كأسك .. ياهتلر !

26/08/2014 - 10:24:55

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

بقلم : أحمد النجمى

مثل "المنقذ"، انتخبه شعب عظيم كالشعب الألمانى .. اعتبروه مؤسساً للمجد الزائل لأمتهم، يستطيع استعادته.. ليجمع بين لقبين لم يجمع بينهما ألمانى واحد منذ بداية الدولة هناك وحتى الآن.. لقب "الفوهرر" الذى يجمع لقبى "المستشار" و"الرئيس" .. هكذا أتى الألمان - أحد أذكى شعوب الأرض - بأدولف هتلر ، المختل عصبيا ونفسياً، المتعصب قومياً، المجنون عقائدياً، ليصبح دكتاتوراً لألمانيا، ويحلم بأن يحكم العالم من "برلين" "عاصمة" "الرايخ"، كان هذا فى 19 أغسطس 1934، قبل 80 عاماً بالضبط، وبعد هذا التاريخ بأقل من 11 عاماً سقط هتلر، وجرى احتلال ألمانيا، ودخل العالم مرحلة تاريخية جديدة، لكن "نموذج هتلر" - الديكتاتور المجنون الذى يظن نفسه الأذكى ويظن حزبه الأقوى - لايزال قائماً.. من هتلر، إلى القذافى وصدام حسين ، وأخيرا المعزول "مرسى" الذى لو تركه المصريون فى الحكم لاشتعلت مصر وصارت "ألمانيا" جديدة، أى تم تقسيمها واحتلالها .. فاعتبروا يا أهل الاعتبار


لو كان الناخب الألمانى يعلم أنه سيدفع ثمن اختياره لأدولف هتلر مستشاراً لألمانيا (واللقب يعنى صاحب السلطة الحقيقية فى الدولة) سنة 1933 ثم رئيساً لها فى 19 أغسطس 1934، بعد وفاة الرئيس "هندنبورج"، لما انتخبه.. لأن هذا الناخب سقط بعد عشرة أعوام فريسة لاحتلال4 دول، وفقد أمه أو زوجته أو ابنه أو ابنته أو روحه - هو شخصيا - نتيجة جنون هتلر، الذى كلف الأمة الألمانية مئات الآلاف من الأرواح، وكلف العالم ملايين الشهداء .. فى حرب جنونية - الحرب العالمية الثانية من 1939 إلى 1945 - فضلاً عن ضياع السيادة الألمانية وتقسيم الدولة لمدة 45 عاما تقريبا إلى شرقية اشتراكية وغربية رأسمالية .. انتحر "هتلر" وترك السفينة تغرق بركابها، هؤلاء الذىن كان ذنبهم الوحيد أنهم انتخبوه .. !


فى ذلك التاريخ المشئوم قبل 80 عاما ، حاز هتلر لقب "الفوهرر"الكلمة التى تعنى بالألمانية: القائد الشجاع .. وكان القائد الشجاع هذا رئيساً للحزب النازى ، مشبعاً بالفكرة القومية المتطرفة التى تقصى الآخر .. لا الفكرة القومية البناءة - كالقومية العربية مثلا - فكان وحزبه يؤمنان بأن الألمانى - النقى عرقياً - هو الأفضل بين بنى البشر، والعنصر الوحيد الذى يستحق لقب "الإنسان" ، ويؤمنون بأن "البقاء للأقوى" - كما قال الفيلسوف "نيتشه" - وعلى هذا الأساس.. كان البرنامج الحقيقى لهذا الحزب هو تصفية سائر الأمم فى أوربا والولايات المتحدة لتكون أراضيها جزءا من ألمانيا العظمى والغاية هنا تبرر الوسيلة فحين يبيد هتلر أمماً كاملة بحجة "النقاء" فهو يتاجر على شعبه بهذه النظرية، أما الشعوب الأخرى فهو يخدعها بحجج أخرى.. يقتل الشعوب البيضاء لتفرح الشعوب السمراء المقهورة، والعكس صحيح .. ويقتل اليهود فى "المحرقة" ليفرح العرب الذين كانوا يخشون إقامة الدولة الصهيونية آنذاك ، ولو اجتاح هتلر مصر - كما كان يريد فى 1942 ، معركة العلمين - لإبادة المصريين وانطلق من مصر إلى بقية العالم العربى ليبيد الناس، فيفرح اليهود بإبادة العرب وتبقى راية ألمانيا العظيمة خفاقة، ومن يعش من هذه الأمم، فسيكون خادماً وضيعاً للألمان.. والسذج الذين انخدعوا بدعاية هتلر التى قامت على نظرية الرجل الإعلامى "اكذب ثم اكذب ثم اكذب" .. فسوف يصدقك الناس"، هرولوا إلى تأييده، من مفتى فلسطين طيب القلب "أمين الحسيني" الذى صدق أن هتلر سيبيد اليهود لصالح العرب، والتقاه اكثر من مرة، أو قائد الانقلاب فى العراق سنة 1941 "رشيد الكيلانى" ، أو الملك فاروق فى مصر، الذى كان يؤيد هتلر سراً ويتخابر معه كراهية منه فى الإنجليز والوفد، إلى أن أجبره الإنجليز على السير فى الاتجاه المعاكس والانحياز لهم مع حادث 4 فبراير 1942 .. كل من أيدوا هتلر كانوا من السذج وطيبى القلوب - كالحسينى والكيلانى - أو أصحاب الأهواء الشخصية والفاسدين مثل "فاروق" .. لم يعرف عن عاقل واحد أنه أيّد هتلر .. لماذا ؟


لأن هتلر الذى أتى إلي السلطة بصندوق الاقتراع ، انقلب على الديمقراطية ومارس الديكتاتورية فى أبشع صورة ، وبمبررات مجنونة.. ومن الثابت تاريخياً أن الرجل كان مختلاً ومريضاً نفسياً، لقداستخدم الديمقراطية كاستخدامنا "السلم النقالى"، فبعد أن وصل إلى الحكم، تخلص من هذا السلم إلى الأبد.. ليمنع الآخرين من الصعود عليه، واستأثر بالسلطة، وعاش الألمان معه عصراً من الكذب المستمر وجنون العظمة وتقديس الحاكم والعنصرية الكاملة .. ودخل الملايين إلي عضوية "الحزب النازى" الذى يرأسه "الفوهرر المجنون"، واكتفوا بالمجد ، واستغنوا عن العقل.. فصاروا - بعد ذلك - عبرة لمن يعتبر !


والديكتاتور المجنون حقق الانتصارات العسكرية الجبارة السريعة، وسقطت فى يد جيشه بلاد كاملة، لها مجدها واسمها وتاريخها العريق.. حسبك منها "فرنسا" .. التى قاد "ديجول" جيشها الحر لمحاربة هتلر بعد ذلك حتى تم تحريرها، واجتاح بولندا وتشيكوسلوفاكيا والمجر، حتى قرر احتلال "روسيا" ، التى كانت فى ذلك التوقيت تبنى اشتراكيتها فى عهد "ستالين" ، كان "الاتحاد السوفييتى"، آنذاك قوة نامية، توقع الجميع سقوط "روسيا الاشتراكية" فى قبضة هتلر المجنون.. لكن الجيش السوفييتى والشعب السوفييتى ناضلا طويلا ضد الجيش النازى ، حتى أن المؤرخين أجمعوا على أن هزيمة هتلر وانسحاب جيشه من روسيا كان الضربة القاضية لحلمه المجنون بأن يحكم العالم .. وهكذا حاول هتلر احتلال روسيا فكان الناتج عن محاولته قيام "حلف وارسو" .. كيف؟ لقد طاردته القوات السوفيتية في شرق أوربا حتي دخلت برلين وكل البلاد التي احتلها هتلر شرق أوربا سقطت فى يد الجيش السوفييتى ، وسرعان ماتحولت إلى الاشتراكية، لاسيما أن هذه البلدان قبل الغزو الهتلرى لها، كانت بها قوى اشتراكية ناهضة، ونقابات عمالية وتنظيمات يسارية.. هكذا ضحك التاريخ على هتلر، وهكذا ضحك منه ! فاحتلاله للأراضى واسقاطه للدول، تحول إلى احتلال لألمانيا ونهوض اشتراكى لهذه الدول بعد تحررها من احتلاله البشع.. أما غرب أوربا، فقد انتصرت أمريكا، التى كان يرأسها أيامئذ "روزفلت" ، أحد أعظم رؤسائها على الإطلاق على هتلر، وحررت قواتها مع القوات البريطانية (فى حكم رئيس الوزراء البريطانى الشهير "تشرشل") وقوات الجيش الفرنسى الحر "بقيادة ديجول" فرنسا وغرب أوربا من الاحتلال النازى.


أطبق قادة الدول الأربع - ستالين ، روزفلت، تشرشل، ديجول - على رقبة هتلر ، وقضوا على جنونه، وعلى جيشه الرهيب، مثلما قضوا على حليفيه العتيدين : موسولينى فى إيطاليا، وإمبراطور اليابان فى أقصى الشرق .. تلك التى ضربها "ترومان" - خليفة روزفلت الذى حل محله فى رئاسة أمريكا فى أواخر الحرب، عقب وفاته - بالقنبلة الذرية .. !


هكذا قاد "هتلر" محور الجنون ست سنوات إلا بضعة شهور، واختار أن يقاتل شعوب الأرض جميعاً، ليستولى على بلدانها، يقتل من يقتل، ويأسر من يأسر، ويستعبد من يستعبد.. ليصبح امبراطوراً على العالمين.. لكنه انتهى مهزوماً مدحوراً خائفاً مرتعداً منتحراً فى 30 أبريل 1945 ، ومن بقى من نظامه المجنون الفاسد إما هرب إلى أقصى الأرض، أو حوكم أمام محاكم دولية، فقد اعتبرت النازية جريمة، وعدها الغرب ذنباً لايغتفر، وصارت ألمانيا - فيما بعد - أكبر عدو للفكرة النازية بعد أن تجرعت الكأس كاملة !


وبزغت قوة الاتحاد السوفييتى العظيمة من رحم هذه المأساة التى عاشتها البشرية ست سنوات، وانطلق الأمريكيون يغزون العالم اقتصاديا وسياسياً بعد انتحار "الفوهرر" المجنون، وانطلق التاريخ ينسج نسيجه الجديد ، فيما سمى بعصر "الحرب الباردة" أو "القطبية الثنائية" .. وهكذا منطق التاريخ، يعده البعض جنوناً، لكن من يرون التاريخ جنوناً أو الجنون تاريخاً، هم هؤلاء الذين لايؤمنون بأن للتاريخ قوانينه التى تحركه .. فها هو مجتمع رأسمالى قوى اقتصادياً وديمقراطياً وسياسياً، يصل فيه إلى الحكم مجنون.. ثم يلغى الديمقراطىة، وثمانون عاما على هذا الحدث قصيرة فى المجتمعات التى تحكم بالديمقراطية تجد نفسها أمام كارثة فى بعض الأحيان، إذا لم تقترن تلك الديمقراطية بتطورها الاقتصادى - الاجتماعى المنشود، وإذا لم تضبطها قوانين سياسية واضحة تمنع هتلر وأمثاله - وأمثاله كثيرون ! - من الوصول للحكم!


مثل هذا التطرف القومى الشاذ الذى جعل "هتلر" يصل إلى الحكم ، هو نفسه - بمسميات مختلفة - الذى قاد المعزول "مرسى" إلى الحكم فى مصر فى صيف 2012 ، والمقارنة ليست صعبة !


النازية هنا لدى هتلر - وهى ذروة الجنون القومى - يقابلها لدى "مرسى" وجماعة الإخوان الإرهابية "حلم الخلافة" ، أو التطرف فى نظرية "الإسلام السياسى"، ومرسى قد تبدو ملامحه طيبة، بالمقارنة بملامح هتلر.. لكن وراء ملامح مرسى انتماءه للإسلام الإخوانى، الذى يرى مصر مجرد "ولاية" فى دولة "الخلافة" الإسلامية الكبيرة، التى تصعد فوق أكتاف الولايات المتحدة والغرب - كما صعدت بالفعل - ثم تواجههم بعد ذلك بالبغضاء ، وتصعد إلى الحكم بسلم الديمقراطية "النقالى" على طريقة هتلر ثم ترمى بالسلم إلى غياهب النسيان !


ولو ظل المعزول "مرسى" فى الحكم عاماً ثانياً - فقط عاما آخر - لرأينا بعيوننا وسمعنا بآذاننا انهيار الدولة المصرية بشكلها الراهن، والدخول فى عصر "ميلشيات الإخوان" ، وتكوين جيش على طريقة "النازى" وتصفية المعارضين بالقتل على طريقة هتلر.. ثم لرأينا مرسى ينقلب عدواً للغرب الذى أتى به إلى الحكم، متحالفاً مع الإخوان فى الشرق الأوسط، ولاندلعت حرب عالمية جديدة ضد هتلر العالم العربى فى مصر "محمد مرسى" .. لعل هذا هو الفارق الوحيد بين هتلر ومرسى.


فهتلر كان لديه جنون عظمة، شعور شخصى بأنه عبقرى ، ولد ليقود العالم .. وأمته هى أعظم الأمم قاطبة، بينما مرسى لم يكن لديه أى شعور بالعظمة، بل كان يعلم علم اليقين محدودية امكاناته السياسية وضحالته الفكرية، لكنه - ككادر إخوانى - متشبع بفكرة "أستاذية العالم" ونظريات حسن البنا وسيد قطب، التى يذهل المتأمل لها من جنون العظمة الإخوانى الذى تموج به سطور مؤلفاتهما، وهى المؤلفات التى يحفظها مرسى ورفاقه عن ظهر قلب. !


لو استمر مرسى فى الحكم، لتحول "الحرية والعدالة" إلى حزب نازى جديد، وتحول الانتماء إلى فكر سياسى آخر - غير فكر الإخوان - إلى جريمة يعاقب عليها القانون، كما كان الوضع فى ألمانيا الهتلرية، التي كان الخارجون على النازية فيها يوصمون بالخيانة الوطنية، وكان الخارجون على "نظرية مرسى" فى الحكم سيتهمون بالخروج على الإسلام، وتلاحقهم تهم التكفير.. وربما يحكمون عليه بالتطليق من زوجته ، مثلما حدث لنصر حامد أبوزيد فى التسعينيات !


النازية والفاشية لايختلفان فى شىء عن تجربة الحكم بالإسلام السياسي، جميعها نظريات تعمل على إقصاء الآخر، والآخر هنا ليس هو المسيحى واليهودى فقط، بل المختلف فى الاعتقاد السياسي، والمختلف فى الثقافة ، والاقتناعات، واللغة، فالعنصرية واحدة، لاتتجزأ.. ولو عاش مرسى يحكم مصر، لأصبح لدى العالم "هتلر" جديد ملتح، يحكم باسم الإسلام، والإسلام براء من أفكاره، وكان سيصل بمصر إلى مصير ألمانيا فى الحرب العالمية الثانية !


إنه الكأس الذى شرب منه هتلر، وشرب منه جبابرة العالم ممن تصوروا أنهم أقوى من حركة التاريخ، هتلر، وصدام حسين، والقذافي، وأخيرا محمد مرسى ، والإخوان الإرهابيون.. وأخيرا؛ شكرا لروح المبدع السورى العظيم "محمد الماغوط" الذى أبدع مسرحيته الرائعة "كأسك .. ياوطن" بقلمه الجبار سنة 1979 ، كأنه كان يحكى مانحن فيه الآن .. ألم يكن الماغوط يعيش فى أجواء دكتاتورية الأسد.. أيضا ؟