د. حلمى شعراوى الخبير فى الشأن الإفريقى:لا حلّ أمام إثيوبيا إلا التفاوض مع مصر!

24/02/2016 - 2:59:24

د. حلمى شعراوى يتحدث للزميلة سلوى عبدالرحمن د. حلمى شعراوى يتحدث للزميلة سلوى عبدالرحمن

حوار: سلوى عبد الرحمن

لازالت أزمة «سد النهضة» الإثيوبى تشغل الشارع المصرى، خاصة أن المفاوضات حتى الآن لم تصل إلى نتائج واضحة، وجميع التقارير تؤكد أن إثيوبيا ما زالت تشرع فى بناء السد.


«المصور» التقت الدكتور حلمى شعراوى، ملك إفريقيا، كما يطلقون عليه، وهو مفكر وخبير كبير فى الشأن الإفريقى، وهو الرئيس السابق للجمعية الإفريقية للعلوم السياسية، والأستاذ بجامعة جوبالا بجنوب السودان، منسق مكاتب الحركات التحريرية الإفريقية فى مصر، ليتجول بنا كخبير عشق إفريقيا لأكثر من ٥٠ عاما.


«شعراوى» أكد أن التفاوض هو سبيل إثيوبيا الوحيد لحل أزمة «سد النهضة»، وإلا سيخضع المشروع لأهواء إمبريالية، لافتا إلى أن مصر لديها بدائل كثيرة ووجودها فى الكونغو قد يعوض خسائرنا مع «سد النهضة».


فى رأيك.. هل استعدنا وجودنا بالفعل فى إفريقيا الذى كنا نحلم به؟


لابد أن نعلم أن استعادة وجودنا لإفريقيا ليس مجرد زيارات، لأن هذا لن يستعيد العلاقة، فحسنى مبارك ذهب إلى إفريقيا، لكن الفكرة هنا إلى أى حد هناك متابعة للأبعاد المختلفة، فلولا اتحاد الصحفيين، وهذا لحسن الحظ أنه نشط وله صلة قوية ويقوم بالتدريب للأفارقة والمتابعة، وقمنا مؤخرا بعمل ندوة عن الانتماء الإفريقى لمصر وإلى أى مدى يعبر عن هذه القضية، وهل المجتمع المدنى مشغول بها؟، لكن الغريب أن الحضور فى هذه الدورات يحضرها عدد قليل جدا من الصحفيين الشبان، وهذا يدل أن المجتمع المصرى مشغول بالمجتمع الإفريقي.. فيجب أن يكون اتحاد الكتاب له صلة باتحاد الكتاب الأفارقة واتحاد المهندسين الذى كان يشرع فى الاهتمام، فقمنا بإلقاء محاضرات لتأهيلهم، وحتى الآن مرت شهور ولم يبدأوا فى إقامة المحاضرة، فلابد أن تدعم الدولة ما يسمى بعلاقات المجتمع المدني، والأحزاب السياسية المصرية لابد أن تكون لها أنشطة.


وماذا تقصد بالمجتمع المدنى هنا؟


مفهوم المجتمع المدنى لدينا مقتصر على المنظمات الحقوقية وكل ما يخص حقوق الإنسان، لكن المجتمع المدنى هنا النقابات والاتحادات والجمعيات الأهلية فى نفس الوقت الذى لابد أن يكون منتشرا وله علاقات بإفريقيا باسم مصر ولديه مقدرة للدعوة والذهاب إلى إفريقيا، لأن هذه المسألة صعبة جدا فى الإمكانيات، فالاهتمام بالشأن الإفريقى ثانوى بالنسبة لمصر.


وهل نتيجة فقر إفريقيا جعل الاتجاه إلى دول الخليج؟


بالطبع، لكن لم يكن الاتجاه للخليج فقط، بل إلى أوربا أيضا، وهذا حدث فى عصر أنور السادات الذى جعل الاهتمام يتجه إلى إفريقيا، وجزء كان للاتجاه العربي، لذلك نهتم جدا بالشئون المصرية فقط، فنجد الدول تعلم عنا كل شىء ونحن لا نعلم أى شىء عن المجتمعات العربية من الداخل.. فأين المجتمع السورى من الداخل، وأين المجتمع الكويتى والتعبير عنه فى الصحافة، وهو البلد الذى يساعد بالمال والدعم.


على سبيل المثال.. كيف ترى إفريقيا فى مناهجنا الدراسية؟


المناهج الدراسية إذا راجعنا ما يكتب فيها عن إفريقيا فى أى مرحلة سنجد أسطرا قليلة «لا تسمن ولا تغنى من جوع»، ناهيك عن التاريخ المصرى، لكن أنا هنا أدافع عن إفريقيا عشقى الكبير.


إذا تحدثنا عن الإرهاب فى إفريقيا وأسبابه.. ماذا تقول؟


من وجهة نظرى، أن أكبر سبب هو الأموال الخيرية، التى تذهب الى إفريقيا دون بلورتها إلى مشاريع، فمن خلالها تتحرك عناصر الإرهاب بعد الحصول على مساعدات كثيرة من رجال أعمال، فنسبة كبيرة من المساعدات الخليجية تذهب إلى جمعيات إرهابية، وحدث هذا فى الصومال ونيجيريا وتشاد ومالى وكل المناطق الملغومة بالإرهاب بها أموال خيرية إسلامية، ولا أحد يهتم، لكن هو تطور الأحداث، فمصر صاحبة المدارس والثقافات والحاضرة الكبيرة لن تهتم بهذا الملف، لأن اهتمامنا سيكون مدنيا حداثيا تنويريا، وجه جديد للإسلام، والصحافة المصرية تعبر بالشكل اللائق.. فيكون لدينا فرصة أفضل، وأنا أعرف أحد رجال الأعمال المصريين له اكثر من ٢ مليار دولار بإثيوبيا استثمارات فقط، لماذا لم نستغل ذلك فى موضوع «سد النهضة» ومشاكلنا مع إثيوبيا؟، فلا يوجد وعى بذلك بأن نقوم بضجة لهذا الاستثمار، كما فعلت شركة «المقاولون العرب»، التى لها باع كبير فى غينيا الاستوائية وتشاد والنيجر، وقامت بعمل ضجة كبيرة لزيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي، لأن مشروعاتها كبيرة جدا هناك، وسيدعم هذا مشاريعها، ألا يلفت هذا انتباه المستثمرين بإفريقيا، وأذكر أن رأس المال الإفريقى كان يريد فتح «دكاكين» بمصر وكانوا مهتمين جدا بالاستثمار بمصر، لكن واجهوا صعوبات كبيرة، مما جعلهم يعودون من حيث أتوا.. إذا نحن نريد فهم متبادل نحو قبولنا لإفريقيا فى مصر وذهابنا لإفريقيا بروح ونشاط وودية.


فى تقديرك.. كيف يرى الأفارقة مصر؟


مصر استمرت خمسين عاما، الأفارقة يعرفونها بجمال عبدالناصر، وأذكر مثالا عندما قمنا كمعارضة بمهاجمة باتفاقية «كامب ديفيد» لم يهاجم الأفارقة مصر، نتيجة احترامهم لها، لكن الآن وبعد تطورات ثورة «٢٥ يناير» أصبح هناك إشكالية فى فهمهم، وبعد ضياع اسم الربيع العربى لم تعد البهجة، التى بدأنا بها، وفى السنوات الأخيرة تفهموا أن جيشنا وطنى، وأن ما حدث فى يناير كان مساعدة لحركة شعبية، وأنه التزم بالتحول الديمقراطى وطبق بالفعل وبالمقارنة لما حدث فى ليبيا وسوريا وغيرها.. من هنا بدأ التفهم، رغم أن هناك خلافات فى إفريقيا لا حدود لها، لكنهم شكليون إلى حد كبير، وأيضا مواجهتنا للإرهاب بشكل يبدو ناجحا بقدر ما ومختلف عن الآخرين، شجع أيضًا على قبول ما حدث، فاستعدنا السيطرة بذلك، وبالنشاط السياسى الآن فى إفريقيا، لكن على المستوى الشعبى والاجتماعى لم نتحرك ساكنا، فيجب أن تكون هناك دبلوماسية شعبية للتواصل المستمر بكل المجالات عن طريق هيئتنا الشعبية المتمثلة فى المجتمع المدنى للارتقاء بنظائرها فى إفريقيا.


وبم تفسر هذا الفتور تجاه مصر؟


الحركات التحريرية هى التى كانت تحدث التفاعل المثمر مع مصر، لأننا كنا مهتمين جدا بها، وأنا كنت منسق مكاتب الحركات التحريرية الإفريقية فى مصر منذ عام ١٩٦٠ حتى ١٩٧٥، لكن فى السبعينيات والثمانينيات أصبحت العلاقات اقتصادية وسياسية عموما، فالسادات رفع يده عن الملف الإفريقى، وكانت العلاقات بنسبة ٩٩٪ مع الولايات المتحدة، وجاء مبارك وأكمل هذا التجاهل.. وأنا كمسئول إفريقى لمدة خمسين عاما أرى أن رفض عملية التعليم والتثقيف عن إفريقيا تظهر لنا الضعف الكامل فى هذا المجال، فلا يمكن أن تجعل الشعب يهتم بالملف، إلا إذا كان فى مناهج التعليم كبداية، والإعلام الذى يظهر إفريقيا كـ»رقص» فقط.


وهل البُعد عن إفريقيا كان اتفاقًا غير معلن بين الدول العربية لصالح أمريكا؟


كان الرهان من السادات ومبارك توجه اقتصادنا للشمال والغرب، وربط المصالح بالتعاون مع أمريكا والغرب، وكانت علاقتنا مع إفريقيا هى علاقة تناقض مع الغرب ومواجهة لآثار الاستعمار والاستعمار الجديد، ووقف أى تحركات مصرية إيجابية، واتبدلت علاقتنا بحركات موالية للغرب، وتركنا الدول التى كانت تابعة لمصر للغرب طواعية، وابتعدنا عن معالجة قضايا كثيرة مثل جنوب السودان ودارفور، وأصبحنا كأننا موجهون من القوى الغربية.


كيف تُفسر موقف إثيوبيا الآن من موضوع «السد النهضة»؟


هذا الموقف ناتج عن ضعف مصر بسبب أحداث ثورة ٢٥ يناير فحدث استغلال من الجانب الغربى لأن السد ليس مجرد مشروع إثيوبى فهو يعتبر مشروع البنك الدولى فى إنشاء سدود فى إنتاج كهرباء بقوة هائلة، وليس مجرد توزيع الماء، وليس سد النهضة وحده، ولأنه يبنى أربعة سدود كتلة واحدة من أكبر السدود فى العالم، وبحجم سد النهضة عشر مرات.


وما الحل فى موضوع السد من وجهة نظرك كمتخصص؟


لابد أن نتابع باهتمام العلاقة مع الكونغو الديمقراطية، لأن هذه منطقة تنافس مع سد النهضة، ووجود مصر فى الكونغو قد يعوض خسائرنا مع سد النهضة والغرب، فرأس مال مشروعات سدود انجا الأربعة فى الكونغو حوالى ٨٠ مليون دولار، والغرب يستثمر فى نهر الكونغو والزمبيزى والنيجر فى أنحاء إفريقيا، وتكلفة سد النهضة سبعة مليارات دولار، لكن أهميته أنه يقام مباشرة على نهر النيل، لذلك يجب على مصر أن تعى لأعلى مستوى، السياسة الإفريقية، فمن الممكن أن يكون التعاون المصرى الإفريقى يقوم بحل مشاكل كثيرة، لكن الذى جعل المسألة مُعقدة وجعلها تأخد وقتا طويلا فى التفاوض هو الضعف المصرى.. وأرى أيضا أن العلاقة بين مؤسسة الرئاسة بالدولتين عامل مساعد كبير لحل المشكلة، ويجب أن نعلم أن النمو الإثيوبى ١٠٪ ورغم ذلك تعانى إثيوبيا من الفقر، لأنها محقونة برأس المال الغربى والخليجي، فنحن لانستطيع أن نزايد فى هذا الموضوع.. أرى أن البعض يعمل بالمزايدة على المفوض المصرى، فإذا ذهبنا بهذه الروح ستفشل المفاوضات الإثيوبية، فالمكسب مع الملف الإفريقى هو فى التفاوض السليم والمشروع المشترك، ومصر تكافح الآن لهذا، فعلى إثيوبيا أن تخضع للتفاوض، وإلا سيخضع المشروع لأهواء إمبريالية أخرى نحذر منها للطرفين.


وماذا أيضا؟


إلى جانب أن مصر يجب أن تعترف أنها لديها إمكانيات كبيرة ولا تستغلها، فعلى سبيل المثال وبالإحصائيات مصر تهدر ١٥ مليار متر مكعب من الماء، وهذا الهدر هو قيمة ما يخصمه السد فى السد الإثيوبي، ولأننى لا أفهم فى الفنيات أتحدث عن الناحية السياسية التفاوضية، ولكن البيروقراطية فى مصر هى رأس الفساد والطبقة العليا منها خاصة، وهي على لساني، هو ما يفسد مشروع المستقبل المصرى، وأيضا يجب أن نتعاون بشدة مع السودان الجنوبى، ومصر تدرس هذا الملف الآن المتعلق بالسودان والكونغو وستكون هناك نتائج إيجابية ستعلن فى الوقت المناسب، فيجب أن تقدر إثيوبيا أن مصر بلد كبير وقادرة على خلق البدائل، وفى المقابل إثيوبيا من أجل تنمية شعبها تحتاج إلى هذا التعاون.. فمصر تحتاج إلى عمل مشترك بين دول حوض النيل، ويجب أن نعلم أن مصر هى المنطقة الوحيدة، التى ليس لها كتلة أو تجمع مناسب فى منطقة حوض النيل، فيجب أن يكون الشمال الإفريقى أقوى من ذلك كمنطقة الشرق والغرب والجنوب، لذلك فمستقبلنا فى حوض النيل.