دي جافو

25/02/2016 - 9:56:41

إيمان حسن الحفناوي إيمان حسن الحفناوي

كتبت - إيمان حسن الحفناوي

هل وجدت نفسك في مكان ما لأول مرة في حياتك لكنك تحيرت من أمرك إذ شعرت أنك زرت هذا المكان من قبل؟ هل جلست مع بعض الأصدقاء ودار الحديث بينكم ثم توقفت لبرهة، فقد سمعت هذا الحديث من قبل وبنفس الكلمات؟ هل انتابك شعور ما وانشغلت لوهلة بأن هذا الشعور نفسه زارك من قبل وبنفس التفاصيل؟ ما هذا؟ يؤرقك أن يحدث لك مثل هذه الأشياء؟ إنها ما يسميه االعلماء "دي جافو" وهي كلمة فرنسية تعني "ما تمت رؤيته من قبل"، وهي ظاهرة حيرت العلماء كما حيرتك وانطلقت فيها نظريات كثيرة لم ترق للآن أي منها إلى نسبة 100% لكنها إلى حد كبير يمكنها أن تفسر الظاهرة بشكل مقبول ومنطقي.


***


قبل أن يتداولها العلماء كان كثيرون يفسرونها تفسيرات غريبة، فمن قال بأنها تدل على خبرة حياتية ماضية عاشها الإنسان في حياة قبل هذه التي يحياها، وهذا الرأي إنحاز له من يؤمنون بتناسخ الأرواح، والبعض فسرها بأنها عبارة عن أحلام رأيناها في نومنا ثم نسيناها، ونحن لا نتذكر بالفعل معظم أحلامنا، وفي هذه الأحلام التي تقارب الرؤيا استقبلت الروح بشفافية أحداثا ستحدث في المستقبل، فعندما تحدث بالفعل يتذكرها الإنسان لكنه لا يتذكرها على أنها حلم بل حقيقة عاشها من قبل، هذا الرأي له كثيرون يؤيدونه، آخرون فسروها بأنها تنتمي إلى ما أسموه الحاسة السادسة وهي أن يحظى البعض ولأسباب لا نعرفها بأن يتوقعوا الشيء قبل حدوثه، هذا أيضا رأي له مؤيدون كثيرون، البعض فسرها بأن حياتنا إنما تعرض علينا كاملة ونحن أجنة في بطون أمهاتنا بكل تفاصيلها التي ستحدث، وننساها تماما عندما نولد، لكن قد يحدث حدث يجعلنا نتذكر أنه حدث من قبل.


***


كل هذه تفسيرات لها من يؤيدها لكنهم جميعا لم يستطيعوا إثباتها، فماذا قال العلم؟ البداية كانت مع العالم الفرنسي إميل براك عام 1876 وهو من أعطى الظاهرة اسمها، ويعرفها بأنها حدث يتم وتشعر وقت حدوثه أنك عشته من قبل، وأحيانا تعرف ما سيحدث خلال ثوان قادمة، لكنك لا تعرف الحدث قبل ذلك وهذا هو الفرق بين دي جافو وبين أي شيء آخر، ونجد عالما مثل الباحث السويسري فانكهوزر يوكد ارتباط "دي جافو" بالأحلام التي نراها في نومنا، وفي دراسة له على طلبة بجامعة أوكسفورد وجد أن كثيرا من النظريات التي يطبقها الطلبة يحلمون بها أو بأجزاء منها تساعدهم على إتمامها، نفس النتيجة أكدتها بعد ذلك دراسات قامت بها الباحثة نانسي سوندو عام 1988، هذه النتائج قد تجعلنا نربط بين "دي جافو" وبين الأحلام ولو بقدر بسيط، وكلما مرت الأيام أضيفت تفسيرات علمية أكثر دقة للظاهرة، فقد تم تحديد النسبة التي تتعرض لها وهي نسبة 70% من البشر في الفترة من 15 سنة إلى 25 سنة، لماذا؟ لأن العقل في هذه الفترة من العمر يكون طازجا لازال مستعدا لملاحظة التفاصيل والتغيرات المحيطة.


كما قلنا العلم دائما في تواصل لتفسير الظاهرة، فتوصلوا بعد ذلك إلى أن هناك اختلافا بين العين اليمنى والعين اليسرى، لذلك قد تسجل إحدى العينين الحدث قبل الأخرى في جزء من الثانية، لذلك قد يتخيل الإنسان أنه عاش نفس الموقف من قبل، لكنهم عادوا ودحضوا هذه النظرية عندما أكدت الدراسات اللاحقة أن من يرون بعين واحدة هم أيضا يتعرضون للظاهرة، نظريات كثيرة بعد ذلك تواترت تم اسقاط بعضها والاهتمام ببعضها، لكنها كلها في النهاية وإلى وقتنا هذا وحتى نقرب المعنى أكثر تدور حول الآتي: المخ فيه مراكز وكل مركز مسئول عن عمل ويؤدي وظيفة مثل الرؤية، السمع، ترجمة الإشارات وغيرها من الوظائف، ما يحدث أنك ترى الشيء فيصبح صورة، وحتى تتم الوظيفة فلابد من ترجمة الصورة فإذا حدث أي تأخير ما بين الرؤية والترجمة تدخل الصورة إلى مركز الذاكرة قبل أن يتم تفسيرها فيتخيل المخ أنه رآها من قبل، فعندما يحدث بعض التشابك في الأعصاب المسئولة عن الذاكرة القصيرة والذاكرة الطويلة يتم اختزان الحدث في الذاكرة قبل ذهابه إلى منطقة الوعي فتتصور أنك عشت الحدث من قبل أو رأيت الصورة من قبل، وكل ذلك يحدث في جزء صغير جدا من الثانية سبحان الله، هذه ببساطة شديدة خلاصة ما وصلت إليه التفسيرات العلمية.


***


لكن علم النفس كان له رأي أيضا في الظاهرة، فمن قال بأنها مجرد بقايا ذكريات مخزونة، تفسير آخر يقول إنك عشت تجربة مشابهة أو سمعت عنها من أحد لكنك لم تعطها الإهتمام الكافي وقتها إلى أن عشتها فعلا، يمكن أن تكون شاهدت نفس المكان في فيلم أو قرأت عنه في كتاب، أو شاهدت صورا له وأنت صغير وقد تكون ذكريات طفولة، قد يؤكد هذا دراسة قام بها آنكليري، أنتوني ريالز، جاسون نومي، حيث قاموا بتقديم ورقة بحث تعرض تجربتهم التي عرّضوا فيها عينة بحث إلى لوحات مرسومة ثم عرّضوهم بعد ذلك للوحات أخرى تختلف بعض تفاصيلها، وقتها عبر المبحوثون عن أنهم شاهدوا من قبل هذه الصور أو اللوحات، مما جعل الباحثين يتوصلون لنتيجة، وهي أننا نمتلك ذاكرة جيدة للأشياء، فإذا شاهدنا شيئا مألوفا لدينا في بيئة غير مألوفة سنتصور أننا رأيناه من قبل، وعلق بعض العلماء بتفسير حول نتيجة الدراسة، فإذا كان مثلا عند أحد أجداد كقطعة أثاث مميزة، ورأيتها بعد ذلك في بيت أحد الأصدقاء قد تشعر بألفة فورية للمكان وقد تتصور أنك دخلته من قبل، هذا في حالة إذا كنت تحب جديك، أما إذا كان العكس فستشعر بعدم الألفة، أيضا يقول علماء النفس أن ذاكرة الإنسان هي المسئولة عن ظاهرة "دي جافو"، حيث يسترجع شيئا حدث له في الماضي الذي ظل قابعا بداخله لكن استدعته لحظة أو مكان أو كلمة أو حتى رائحة، فيتخيل الإنسان أنه يعيش الموقف للمرة الثانية، فالمعلومات التي لدينا قد ننساها لكن المخ لا يمسحها بل يحتفظ بها في دهاليزه الداخلية لحين استدعائها.


***


الحديث عن هذه الظاهرة طويل لا ينتهي، لكن علينا أن نعرف أنها ظاهرة طبيعية طالما تحدث بين وقت وآخر، تصبح خطرا فقط إذا تكررت يوميا مثلا أو بشكل يدعو للقلق وقتها لابد أن تتم استشارة الطبيب، فبعض الأمراض تصبح سببا لها، وبعض الأدوية أيضا بل وأحيانا خلل في بعض الهرمونات، عدا ذلك فهي حالة عادية لا تدعو للإنزعاج إلا عند من يمتلكون شخصيات قلقة، فهذه الظاهرة (دي جافو) هي رد فعل يحاول أن يشعر كأنك في موقف مألوف، والمشكلة ليست في هو لكن في رد فعلنا تجاهه والذي قد يأخذ أحيانا شكل الخوف الشديد.