية.


ويعرض هذا التقرير، الاتجاهات الرئيسية للنقاش فى ضوء الأوراق والمداخلات التحليلية التى قدمها المشاركون، وهم ريهام مقبل، باحث محلل فى المركز الإقليمى للدراسات الاستراتيجية بالقاهرة، ود. معتز سلامة، رئيس برنامج دراسات الخليج فى مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، والسفير الدكتور عزمى خليفة، مستشار المركز الإقليمى للدراسات الاستراتيجية بالقاهرة، واللواء الدكتور محمد مجاهد الزيات، رئيس المركز القومى لدراسات الشرق الأوسط ومستشار المركز الإقليمى للدراسات الاستراتيجية بالقاهرة. وقد افتتح الدائرة المستديرة اللواء الدكتور محمد قدرى سعيد كبير المستشارين فى المركز الإقليمى للدراسات الاستراتيجية فى القاهرة، وأدار النقاش، السفير الدكتور هانى خلاف، مساعد وزير الخارجية الأسبق للشئون العربية.


الأمير الأب هو من يحكم


رغم وصول الأمير تميم للسلطة، وما صاحبه من موجة تفاؤل خاصة بقدرة الأمير الشاب على تغيير مسار السياسات الخارجية لدولته، وتحسين علاقاتها مع غيرها من دول الخليج، لم يحدث تغيير كبير فى سياسات قطر الخارجية، وهو ما يفيد بعدم حدوث تغير كبير فى هيكل صنع القرار فى داخل قطر.


وقد اتجه النقاش إلى أن الأمير تميم لايملك السلطة فى قطر، وأن من يدير الدولة هو الأمير الأب الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني. وفسر هذا الرأى تخلى الأمير حمد عن منصبه فى 28 يونيو 2013، بمسعاه إلى ضمان حق ابنه فى تولى الحكم، لاسيما فى ظل تزايد نفوذ رئيس الوزراء القطرى حينها الشيح حمد بن جاسم، والذى كان يهدد فرص تولى تميم الحكم، حيث شغل بن جاسم أيضا منصب وزير الخارجية، وسيطر على مؤسسات الدولة، فكان هناك ما يشبه الصفقة مضمونها خروج الأمير حمد وحمد بن جاسم مقابل تولى تميم السلطة.


ورغم أن هذا الاتجاه يذهب للقول بأن من يدير الدولة هو الأمير الأب، إلا أن الدور الذى تلعبه الشيخة موزة وحمد بن جاسم، لاتزال حوله الكثير من التساؤلات. وقد رأى اتجاه آخر فى النقاش، أن من يدير قطر حاليا هى "إدارة الحَمَدَين"، وهما الأمير الوالد السابق الشيخ حمد بن خليفة، ورئيس الوزراء وزير الخارجية السابق الشيخ حمد بن جاسم، حيث يرى هذا الاتجاه أن نفوذ هاتين الشخصيتين فى صنع القرار فى قطر لم يتغير بعد تولى تميم، وقد يرجع ذلك إلى قناعة الأمير تميم بتبنى السياسة ذاتها لهذه الإدارة باعتباره كان جزءًا فاعلا فيها ومشاركًا فى رسم سياساتها، أو بسبب عدم قدرته على تحييد الضغوط التى تُمارسها عليه هذه الإدارة.


ويفسر هذا الفريق سياسات قطر الخارجية فى إقليم الشرق الاوسط، برغبة الأسرة الحاكمة فى لعب دور مستقل تماما عن التوجهات السعودية فى المنطقة، يقوم على الدعم الرسمى لتيار إسلامى مختلف عن الذى تدعمه السعودية، وهو التيار الذى تعبر عنه جماعة الأخوان المسلمين، باعتباره تيار "معتدل"، وذلك فى محاولة من الحكم فى قطر لتحييد تبعية المجتمع القطرى للمذهب الوهابى السعودي، وهو ما ترجم عمليا إلى استضافة قطر للشيخ يوسف القرضاوي، والذى نجح فى امتلاك نفوذ كبير داخل قطر باعتباره ممثلا للإسلام المعتدل، فإلى جانب برنامجه الذى يُذاع على الجزيرة بشكل مستمر، فإن خطب يوم الجمعة الخاصة به تذاع أيضا على التلفزيون القطري.


ولاتزال قطر فى عهد الأمير تميم تراهن على الإخوان المسلمين، ولاتؤيد السياسات التى تتبعها عدة دول خليجية فى مواجهتهم، حيث صرح الأمير تميم فى القمة العربية الأخيرة التى عقدت فى الكويت فى 25 مارس 2014 بأنه "لا يجوز وصف الإخوان بالإرهابيين، فالإرهابيون هم من يقتلون المدنيين".


إلى جانب ذلك، تنتهج قطر سياسة مختلفة عن السياسة السعودية تجاه معظم قضايا المنطقة، لاسيما وأن الحكم فى قطر دأب على التأكيد على أن قطر لا تتبع "عقلية المحاوِر" السائدة فى منطقة الشرق الأوسط، ولكن يظل من الصعب تحديد نوع المصالح التى تسعى قطر لتحقيقها من وراء اتباعها سياسات متناقضة أحيانا، ومتعارضة فى أحيان أخرى، وغير متسقة مع بعضها فى أحيان ثالثة.


«ورطة» قطر فى المنطقة


نجحت قطر خلال الفترة الماضية فى تبنى سياسات نشطة تجاه القضايا الرئيسية فى المنطقة، سواء فى أفغانستان أو ليبيا أو اليمن أو سوريا أو مصر، وغيرها من دول الثورات العربية، معتمدة على ما تمتلكه من وفرة فى المال، والأدوات الإعلامية، فضلا عن شبكة علاقاتها مع القوى الدولية، خاصة الولايات المتحدة، على نحو يثير تساؤل حول الهدف من هذا النشاط القطري، ونوع المصالح التى تسعى لتحقيقها، حتى أن فريق من المحللين رأى ان ما تقوم به قطر فى المنطقة هو خدمة المصالح الأمريكية، وليس المصالح القطرية، فهى بمثابة "مخلب قط" أمريكى فى المنطقة.


وفى تحليل أبعاد السياسة الخارجية لقطر فى إقليم الشرق الأوسط، ذهب اتجاه فى النقاش، إلى أن النشاط المتزايد لقطر فى العديد من قضايا المنطقة، على نحو جعلها تلعب أدوار متعددة، تفوق حجمها كدولة صغيرة، قد جعلها فى "ورطة" حول كيفية إدارة سياستها الخارجية خلال الفترة المقبلة. حيث يرى هذا الفريق أن رهان قطر على جماعة الإخوان المسلمين، جعلها تتبنى مشروع إقليمى غير مقبول للمشروع الذى تتبناه كل من السعودية والإمارات، ولاسيما وأن السعودية والإمارات اعتبرتا الإخوان جماعة إرهابية، على نحو جعل علاقتها مع هاتين الدولتين فى مأزق حقيقي.


ومن ناحية ثانية، يرى هذا الاتجاه أن الدور التدخلى الذى تلعبه قطر مؤخرا فى المنطقة، أصبح يهدد أمن دول الخليج، ويجعلها مناوئة للاستقرار السياسى فى هذه الدول، لاسيما وأنها تقيم تحالفات مع قوى متناقضة، ومع قوى غير رسمية، وبينما كان ذلك يسهل لها إبرام صفقات وتسويات وطرح مبادرات وساطة فى السابق، فإنه أفسد علاقاتها حاليا بالدول والقوى الرسمية. ويحذر هذا الاتجاه من احتمال أن تنقلب علاقات قطر مع القوى غير الرسمية إذا قررت تغيير موقفها منها، وقد تنقلب هذه القوى عليها، وتثير لها مشكلات داخلية تالية.


ويرى هذا الاتجاه، أن أحد أبعاد مأزق قطر الحالي، هو عدم قدرتها على تغيير خطها السياسى الراهن، فى ضوء تعبئة الرأى العام الداخلى لمايزيد على عقد، وتغلب ثقافة سياسية لدى جيل قطرى سيطرت عليه أفكار السلفية والإخوان، وأحكم علاقاته مع جماعات المصالح المختلفة وقوى الإسلام السياسي، حيث رفعت الأسرة الحاكمة بذلك الطموح الداخلى بالقدرة على إحداث تغيير ما فى الإقليم دون امتلاك القدرة على تحقيقه. ويمكن لذلك أن يجعلها فى مواجهة ارتدادات داخلية عنيفة إذا أقدمت على تغييرات دراماتية فى سياساتها الخارجية.


ضغوط إقليمية على قطر:


تعد السياسات الإقليمية تجاه قطر مهمة حتى تستطيع قطر الاستمرار فى دورها الاقليمي، أو قد تمثل قيد يحد من نشاط هذا الدور، لاسيما وأن سياسات قطر تجاه بعض القضايا جعلها دولة "مثيرة للمشاكل"، لاسيما بالنظر إلى دورها فى دعم أنشطة جماعة الإخوان المسلمين فى الخارج، أو "مصدر تهديد"، حتى بالنسبة لدول الخليج التى تحتفظ معها بعلاقات تاريخية واجتماعية عميقة، أو ببساطة "لغز" لايمكن تفكيكه، مثل دورها فى الإفراج عن العديد من الرهائن الذين يتم اختطافهم من قبل الجماعات الإرهابية.


وقد سيطر على مناقشة السياسات الاقليمية تجاه قطر، اتجاه يرى أنه لاتوجد سياسة موحدة تتبعها الدول الرئيسية فى اقليم الشرق الأوسط تجاه قطر. حيث يرى هذا الاتجاه أن السعودية تدرك أن قطر دولة تبحث عن دور يفوق امكانياتها، وقد جعلها ذلك فى حالات معينة دولة "مثيرة للقلاقل" فى المنطقة، وأن علاج الأزمة فى العلاقات معها والتى تسببت فى سحب السعودية سفيرها من قطر فى 5 مارس 2014، هى والإمارات والبحرين، يكون من خلال الحوار بهدف دفع قطر لتغيير سياساتها الخارجية تجاه القضايا التى تمثل مصلحة بالنسبة للسعودية، وهى تشمل وفق ما تناقلته عدة تقارير معلوماتية إغلاق قناة الجزيرة ، ووقف الدعم لجماعة الأخوان المسلمين.


وفى حالة مصر، رأى هذا الاتجاه أن مصر ترى قطر دولة صغيرة لا تملك سوى المال وقناة الجزيرة، وتبنت مسارين فى إدارة العلاقات معها، وهما مسار التعامل الإعلامى مع قطر، ومسار التنسيق مع الجانب الخليجي، والضغط من جانب الدول العربية على قطر لتغير من سياساتها تجاه جماعة الإخوان المسلمين. ورأى هذا الاتجاه أن سياسات الجزائر تجاه قطر، لا تختلف كثيرا عن السياسات المصرية، لاسيما فى ظل إدراك الجزائر الدعم الذى تقدمه قطر لقوى الإسلام السياسى النشطة فى شمال أفريقيا، بما فى ذلك جبهة الانقاذ، وفى ظل حاجتها فى الوقت ذاته لاستمرار الاستثمارات القطرية فيها.


وفى حالة تركيا، فإنها تعد وفق هذا الاتجاه، أكثر قدرة على تنسيق سياساتها مع قطر، نظرا لتشاركهما فى أهمية الدور السياسى لقوى "الإسلام المعتدل"، وتحديدا جماعة الأخوان المسلمين، وهو ما يكشف عنه وفق هذا الاتجاه، دور تركيا وقطر فى منظمة التعاون الإسلامى ورابطة العالم الإسلامي، وكذلك السماح للتنظيم الدولى للأخوان المسلمين بعقد اجتماعاته فى تركيا، واستضافة قطر للقيادات الإخوانية الهاربة من مصر.


وفيما يتعلق بإيران، رأى هذا الاتجاه، أن ايران تعمل على توظيف قطر لتحقيق مصالحها فى المنطقة، وللترويج لأفكارها المتعلقة بأمن الخليج، والتى تقوم على أن مسئولية تأمينه تقع على عاتق الدول المطلة عليه، وذلك رغم استضافة قطر للقواعد الأمريكية، وهو ما يشير إليه بقوة دعوة أمير قطر السابق للرئيس الايرانى السابق أحمد نجاد للمشاركة فى قمة مجلس التعاون الخليجى التى عقدت فى الدوحة فى 2007، والتى طرح فى كلمته فيها تصوره لأمن الخليج.


ورأى هذا الاتجاه، أن احتفاظ قطر بعلاقات مع إسرائيل، بقدر ما يؤكد تناقض السياسات القطرية، بقدر ما يخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية، خاصة وأن إسرائيل تدرك أن قطر "لعبة أمريكية"، وأنها مدخل للحديث عن تطوير العلاقات مع دول الخليج.


سيناريو «تراجع» الدوحة


تجعل التحولات التى يمر بها إقليم الشرق الأوسط، تحديد مستقبل قطر فى الإقليم مرتبط بمسارات متعددة، تحكمها متغيرات داخلية وخارجية، لاسيما وأنه من غير الواضح مدى قدرة قطر على الاستمرار فى دورها النشط فى المنطقة فى ظل توتر علاقاتها مع السعودية وغيرها من دول الخليج، وتجمع هذه المسارات ما بين انكماش مؤقت لدورها السياسى لصالح تصاعد أدوار دول أخرى، أو استمرار توسع دورها ولكن على نطاق أكثر محدودية من الفترة السابقة، أو عودة دور قطر إلى ماكان عليه فى الفترة السابقة على الثورات العربية.


وقد ذهب اتجاه فى النقاش، إلى أن مستقبل سياسات قطر الخارجية فى الشرق الأوسط، مرتبط بمسار تراجع الدور القطري، مع استمرار امتلاك الدوحة لأدوات هذا الدور، وهى القدرة المالية التى تسمح لها بتنفيذ العديد من الاستثمارات فى مناطق مختلفة فى العالم، وبعقد الصفقات العسكرية مع القوى الكبري، والتعامل مع الفاعلين غير الرسميين، والتوسط فى أزمات المنطقة، وتقديم نفسها باعتبارها الدولة التى تستطيع أن تقود مفاوضات المسار الثانى مع أى أطراف أخرى.


ويستند هذا الاتجاه فى تصوره هذا، إلى أن هناك تراجعًا للدور القطرى فى المنطقة العربية، فالتدخل القطرى فى الصراع الدائر فى سوريا منذ مارس 2013، لم يسقط نظام الأسد، وأصبح دعمها للجماعات الإرهابية هناك غير مقبول من الغرب. كما أصبح هذا النظام يستعصى على السقوط، حتى أن هذا الاتجاه توقع أن يطول أمد هذا الصراع لفترة من الزمن. كما تعترض الجزائر على دور قطر فى ليبيا، خاصة مع تراجع نفوذ الأخوان المسلمين هناك.


وإلى جانب ذلك، يرى هذا الاتجاه، أن تراجع الحالة الثورية فى المنطقة سيؤدى بالضرورة إلى تراجع الدور القطري، وتحديدا دورها فى "دعم التغيير"، فضلا عن تراجع الوزن السياسى لجماعة الإخوان المسلمين فى المنطقة، وهى أحد أدوات تحرك قطر فى المنطقة.


رغم أهمية هذا النقاش فى تفكيك أبعاد اللغز الذى تعبر عنه قطر، إلا أن التطورات التى تشهدها المنطقة، تطرح أبعاد أخرى بحاجة لمناقشة، سواء من حيث طبيعة الدور الجديد الذى يكن أن تسعى قطر للعبه فى المنطقة، فى حال تراجع دورها كما ذهب اتجاه فى النقاش، أو من حيث طبيعة علاقتها مع دول الخليج، فرغم اختلال ميزان القوى بين قطر والسعودية والإمارات، فإن قدرتها على التأثير فى سياسات هذه الدول وأمنها تفوق قدرة أى من الدولتين على التأثير فى سياسات قطر، على نحو جعل محاولات الوساطة التى تقوم بها الكويت، محاولات تفتقد إلى أدوات ضغط حقيقية يمكن استخدامها ضد قطر من قبل هاتين الدولتين.


إلى جانب ذلك، ورغم أهمية المتغير الإقليمى فى تحديد مستقبل سياسات قطر الخارجية، من حيث الأدوار المقبولة، والأدوار غير المقبولة، إلا أن استمرار الدعم الأمريكى لسياسات قطر، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أو عن طريق تجنب انتقادها رغم تعارضها مع السياسات المعلنة لواشنطن، كما فى حالة الدعم القطرى للجماعات الارهابية فى سوريا، يجعل قدرة قطر على المناورة كبيرة، وبالتالى عدم الخضوع للضغوط الاقليمية المطالبة بتغيير سياساتها الخارجية